تشهد غزة تحولاً خطيراً في طبيعة العدوان الصهيوني، إذ انتقلت الحرب من القصف واسع النطاق إلى«حرب صامتة» تقوم على القتل اليومي والتجويع والتدمير التدريجي بعيداً عن الضجيج الإعلامي. ورغم استمرار الحديث عن وقف إطلاق النار، فإنّ الاحتلال يفرغه من مضمونه عبر الاغتيالات وتوسيع السيطرة الميدانية وتدمير الأحياء السكنية، ما يجعل الحياة في القطاع شبه مستحيلة. هذا الواقع خلق حالة إنسانية قاسية يعيشها الفلسطينيون بين الحرب والهدنة، في ظل غياب أي حماية حقيقية للمدنيين. الأخطر أنّ المجتمع الدولي بات يتعامل مع الجرائم الصهيونية بوصفها أحداثاً اعتيادية، بعدما نجح كيان الاحتلال في تطبيع مشاهد القتل والدمار، الأمر الذي يعكس تراجعًا نسبيًا في مستوى الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية، مع استمرار حالة الصمت والتواطؤ الدولي تجاه ما يجري في غزة.
الحرب الصامتة.. استراتيجية العدو الجديدة في غزة
يعتمد العدو الصهيوني في المرحلة الحالية على استراتيجية جديدة في العدوان على غزة تقوم على تقليل الضجيج الإعلامي مع الاستمرار في تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية. فبدلاً من شن حرب شاملة واسعة النطاق، يتجه إلى ما يمكن وصفه بـ«حرب الاستنزاف البطيء»، التي تقوم على الاغتيالات اليومية، وتشديد الحصار، وتوسيع السيطرة الميدانية بصورة تدريجية، بهدف إنهاك الفلسطينيين وإضعاف المقاومة من دون إثارة موجة غضب دولية واسعة كما حدث في المراحل الأولى من العدوان.
وتسعى هذه الاستراتيجية إلى فرض واقع دائم من الحرب غير المعلنة، إذ يستمر القصف المحدود وتدمير البُنية التحتية ومنع دخول المساعدات الكافية، رغم الحديث عن اتفاقات تهدئة ووقف إطلاق نار. كما يعمل العدو على توسيع المناطق العازلة والسيطرة على الطرق والمحاور الرئيسية داخل القطاع، ما يساهم في تقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين وتشديد الرقابة الأمنية عليهم.
في المقابل، يستفيد العدو من تراجع الزخم الإعلامي العالمي حول غزة، ومن انشغال المجتمع الدولي بأزمات إقليمية أخرى، ما يمنحه هامشًا أوسع للتحرك بعيدًا عن أي ضغط دولي فعّال. كما يوظّف خطابًا سياسيًا تبريريًا لتبرير استمرار عملياته العسكرية بذريعة منع المقاومة من إعادة بناء قدراتها، في محاولة لتسويق سياساته وتثبيت روايته أمام الرأي العام الدولي.
القتل اليومي بوصفه أداة لتفريغ الهدنة
لم يعُد القتل في غزة حدثاً استثنائياً، بل تحول إلى جزء من المشهد اليومي. فالاغتيالات التي تستهدف عناصر من المقاومة أو نشطاء إغاثة أو حتى صحافيين، تُنفذ بصورة شبه اعتيادية، فيما تمرّ أخبار سقوط الضحايا مروراً سريعاً في وسائل الإعلام الدولية.
هذه السياسة تهدف إلى خلق حالة دائمة من الرعب وعدم الاستقرار داخل القطاع، بحيث يبقى الفلسطينيون تحت ضغط نفسي وأمني متواصل. فحين يشعر السكان أنّ الموت قد يأتي في أي لحظة، حتى في ظل وجود «هدنة»، فإنّ فكرة الأمان نفسها تصبح معدومة.
والأخطر من ذلك أنّ الاحتلال نجح في إعادة تعريف مفهوم «الخروقات». ففي السابق، كانت أي عملية قتل أو قصف خلال فترات التهدئة تُعتبر خرقاً مباشراً لاتفاق وقف إطلاق النار، أمّا اليوم فقد جرى التعامل مع هذه العمليات وكأنها جزء طبيعي من «الواقع الأمني»، الأمر الذي أضعف قدرة المجتمع الدولي على مساءلة كيان الاحتلال أو حتى إدانته.
إنّ هذا النمط من القتل البطيء يُحقق للاحتلال عدة أهداف في آنٍ واحد؛ فهو يحافظ على الضغط العسكري على المقاومة، ويمنع عودة الحياة الطبيعية، ويُبقي سكان غزة في حالة إنهاك دائم، وكل ذلك من دون الحاجة إلى إعلان حرب شاملة قد تثير موجة احتجاجات عالمية جديدة.
السيطرة الميدانية وتوسيع «الخط الأصفر»
إلى جانب القتل اليومي، يعمل العدو الصهيوني على توسيع نطاق سيطرته الجغرافية داخل القطاع بصورة تدريجية. فـ«الخط الأصفر»، الذي يُمثل مناطق النفوذ والسيطرة العسكرية الصهيونية، بات يلتهم مساحات واسعة من غزة، حتى تجاوز أكثر من 64% من مساحة القطاع.
هذا التوسع لا يحدث بصورة مفاجئة، بل عبر خطوات بطيئة ومدروسة ومن أخطر هذه الخطوات سيطرة الاحتلال شبه الكاملة على شارع صلاح الدين، الشريان الحيوي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه. فالتحكم بهذا الطريق لا يحمل فقط بُعداً عسكرياً، بل يُمثل أيضاً أداة لخنق الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخل غزة.
كما أنّ استخدام المجموعات العميلة المحلية في تنفيذ بعض المهام، مثل طرد السكان أو إثارة الفوضى الأمنية، يكشف عن محاولة العدو تقليل كلفة وجوده العسكري المباشر، وفي الوقت نفسه خلق حالة من الانقسام والاضطراب داخل المجتمع الفلسطيني.
إنّ ما يحدث شرق دير البلح وفي محيط حي الزيتون ليس مجرد عمليات أمنية معزولة، بل جزء من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للقطاع. فكل حي يتم تفريغه، وكل منزل يتم تدميره، يعني خطوة إضافية نحو فرض واقع جديد يصعب تغييره مستقبلاً.
التدمير التدريجي للحياة المدنية
ربما يكون أخطر أوجه الحرب الصامتة هو الاستهداف المنهجي للحياة المدنية في غزة. فالاحتلال لم يعُد يكتفي بالقصف المباشر، بل بات يعتمد سياسة «الإخلاء ثم التدمير»، حيث تُجبر العائلات على مغادرة منازلها قبل نسف الأحياء والمربعات السكنية بالكامل.
هذه السياسة تحمل أبعادًا نفسية واجتماعية عميقة، لكنها رغم قسوتها لا تنجح في كسر إرادة الفلسطيني أو اقتلاع انتمائه. فهي تستهدف الحجر كما تستهدف الذاكرة، غير أنّ الفلسطيني يواصل التشبّث بمنزله وحيّه وذكرياته، ويحافظ على جذوره رغم محاولات التهجير، ليبقى حضوره أكثر صلابة في وجه محاولات الإضعاف والتفكيك.
وفي الوقت نفسه، يستمر الحصار الاقتصادي والإنساني كجزء أساسي من أدوات الحرب. فتقليص عدد شاحنات المساعدات ومنع إدخال الوقود وغاز الطهي يعني عملياً دفع القطاع نحو الانهيار الكامل. فالحرب لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضاً عبر التجويع وتعطيل المستشفيات وشلّ الخدمات الأساسية.
إنّ هذه السياسات تجعل الحياة اليومية في غزة معركة بحد ذاتها؛ معركة من أجل الماء والغذاء والكهرباء والدواء والأمان. وبهذا المعنى، فإنّ الحرب الصامتة ليست أقل قسوة من الحرب المفتوحة، بل ربما تكون أكثر خطورة لأنها تُمارس ببطء يسمح للعالم بالتعايش معها تدريجياً.
ختاماً تؤكد الوقائع الميدانية أنّ العدو الصهيوني لم يوقف حربه على غزة، بل غيّر فقط شكل هذه الحرب وأدواتها. فبدلاً من الاجتياحات الواسعة والقصف المكثف الذي يثير ضجيج العالم، اختار نموذجاً أكثر هدوءاً وفاعلية يقوم على الاستنزاف البطيء والتطبيع التدريجي مع القتل والتدمير والحصار.
إنّ الحرب الصامتة التي تُدار اليوم ضد القطاع ليست أقل خطورة من المراحل السابقة، لأنها تسعى إلى إعادة تشكيل غزة ديموغرافياً وجغرافياً ونفسياً، وسط غياب شبه كامل للمحاسبة الدولية. وما يحدث ليس مجرد «خروقات» لاتفاق وقف إطلاق النار، بل عملية ممنهجة لتفريغ الاتفاق من مضمونه وتحويله إلى غطاء شكلي لاستمرار العدوان.