د. أكرم شمص
من هنا، يمكن قراءة الرسالة التي وجّهها رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد إلى جمهور المقاومة بوصفها خطابًا عاطفيًا أو تعبويًا تقليديًا فقط، بل هي نص سياسي وعقائدي مركّب، يحمل في داخله محاولة واعية لإدارة واحدة من أخطر مراحل الصراع: مرحلة استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة ومحاولة كسر إرادتها النفسية والاجتماعية والسياسية.
فالخطاب جاء في لحظة شديدة الحساسية، حيث لم يعد الاستهداف مقتصرًا على الميدان العسكري، بل انتقل إلى مستوى الضغط على المجتمع نفسه، عبر التهجير والتدمير والحصار النفسي ومحاولات دفع الناس إلى القناعة بأن كلفة المقاومة أصبحت أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
ومن هنا، يمكن فهم الرسالة باعتبارها “خطاب تثبيت استراتيجي” يهدف إلى حماية بيئة المقاومة من الانهيار المعنوي قبل أي شيء آخر.
منذ بدايات الرسالة، حرص الحاج محمد رعد على بناء علاقة وجدانية مباشرة مع الجمهور، حيث أنه لم يخاطبهم باعتبارهم جمهورًا متلقّيًا للأحداث، بل باعتبارهم شركاء كاملين في المعركة ويصفها بأنها: “عناوين العزّ والإباء”، و”عامود خيمة الوطن”، و”السدّ المنيع”.. لذلك تتكرّر عبارة “يا أهلنا” بوصفها مفتاحًا نفسيًا وعاطفيًا يعيد دمج البيئة الشعبية بالمقاومة نفسها، بحيث يصبح استهداف القرى والناس والمنازل جزءًا من استهداف “الجسد المقاوم” لا مجرد أضرار جانبية في الحرب.
وهنا لا يعود المقاتل وحده حامل مشروع المواجهة، بل يتحوّل المجتمع بأسره إلى عنصر من عناصر الردع والصمود. وهذا توصيف بالغ الأهمية، لأنه يعيد تعريف دور المجتمع نفسه. فالحرب هنا ليست بين جيش العدو ومقاومين مقاتلين أشداء فقط، بل بين مشروع يريد كسر إرادة جماعة بشرية كاملة، وجماعة تحاول الحفاظ على وجودها وكرامتها وقرارها السيادي الحرّ، ولذلك يصبح الصمود الشعبي جزءًا من المعركة العسكرية نفسها.
ويعتمد الخطاب على هندسة متداخلة تجمع بين العقيدة والهُوية الوطنية والبُعد الوجودي للصراع. فهو يستحضر الإمام الحسين(ع) والإمام المغيب السيد موسى الصدر والشهيد الأسمى السيد حسن نصرالله ضمن سلسلة رمزية واحدة، هدفها تثبيت الامتداد التاريخي والروحي للمقاومة. وهذه التقنية الخطابية تمنح المعركة بُعدًا يتجاوز اللحظة السياسية الآنية، لتصبح امتدادًا لمسار طويل من “الحق في مواجهة الظلم”.
ومن هنا، يصبح الصمود ليس مجرد خيار سياسي، بل تكليفًا أخلاقيًا وروحيًا.
ومن أبرز ما يكشفه خطاب الحاج محمد رعد هو إدراكه الواضح لطبيعة الحرب الحديثة. فهو لا يتحدث عن مواجهة عسكرية فحسب، بل عن مشروع متكامل يستهدف: الأمن، والثقافة، والاقتصاد، والسيادة، والقرار الوطني، وحتى الهُوية الاجتماعية والسياسية. أي أن الرسالة تنظر إلى الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا شاملًا، لا مجرد مواجهة حدودية أو أمنية. وهذا ما يفسر اللغة الحادة المستخدمة ضد ما يسميه “مشروع الإخضاع والاستسلام”، لأن القضية بالنسبة للخطاب ليست خسارة موقع سياسي، بل خسارة القدرة على تقرير المصير.
وفي بُعد آخر، يحمل الخطاب رسالة داخلية شديدة الوضوح إلى اللبنانيين عمومًا، وإلى خصوم المقاومة خصوصًا. فهو يحاول تثبيت فكرة أساسية مفادها أن المقاومة لا تقاتل نيابة عن أحد، ولا دفاعًا عن مشاريع خارجية، بل تقوم بواجب دفاعي وطني وإنساني وأخلاقي “تعويضًا عن تقصير الدولة”. وهذه العبارة تحديدًا من أهم مفاصل الخطاب، لأنها تعيد تقديم المقاومة بوصفها ردًا على الفراغ والعجز، لا كبديل دائم عن الدولة.
وكما يتعمّد النص بناء ثنائية أخلاقية حادّة بين: مَن يصمد ويحفظ الكرامة والسيادة، ومَن يقبل بالخضوع والوصاية والمصالح الضيقة. وهذه الثنائية ليست مجرد توصيف سياسي، بل أداة تعبئة نفسية تهدف إلى منع التفكك الداخلي، ورفع منسوب التماسك داخل البيئة المؤيدة للمقاومة، خصوصًا في ظل الضغوط الهائلة الناتجة عن الحرب والدمار والنزوح.
أمّا البُعد الأكثر عمقًا في الخطاب، فيظهر في الحضور الكربلائي الواضح في خاتمته. فاستحضار كلمات الإمام الحسين(ع) ليس تفصيلًا دينيًا عابرًا، بل يحمل وظيفة استراتيجية وفلسفية في آن معًا. فالنص يريد إعادة تعريف مفهوم النصر والهزيمة؛ إذ يصبح “الثبات على الحق” بحد ذاته انتصارًا، حتى لو كانت الكلفة باهظة.
وهنا تتحول المقاومة من مشروع عسكري إلى مشروع معنوي ووجودي، يقوم على فكرة أن الإرادة لا تُهزم حتى لو تعرّض الجسد للألم والخسائر.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن رسالة الحاج محمد رعد لا تهدف فقط إلى رفع المعنويات، بل إلى إعادة إنتاج معنى الصمود نفسه. فهو يعمل على تحويل الألم إلى وعي، والخسارة إلى قضية، والتضحيات إلى عنصر شرعية وقوة، بحيث لا يشعر الجمهور أنه يعيش حالة انهيار، بل مرحلة من مراحل المواجهة التاريخية الطويلة.
في الخلاصة، تكشف رسالة الحاج محمد رعد عن انتقال خطاب المقاومة من مرحلة “إعلان الموقف” إلى مرحلة “إدارة الوعي الجماعي تحت النار”. إنها رسالة تحاول تثبيت البيئة، ومنع الانكسار النفسي، وإعادة تعريف الحرب بوصفها صراعًا على الوجود والكرامة والقرار الحر. ولذلك فإن أهم ما في الخطاب ليس فقط ما يقوله عن العدو، بل ما يحاول زرعه داخل جمهوره: أن الصمود ليس رد فعل مؤقتًا، بل هُوية كاملة وطريقة وجود في مواجهة مشروع يرى أنه يريد اقتلاعهم من الأرض والتاريخ معًا.
