وفي هذا اللقاء الدولي، تناول كلٌّ من: الدكتور صادق واعظ زاده (Sadegh Vaez-Zadeh) رئيس مركز «النموذج الإسلامي – الإيراني للتقدّم» وأستاذ جامعة طهران، وأحمد داوود أوغلو (Ahmet Davutoğlu)، رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الأسبق، والبروفيسور محسن بوعزيزي (Mohsen Bouazizi) أستاذ علم الاجتماع في جامعة المنار بتونس، والدكتور محمود الخفاجي (Muhammad Al-Khafaji) عضو الهيئة التدريسية في الجامعة الإسلامية بالنجف الأشرف، والبروفيسور مازلي بن مالك (Mazli bin Malik)مستشار رئيس وزراء ماليزيا ورئيس المجلس الاستشاري للمنظمات غير الحكومية الإسلامية، والدكتور عزمي عبدالحميد (Chigo Azmi Abdulhamid) مستشار رئيس وزراء ماليزيا -كلٌّ من زاويته- مفاهيم التقدّم والعدالة والمقاومة والتقارب.
العدالة والتقدّم.. مفهومان لا ينفصلان
أكّد الدكتور صادق واعظ زاده، رئيس مركز «النموذج الإسلامي – الإيراني للتقدّم»، في كلمته التي حملت عنوان «تقارب العدالة والتقدّم»، أنّ العالم المعاصر يشهد انفصالاً بين التنمية والعدالة؛ وهي حالة أدّت، بحسب قوله، إلى أن تصبح المنجزات الصناعية والتكنولوجية أقل خدمة للإنسانية، وأن تتحوّل إلى أدوات للهيمنة والحرب.
واعتبر الدكتور واعظ زاده أنّ الحرب الأخيرة التي فرضتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران تمثّل نموذجاً لهذا التناقض، مؤكداً أنّ «التقدّم من دون عدالة يمكن أن يتحوّل إلى أداة للظلم»، وشدّد على أنّ السبيل الوحيد لإصلاح هذا الوضع يتمثّل في تحقيق تقارب نظريّ وعمليّ بين العدالة والتقدّم.
واستعرض عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية الرؤى التاريخية حول العدالة، من أفلاطون والفارابي إلى ابن خلدون، قائلاً: إنّ مفهوم التقدّم في العالم الحديث انفصل عن العدالة، وإنّ هذا الأمر هو ما أفضى إلى أزمات اليوم.
وفي هذا السياق، شرح نظرية «العدالة التقدّمية»، موضحاً أنّ العدالة لا تعني مجرّد المساواة القانونية، بل تعني وضع كلّ شيء في موضعه الذي ينبغي أن يكون فيه.
وأوضح أنّ تحقيق العدالة هو، في الواقع، عملية تفتّح الطاقات والقدرات والمواهب، وأنّ هذا التفتّح يمثّل المعنى الحقيقي للتقدّم. وأضاف: أنّ عدالة التقدّم تتحقّق عندما يتمكّن المجتمع من تحويل الطاقات الإنسانية والاجتماعية إلى فعل وواقع، والارتقاء بالمكانة الحقيقية للإنسان.
كما أشار أستاذ جامعة طهران إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي، معتبراً أنّ التكنولوجيا يمكن أن تكون في خدمة تحقيق العدالة وتحديد المواقع الاجتماعية الجديرة والمثلى، شريطة أن تكون خاضعة للتوجيه الإنساني والأخلاقي.
ماليزيا.. تجربة في التنمية القائمة على التنوع والتعايش
خُصّص جانب مهم من هذا اللقاء لتجربة ماليزيا في مجال التنمية والتقارب. وأكّد البروفيسور مازلي بن مالك، المستشار العلمي لرئيس وزراء ماليزيا ورئيس مركز الدراسات الإسلامية المتقدمة في ماليزيا، مستشهداً بالبيت الشعري الشهير لسعدي الشيرازي: «بنو آدم أعضاء جسد واحد»، أنّ عالم اليوم، على الرغم من التقدّم التكنولوجي الواسع، يعاني تفككاً أخلاقياً واجتماعياً. وتساءل: «هل يمكن اختزال التقدّم في النمو الاقتصادي والتنمية الصناعية فحسب؟»، مجيباً بأنّ التقدّم الحقيقي ينبغي أن يشمل الثقة الاجتماعية، والتماسك الأخلاقي، والكرامة الإنسانية أيضاً.
ووصف البروفيسور مازلي بن مالك تجربة ماليزيا بأنها نموذج لمحاولة إقامة توازن بين النمو الاقتصادي، والهوية الإسلامية، والتعايش المتعدد الثقافات، قائلاً: إنّ ماليزيا سعت إلى تحقيق توازن بين الحداثة والتقاليد، وبين التنمية والعدالة الاجتماعية.
من جانبه، اعتبر الدكتور عزمي عبدالحميد، مستشار رئيس وزراء ماليزيا ورئيس منظمة «MAPIM»، في كلمته، أنّ التنمية الشاملة هي مفتاح الاستقرار الاجتماعي، مؤكداً أنّ النمو الاقتصادي من دون عدالة وشمول اجتماعي يقود إلى عدم الاستقرار، وقال: إنّ ماليزيا حاولت تحويل التنوع العرقي والديني من مصدر محتمل للأزمات إلى عامل قوة وحيوية. كما شدّد على دور التعليم القائم على القيم الأخلاقية، والحوكمة الشفافة، والتنمية الإنسانية في مسار التقدّم.
ورأى الدكتور عبدالحميد أنّ نموذج التنمية الإسلامية في ماليزيا يمثّل مثالاً على «التطبيق الحكيم للمبادئ الإسلامية»، موضحاً أنّ هذا النموذج يسعى إلى إيجاد توازن بين الإيمان والعدالة والتنوع الثقافي والتقدّم الاقتصادي.
المقاومة والأخلاق.. وإعادة تعريف مفهوم القوّة
كان من أبرز محاور هذا اللقاء كلمة البروفيسور محسن بوعزيزي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة المنار بتونس، الذي تحدّث عن «البراديغم ما بعد التقني»؛ وهو مفهوم يرى أنّه آخذ في التشكّل بفعل مقاومة غزة ولبنان وإيران.
ويعتقد البروفيسور بوعزيزي أنّ العالم اليوم يشهد مراجعةً لمفهوم القوة، وقال: إنّ القوة لم تعد تقتصر على السلاح النووي والتكنولوجيا والاقتصاد، بل باتت العناصر الأخلاقية والرمزية والروحية تؤدي دوراً حاسماً في إنتاج الاقتدار. وشدّد على أنّ صمود إيران في مواجهة الضغوط لا يمثّل مجرّد مقاومة عسكرية، بل هو مقاومة أخلاقية وحضارية قادرة على تغيير نظرة العالم إلى القوة. وبحسب قوله، فإنّ وفاء إيران بالتزاماتها تجاه حلفائها يشكّل جزءاً من هذه القوة الأخلاقية.
كما تحدّث الأستاذ التونسي عن ضرورة بلورة «سوسيولوجيا المقاومة»، معتبراً أنّ المقاومة ينبغي أن تتجاوز مستوى الفعل السياسي، وأن تتحوّل إلى جزء من الوعي الاجتماعي والحياة اليومية.
من جانبه، تناول الدكتور محمود الخفاجي، عضو الهيئة التدريسية في الجامعة الإسلامية بالنجف الأشرف، التنمية المستدامة من منظور ديني وفلسفي، مؤكداً أنّ الإسلام لا يتعارض مع التقدّم والحضارة، بل هو دين يقوم على العلم والعدالة والكرامة الإنسانية.
وشدّد على أنّ الشعوب الإسلامية لا سبيل أمامها لتحقيق تقدّم حقيقي سوى العودة إلى المبادئ الإلهية والمرتكزة على العدالة في الإسلام. كما اعتبر الخفاجي أنّ مواجهة الاستعمار والهيمنة تمثّل جزءاً من مسار التنمية وصون كرامة الشعوب.
لا تنمية من دون سلام
وأعرب أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الأسبق، في كلمته، عن تعاطفه مع الشعب الإيراني عقب الهجمات الإسرائيلية – الأميركية الأخيرة، مؤكداً أنّ شعوب المنطقة ينبغي أن تقف إلى جانب بعضها بعضاً في مواجهة الضغوط الخارجية. واعتبر أنّ التنمية تنطوي على ثلاثة مستويات: البنية الداخلية للدول، والعلاقات الإقليمية، والموقع في النظام العالمي.
وقال داوود أوغلو: إنّ إيران، بحكم تاريخها وجغرافيتها، تمتلك طاقة كبيرة للتحوّل إلى قوة متقدّمة، غير أنّ تحقيق هذه الإمكانية يتطلّب حكماً قائماً على سيادة القانون، وشفافية، وأخلاقاً سياسية.
وشدّد على ضرورة بناء علاقات قائمة على الثقة بين دول المنطقة، مؤكداً أنّ التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقّق من دون تعاون إقليمي. وبرأيه، فإنّ الاعتماد الاقتصادي المتبادل يمكن أن يكون أهم عامل لصنع السلام في الشرق الأوسط.
كما حذّر داوود أوغلو من أن تتحوّل الخلافات المذهبية والعرقية إلى أدوات للصراع، داعياً دول المنطقة إلى التحرك نحو التقارب انطلاقاً من المصير المشترك.
وأشار إلى تجربة الاتحاد الأوروبي، قائلاً: إنّه كما تمكّنت فرنسا وألمانيا، بعد قرون من الحروب، من الوصول إلى التعاون، فإنّ دول الشرق الأوسط قادرة أيضاً، عبر تجاوز المنافسات المُنهِكة، على بناء مستقبل قائم على التنمية والسلام.
وفي المحصّلة، قدّم المؤتمر الخامس عشر لـ«النموذج الإسلامي – الإيراني للتقدّم» صورة عن هاجس مشترك لدى مفكّري العالم الإسلامي؛ هاجس يتعلّق بمستقبل لا تنفصل فيه التنمية عن العدالة، وتُوظَّف فيه التكنولوجيا في خدمة الإنسانية، ولا تُختزل فيه المقاومة في معناها العسكري، بل تُعرَّف بوصفها حفاظاً على الكرامة والهوية والأخلاق الإنسانية.
وأكد المتحدثون، في هذا اللقاء، أنّ العالم الإسلامي، من أجل تجاوز الأزمات الراهنة، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التقارب والحوار وإعادة تعريف مفهوم التقدّم.