معادلة الجنون الإستراتيجي: بين وهم السيطرة وحقيقة الاستنزاف

خاص الوفاق/في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد التلال التي تُحتل أو الأعلام التي تُرفع فوق المواقع المرتفعة، بل بقدرة أي طرف على تحويل إنجازه العسكري إلى واقع سياسي وأمني مستدام. ومن هذا المنطلق، تبدو التطورات الجارية في جنوب لبنان جزءًا من محاولة العدو الصهيوني للخروج من مأزق استراتيجي أكثر منها مسارًا نحو تحقيق نصر حاسم.

د. أكرم شمص

 

 

ليس كل تصعيد عسكري تعبيرًا عن القوة، ففي كثير من الأحيان يكون التصعيد المفرط انعكاسًا مباشرًا للعجز والارتباك. فعندما تتصاعد الدعوات داخل الكيان الصهيوني لتوسيع دائرة الاستهداف، وتتحول مدن الشمال ومستوطناته إلى حالة استنفار دائم، يصبح السؤال الجوهري: هل يعكس هذا المشهد ثقة المنتصر، أم قلق الطرف الذي بدأ يكتشف متأخرًا أنه دخل معركة تختلف جذريًا عما خطط له؟

 

 

في هذا السياق، تبدو التطورات الأخيرة أكثر ارتباطًا بإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض المعادلات منها بمجرد تبادل اعتيادي للضربات العسكرية. فالمواجهة لم تعد تدور حول السيطرة على بقعة جغرافية محدودة، بل حول القدرة على فرض الإرادة وتفكيك الحسابات الاستراتيجية للخصم.

 

 

بين خطاب الدولة ومنطق الميدان

 

 

في موازاة المعركة العسكرية، تدور معركة أخرى لا تقل أهمية على مستوى الرواية السياسية وتوصيف الصراع. فثمة اتجاه رسمي لبناني يقدّم ما يجري باعتباره نتيجة حرب فُرضت على لبنان وأثقلت كاهله بالأعباء الاقتصادية والبشرية، ويطرح العودة إلى طاولة التفاوض باعتبارها المخرج الأقل كلفة من استمرار المواجهة.

 

 

غير أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في الدعوة إلى التفاوض بحد ذاتها، بل في طبيعة المقاربة التي تُبنى عليها هذه الدعوة. فحين يُنظر إلى الصراع من زاوية الكلفة فقط، ويُغفل ميزان القوة والضمانات الفعلية، تتحول المفاوضات من أداة لحماية الحقوق إلى مجرد إدارة للخسائر. والأخطر أن بعض الخطابات السياسية تذهب أبعد من ذلك، فتربط حجم الدمار الذي أصاب لبنان بخيارات المقاومة أكثر مما تربطه بالعدوان الصهيوني نفسه، ما يؤدي عمليًا إلى نقل مركز الاتهام من المعتدي إلى الطرف الذي يواجهه.

 

 

الاستنزاف بدل المواجهة التقليدية

 

 

خلال الأشهر الماضية، حاول جيش الاحتلال التقدم على عدد من المحاور الجنوبية أملاً في تحقيق إنجاز ميداني يمكن تسويقه للرأي العام الصهيوني بوصفه انتصارًا. إلا أن طبيعة الأرض وعقيدة الميدان فرضتا معادلة مختلفة، عنوانها الاستنزاف التدريجي بدل المواجهة التقليدية المباشرة.

 

 

فالقتال في المناطق الوعرة والقرى الحدودية يحول أي تقدم عسكري إلى مهمة مكلفة، حيث تتحول الآليات الثقيلة والقوات المتقدمة إلى أهداف دائمة للاستهداف والملاحقة. وهنا يسقط المعيار التقليدي للنجاح العسكري؛ فلم يعد الإنجاز هو الوصول إلى الموقع، بل القدرة على البقاء فيه وتأمينه، وهو التحدي الأصعب في الحروب الطويلة.

 

 

لقد أثبتت التجارب العسكرية عبر التاريخ أن الجيوش النظامية قد تتعب وتتآكل نفسيًا قبل أن تُهزم ماديًا، وأن الاستنزاف المستمر قد يكون أشد تأثيرًا من المعارك الكبرى الخاطفة. ولذلك تبدو العمليات الحالية أقرب إلى معركة إرادات منها إلى معركة احتلال مواقع.

 

 

الجنوب مقابل الشمال: ولادة معادلة جديدة

 

 

التطور الأبرز يتمثل في انتقال تأثير المعركة من تخوم الجنوب اللبناني إلى العمق الشمالي للكيان الصهيوني. فكلما ازداد الضغط العسكري في الجبهة الجنوبية، ارتفعت كلفة المواجهة على المستوطنات والمدن الشمالية.

 

 

هذه المعادلة لا تحمل أبعادًا عسكرية فحسب، بل نفسية واقتصادية أيضًا. فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الدمار، بل بمدى شعور المجتمع بالأمن أو فقدانه. وعندما يعيش شمال فلسطين المحتلة تحت حالة استنفار دائمة، تتراجع فعالية الخطاب السياسي الذي يعد الجمهور بالأمان والاستقرار.

 

 

كما أن اهتزاز الثقة بقدرة المنظومات الدفاعية على توفير الحماية ينعكس مباشرة على المزاج العام، ويقضم تدريجيًا من قدرة قيادة العدو الصهيوني على إدارة الحرب أو تحمل كلفتها المتزايدة.

 

 

معركة الصورة أم معركة الميدان؟

 

 

في هذا الإطار يمكن فهم التركيز الصهيوني على بعض التلال والمواقع المرتفعة والنقاط الجغرافية الحساسة في الجنوب. فالمعركة لم تعد مجرد معركة ميدانية، بل أصبحت أيضًا معركة صورة ورسائل سياسية.

 

 

يحتاج بنيامين نتنياهو إلى مشهد انتصار يقدمه لجمهوره الذي يعيش حالة انقسام داخلي عميقة، كما يحتاج إلى إقناع شركائه في اليمين المتطرف بأن الحرب ما زالت قادرة على إنتاج نتائج ملموسة. إلا أن المشكلة الأساسية التي تواجه المؤسسة العسكرية للعدو الصهيوني تكمن في الفرق بين الوصول إلى الموقع والقدرة على الاحتفاظ به.

 

 

فالتجربة التاريخية في لبنان أثبتت أن السيطرة المؤقتة على الأرض لا تعني بالضرورة تحقيق الاستقرار فوقها. وقد شهد الجنوب اللبناني خلال العقود الماضية عشرات المواقع التي اعتقد الاحتلال أنه أحكم السيطرة عليها، قبل أن تتحول إلى نقاط استنزاف أجبرته في النهاية على الانسحاب.

 

 

مأزق قيادة العدو الصهيوني

 

 

تجد قيادة العدو الصهيوني نفسها اليوم أمام معضلة مركبة. فمن جهة، تقف تحت وطأة ضغوط داخلية سياسية وشعبية تدفع نحو مزيد من التصعيد لتحقيق صورة انتصار واضحة. ومن جهة أخرى، تدرك المستويات العسكرية أن توسيع الحرب قد يفتح أبوابًا جديدة للمواجهة ويزيد من حجم المخاطر والكلفة البشرية والعسكرية.

 

 

ولهذا السبب تبدو خيارات العدو الصهيوني أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالتراجع أو القبول بتسوية لا تحقق السقوف المعلنة يُفسَّر داخليًا على أنه فشل، بينما التصعيد الأعمى قد يقود إلى حرب أوسع يصعب التحكم بمساراتها أو التنبؤ بنتائجها.

 

 

معركة الإيقاع لا معركة الأرض

 

 

علّمتنا الجولات الحالية أن الصراع لم يعد يُقاس بمن يتقدم أمتارًا إلى الأمام أو يتراجع أمتارًا إلى الخلف، بل بمن يمتلك القدرة على التحكم بإيقاع المعركة وفرض شروطها وزمانها ومكانها.

 

 

فالطرف الذي ينجح في إجبار خصمه على القتال وفق القواعد التي يحددها هو، يكون قد حقق إنجازًا استراتيجيًا يتجاوز المكاسب الميدانية المؤقتة. ومن هذا المنطلق، تخوض المقاومة معركة عنوانها النفس الطويل والقدرة على التحمل، في مواجهة عدو يستعجل الحسم ويهرب من عامل الزمن.

 

 

الخلاصة: حين يتحول التقدم إلى عبء

 

 

المشهد العام يشير إلى أن الحرب دخلت مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والنفسية والاقتصادية. وبين مطرقة التصعيد وسندان إعادة الحسابات، تقف قيادة العدو الصهيوني أمام سؤال لم تجد له جوابًا حتى الآن: كيف يمكن تحقيق إنجاز سياسي في ميدان عجز عن إنتاج حسم عسكري واضح؟

 

 

وفي هذا النوع من حروب الاستنزاف الذكية، لا يهم من يسيطر مؤقتًا على تلة أو قرية، بل من يملك القدرة على فرض معادلاته على مسار الصراع بأكمله. وهنا تحديدًا تكمن معادلة الجنون الاستراتيجي التي وقع فيها العدو: فكل خطوة يتخذها للخروج من المأزق تدفعه أعمق داخله، وكل محاولة لإثبات السيطرة تتحول مع الوقت إلى دليل إضافي على أن المشكلة لم تكن يومًا في الوصول، بل في القدرة على البقاء.

 

 

 

المصدر: الوفاق / خاص