مرتضى مكي
خبير في الشؤون الأوروبية
وتُعدّ المسألة الإيرانية واحدة من الملفات الخلافية التي اتسعت فجوتها عبر ضفتي الأطلسي خلال العام ونصف العام الماضي. فقد وضعت الهجمة الروسية على أوكرانيا الأوروبيين أمام تحديات أمنية جسيمة؛ إذ كان التصور السائد في بروكسل يدور حول إمكانية كبح جماح روسيا وإدارتها عبر أدوات “القوة الناعمة”.
لقد ميّز الأوروبيون رؤيتهم عن الرؤية الأمريكية، مبتغين احتواء روسيا عند حدودها من خلال تمديد المظلة العسكرية لحلف شمال الأطلسي “الناتو” شرقاً نحو جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. غير أن التحريض الأمريكي المستمر لضم أوكرانيا إلى الحلف أدى في نهاية المطاف إلى قلب المعادلات والحسابات السياسية والأمنية؛ مما دفع روسيا إلى شن هجومها على أوكرانيا في فبراير 2022، واضعاً أوروبا في مأزق مفاجئ وحتمي، اضطرت معه لمواجهة موسكو فوق الساحة الأوكرانية. ولولا وصول ترامب إلى سدة الحكم، لربما ظلت مستويات الخلاف بين واشنطن وبروكسل حول الملف الأوكراني في حدودها الدنيا؛ غير أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أججت هذه التباينات، نظراً لانتهاجه سياسات أحادية الجانب في هذا الملف، متوهماً قدرته على إنهاء الحرب في مدى زمني قصير؛ وهو ما لم يتحقق عملياً بالنظر إلى تشابك متغيرات الحرب الأوكرانية التي قيدت مساعيه.
هذا الإخفاق في تحقيق النتائج المرجوة عبر المسار الأحادي لترامب فتح باب التوتر على مصراعيه بين ضفتي الأطلسي طيلة العام الماضي، وزاد الأمر تعقيداً بفرض الرئيس الأمريكي تعرفات اقتصادية وتجارية على معظم الصادرات الأوروبية.
وفي غمرة هذه التوترات، شهدت البدايات الأولى للحرب الأمريكية – الصهيونية المفروضة الأخيرة ضد إيران نوعاً من التماهي الأوروبي مع واشنطن، نظراً للتعقيدات التي شابت ملف العلاقات بين طهران وبروكسل على خلفية أحداث خريف عام 2022 ومستوى التعاون العسكري بين إيران وروسيا، والذي اعتبرته أوروبا تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وبلغ هذا التماهي مداه حين أبدى المستشار الألماني “فريدريش ميرز” تعاطفاً كبيراً مع أمريكا والكيان الصهيوني خلال “حرب الـ12 يوماً المفروضة”، مصرحاً بأن “الإسرائيليين أنجزوا عملنا القذر”. إلا أن هذه السياسة الرسمية للدول الأوروبية شهدت تحولاً جذرياً إبان “حرب الـ40 يوماً” مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ إذ إن الردود الإقليمية الإيرانية المخطط لها والتبعات العالمية العميقة لتلك الحرب أجبرت العواصم الأوروبية على إعادة تموضعها، فلم تلق دعوات ترامب لمشاركتهم في خطط فتح مضيق هرمز بالقوة أو فرض حصار بحري شامل على إيران أي استجابة إيجابية. ولم يكن للأوروبيين أن يغامروا بالاصطفاف خلف أمريكا والكيان الصهيوني في حرب تفتقر إلى أي أفق سياسي أو عسكري واضح. وقد عبرت مواقف العديد من الحكومات الأوروبية، ولا سيما القيادات السابقة في الاتحاد، عن هذا التوجه بكثير من الصراحة والوضوح.
علاوة على ذلك، فإن التبعات الاقتصادية لـ”حرب الـ40 يوماً” ألقت بظلالها الثقيلة على أوروبا بشكل فاق التأثير الواقع على الولايات المتحدة، وترجمت هذه الأعباء الاقتصادية نفسها إلى أزمات سياسية واجتماعية داخل المنظومة الأوروبية الهشة والمستنزفة. ولعل فوز حزب “الإصلاح” اليميني في الانتخابات المحلية البريطانية يمثل مؤشراً حياً على هشاشة الأوضاع السياسية للحكومات الأوروبية التي ضاعف إغلاق مضيق هرمز من منسوب ارتباكها.
وتدور المقاربة السائدة لدى النخب الأوروبية اليوم حول أن الأمريكيين يتخذون قرارات متهورة تدفع الحكومات الأوروبية فواتيرها الباهظة من كيسها الخاص. هذه المعطيات شكلت المتغيرات الحاكمة التي دفعت أوروبا لتبني لغة مغايرة للغة واشنطن؛ وهو موقف لا ينبع بالضرورة من تناغم مع إيران، بل تمليه الضرورات السياسية والاقتصادية والأمنية لحفظ الذات، حتى وإن كان هذا القرار سيصيب الشراكة الأمنية الأطلسية وحلف الناتو ببعض التصدع.
من جانب آخر، فإن أي تماهٍ مع التوجهات الأمريكية الصدامية كان سيصطدم برفض قاطع من الرأي العام الأوروبي المناهض لسياسات واشنطن في الحرب الأخيرة، مما يحمل في طياته ارتدادات سياسية واجتماعية خطيرة على الاستقرار الداخلي لهذه الدول. ولم ينسَ الأوروبيون -لاسيما الدول التي اندفعت خلف أمريكا عام 2003 لإرسال قوات عسكرية إلى العراق مثل بريطانيا، وبولندا، وإيطاليا، وإسبانيا- حجم الضربات السياسية التي تلقوها آنذاك، والتي أدت إلى سقوط الحكومات الحاكمة حينها بسبب ذلك الانجرار الأعمى.
هذا الإرث التاريخي يدفع الحكومات الأوروبية اليوم، في ظل انحسار أدوارها التأثيرية في توازنات المنطقة، إلى تبني مواقف عقلانية تضمن لها تقليل الخسائر والحد من شظايا النيران الإقليمية، مع السعي للإبقاء على وتيرة التوتر مع الحليف الأمريكي في أدنى مستوياتها الممكنة.
المصدر: المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية
