التوقعات الزمنية لاستعادة الاقتصاد بعد صدمات الحرب في غرب آسيا

العدوان على إيران.. أغلى خطأ اقتصادي لترامب

الوفاق/ بعد مرور أكثر من شهرين على العدوان الأمريكي - الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أصبحت آثار هذا العدوان تؤثر بشكل متزايد على حياة الناس في جميع أنحاء العالم، حيث تُعد زيادة الركود والتضخم من أبرز مؤشراته. ما يميز هذه الحرب عن النزاعات السابقة هو إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، الذي أزعج سلاسل التوريد العالمية وقلل النمو الإقتصادي للعديد من الدول، لاسيما في أوروبا.

التكاليف الإقتصادية للعدوان الصهيوأمريكي

 

وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأهم: ما التكاليف الإقتصادية التي فرضتها هذه الحرب على دول العالم، ومتى يمكن الخروج من هذا الأزمة؟

 

وعلى الرغم من أن بداية الحرب كان يُعتقد أن آثارها ستقتصر على إيران أو منطقة الشرق الأوسط، إلا أن التصريحات الأخيرة لمسؤولين أوروبيين كشفت الواقع؛ إذ أشارت أحدث التصريحات الألمانية إلى أن هذا البلد الأوروبي كان الأكثر تضررًا من النزاع.

 

وقد كشف، وزير المالية الألماني، لارس كلينجبييل، مؤخرًا أن حرب ترامب مع إيران قلّصت النمو الاقتصادي لألمانيا إلى النصف وزادت تكاليف الوقود والطاقة بشكل كبير، رغم عدم تدخل برلين في الحرب.

 

وتشير هذه الحقيقة إلى أن الحرب ضد إيران ليست مجرد أزمة إقليمية، بل استهدفت سلاسل توريد الطاقة والصناعة في ألمانيا. كما أن صناعة السيارات الألمانية، التي كانت تعاني سابقًا من أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، أصبحت الآن مشلولة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وقطع سلاسل توريد القطع عبر مضيق هرمز.

 

من الواضح أن المسؤولين الرئيسيين عن هذا الوضع هم الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، اللذان بدأوا العدوان ضد إيران فزعزعوا استقرار الطاقة العالمي. وألمانيا، التي تعتبر نفسها غير معنية بهذه الحرب، أصبحت عملياً رهينة لسياسات البيت الأبيض.

 

وقالت وزيرة الإقتصاد الفيدرالية الألمانية، كاترينا رايش، من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU، في برلين: إن الحرب في الخليج الفارسي من المتوقع أن تحدد نمو الاقتصاد الألماني هذا العام إلى نصف واحد بالمئة فقط.

 

ولا تقتصر المشاكل الإقتصادية في أوروبا على ألمانيا، بل خفضت دول أخرى مثل إيطاليا توقعات النمو بشكل كبير. فقد أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ملوني، أن الأولوية الحالية لها هي السيطرة على الضغوط التضخمية على الأسعار، خصوصًا أسعار الطاقة، نظرًا لتأثير الحرب الأمريكية ضد إيران؛ مشيرة إلى أن التحكم في الأسعار والطاقة لمنع التأثيرات التضخمية على الناتج المحلي يجب أن يُعتبر أولوية.

 

في المقابل، أظهر الاقتصاد الإسباني أداءً مذهلاً، وفقًا للبيانات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء الإسباني INE، نما الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا في الربع الأول من هذا العام بنسبة 6/0٪ مقارنة بالربع السابق، وبالنسبة السنوية وصل إلى 7/2٪.

 

وصرح وزير الإقتصاد الإسباني، كارلوس كويربو، أن إقتصاد بلاده حافظ على معدل نموه في بداية السنة المصاحبة للحرب في إيران. وعزا هذا النجاح إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة “بنسبة 55٪ من مزيج الطاقة”، وتنويع مصادر واردات النفط (من الولايات المتحدة وأفريقيا بدلاً من الخليج الفارسي)، وحزمة دعم بقيمة 5 مليارات يورو للأسر والشركات.

 

ومع ذلك، فإن هذا النمو لم يكن بدون تكلفة؛ إذ ارتفع معدل التضخم في ظل الحرب، وعلى الرغم من انخفاضه إلى 2/3٪ في أبريل، إلا أن أسعار الوقود لا تزال مرتفعة، وقد حذرت السلطات الإسبانية مسبقًا من تباطؤ الإقتصاد إذا استمرت الحرب.

 

وفي هذا الصدد، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن تداعيات النزاع في غرب آسيا قد تستمر لأشهر أو حتى سنوات، معتبرة أزمة الطاقة الأخيرة ثاني أكبر أزمة طاقة خلال فترة أربع سنوات.

 

وأوضحت ثلاثة محاور للخروج من أزمة الطاقة في أوروبا: أولًا تعزيز التنسيق على مستوى أوروبا، ثانيًا حماية المستهلكين والشركات، وثالثًا تحديث استهلاك الطاقة بشكل منهجي.

 

مضيق هرمز؛ شريان الإقتصاد العالمي

 

يعتبر خبراء سياسيون واقتصاديون، أن أحد أوراق القوة لإيران في هذه الحرب كان إغلاق مضيق هرمز، الذي بدأ بإدارة مرور السفن وفقًا للاتفاقيات الدولية في ظروف النزاع والحرب، ثم أدى الحصار الأمريكي إلى الإغلاق الكامل.

 

ويمثل هذا الممر الضيق بين إيران وعمان طريق مرور نحو خمس النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم. وحذر البنك الدولي من أن الحرب في غرب آسيا أدت إلى أكبر انخفاض في إمدادات النفط في التاريخ، وأن أسعار الطاقة سترتفع هذا العام بمتوسط ربع القيمة تقريبًا.

 

ويرى محللو «أكسفورد إيكونوميكس» أن إعادة صادرات النفط من المناطق المتأثرة بالحرب إلى مستويات ما قبل النزاع عملية تستغرق وقتًا طويلًا، إذ بقي إنتاج النفط في العراق والكويت أقل بنسبة تزيد عن 60٪ بعد حرب الخليج الفارسي الأولى عام 1991، مقارنة بما قبل الحرب بعد ثلاث سنوات.

 

ومع إغلاق مضيق هرمز، تضطر السفن للسير في طرق أطول وأكثر تكلفة لنقل النفط، مما يزيد الأسعار. ويتوقع البنك الدولي أن تعود حركة النقل البحري عبر المضيق إلى طبيعتها خلال ستة أشهر على الأقل، وخلال هذه الفترة ستواجه الإقتصاديات العالمية صدمة غير مسبوقة.

 

كم من الوقت يستغرق الإقتصاد للتعافي؟

 

السؤال الأساسي الذي يشغل العديد من المحللين هو متى يمكن لاقتصادات الدول المتأثرة بالحرب (وحتى الدول الثالثة مثل ألمانيا) العودة إلى الوضع الطبيعي.

 

وبحسب تحليلات «أكسفورد إيكونوميكس»، من المتوقع أن يستغرق التضخم الناتج عن حرب إيران سنتين إلى ثلاث سنوات بعد انتهاء النزاعات ليزول بالكامل، وحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلًا، سيظل الاقتصاد الألماني وغيره من الدول الأوروبية متأثرًا لمدة سنة إضافية على الأقل بسبب الآثار النفسية والاضطرابات اللوجستية.

 

ويمكن القول إن جميع هذه الأزمات مصدرها العدوان غير القانوني للولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران. وترامب، الذي اعتقد أنه بإجراء حملة عسكرية قصيرة يمكنه إجبار إيران على الاستسلام، أصبح اليوم يرى إقتصادات حلفائه الأوروبيين تنهار.

 

حتى الدول العربية في المنطقة وقعت في هذا المأزق؛ فالإمارات، على الرغم من خروجها من أوبك، لا تزال تعاني من تداعيات إغلاق مضيق هرمز. والسعودية، على الرغم من احتياطياتها النفطية الكبيرة، غير قادرة على التصدير عبر مسار بديل بتكلفة معقولة.

 

ومن اللافت أن الكيان الصهيوني نفسه لم ينجُ من هذه الحرب؛ فقد أظهرت التحليلات الاقتصادية أن تكاليف الحرب وتوقف صادرات الغاز من الحقول المشتركة أثر بشكل سلبي على نمو الإقتصاد الصهيوني.

 

كما أن الولايات المتحدة، رغم الدعاية الانتصارية لترامب، تواجه موجة جديدة من التضخم، ويتوقع محللو صحيفة «وول ستريت جورنال» أن يتجاوز التضخم 4٪ حتى في حالة التوصل إلى وقف إطلاق النار.

 

المصدر: الوفاق خاص / إرنا