حسين أفشين
نائب رئيس الجمهورية للشؤون العلمية والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة
لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كانت العلوم والتكنولوجيا مهمة أم لا؛ بل السؤال الجوهري هو: كيف ينبغي توجيه هذه الطاقات لتتحول إلى محرك فعّال لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى؟
ثمة ثلاثة نماذج رئيسية لصياغة سياسات العلوم والتكنولوجيا عالمياً؛ أولاً: نموذج «المنظومة الحرة»، حيث يحدد السوق والطلب مسار نمو الشركات الناشئة، وتكتفي الحكومة بدور الداعم للبنى التحتية. ثانياً: نموذج «الحوكمة المركزية»، حيث تفرض السلطة توجهاً من الأعلى إلى الأسفل لتحديد مجالات الابتكار. وثالثاً: «النموذج الهجين» الذي تتبعه الدول الأكثر نجاحاً -من الصين وكوريا الجنوبية إلى ألمانيا- وهو نموذج يوازن ببراعة بين حرية الابتكار والتوجيه الذكي لحل القضايا الاستراتيجية وخلق تقنيات سيادية.
لقد كشفت التجربة الملموسة للسنوات الماضية في إيران عن حقيقة لا يمكن إنكارها: فلا اقتصاد المعرفة الحكومي والمركزّ بالكامل يمكنه أن يكون محركاً مستداماً، ولا التحرير الكامل المفتقر للتوجه الوطني قادر على حل الأزمات الاستراتيجية. لقد شهدنا نمو براعم منظومة الابتكار، وولادة الشركات القائمة على المعرفة، وبروز واحات العلوم؛ بيد أن هذا النمو ظلّ مشتتاً ويفتقر في جوانب عديدة إلى عمق الأثر. وهذا يعني أن هذه القدرات الهائلة يجب أن تتخطى مرحلة النمو الأولي لتنضج في مرحلة “التأثير الوطني”.
ولهذا السبب تحديداً، تبنت «المعاونية العلمية والتكنولوجية والاقتصاد القائم على المعرفة التابعة لرئاسة الجمهورية» في الحكومة الرابعة عشرة، نموذجاً هجيناً وموطّناً؛ نموذجاً لا تكون فيه الحكومة مديراً مباشراً للتقنية ولا مراقباً سلبياً، بل “ميسّراً وقائداً”.
في المستوى القاعدي لهذا النموذج، يتم الحفاظ بالكامل على حرية التنافس وريادة الأعمال لضمان النمو الطبيعي لمنظومة الابتكار. وتعمل الحكومة، عبر دعم البنى التحتية وتقليص البيروقراطية وتوفير التمويل الذكي، كداعم لكل مسار يختطه الإبداع. إن إنتاج الابتكار وتطوير المنتجات هي مهام تقع أصلاً على عاتق القطاع الخاص والجامعات.
أمّا في المستوى الأعلى، فتؤدي الحكومة دور «الموجّه الاستراتيجي»؛ حيث تُوجَّه المجالات التكنولوجية الناضجة نحو معالجة التحديات الكبرى مثل الطاقة، المياه، الغذاء، والصحة. وفي التقنيات الناشئة والاقتدارية -كالذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمية، التكنولوجيا الحيوية، والاقتصاد الرقمي- تدفع الحكومة الجامعات والشركات الواعدة نحو الريادة عبر تهيئة ظروف خاصة وتوفير التمويل المخاطر والتنظيم الذكي.
وفقاً لهذه الرؤية، تتحول حوكمة العلوم والتكنولوجيا إلى معادلة «رابح-رابح»؛ يتصدر فيها النخب المشهد، ويتنافس القطاع الخاص، وتوجه الحكومة المسارات، لتجني البلاد بأسرها ثمار الابتكار.
بيد أن هذا النموذج لن يكتمل دون إعادة تعريف مفهوم «النخبة»؛ ففي الرؤية الجديدة، لا يقتصر وصف “النخبة” على أصحاب الرتب العلمية الرفيعة أو ناشري المقالات الدولية فحسب، بل النخبة هو من يقدم حلاً عملياً، مستداماً، وذي جدوى اقتصادية لقضية حقيقية تواجهها البلاد؛ بدءاً من أزمة الطاقة وصولاً إلى شح المياه، واضعاً بصمة ملموسة في مسيرة التنمية.
إنّ الحفاظ على النخب لا يتحقق بمجرد زيادة الميزانيات أو القروض؛ بل يبقى النخبة في وطنه عندما يشعر بأنه عضو في فريق إدارة مستقبل البلاد، وليس مجرد قوة تنفيذية. يبقى عندما يرى فكرته تتحول سريعاً إلى مشروع وطني. إن إشراك النخب في صنع القرار، والوثوق بالشباب، وإسناد مسؤوليات حقيقية لهم بعيداً عن السجالات الجانبية، هي الأركان الأساسية لهذه الحوكمة.
إنّ الأفق النهائي لهذا المسار هو تحويل إيران إلى قوة رائدة في اقتصاد المعرفة إقليمياً. إيران التي نطمح إليها هي دولة تبني قوتها لا على أساس بيع المواد الخام والعائدات النفطية المتقلبة، بل على أساس المعرفة والابتكار والتكنولوجيا المحلية.
إنّ مستقبل إيران لا يتحدد بكمية النفط في الخزانات، بل يتوقف على سؤال واحد: هل يؤمن نظام صنع القرار فعلاً بأن العلم والتكنولوجيا هما المحرك الحقيقي للاقتدار الوطني؟ إذا ترسخ هذا الإيمان، سيتجاوز العلم حدود المعارض الموسمية ليتحول – عبر الصبر الاستراتيجي والثقة المطلقة بالشباب – إلى قوة حقيقية لحل مشكلات البلاد. هذه هي نقطة التحول من «النمو المشتت» إلى «التأثير الوطني»؛ المسار الذي بدأته الحكومة الرابعة عشرة بكل ثبات.