الاجتماع المشترك بین معاونية الشؤون العلمية برئاسة الجمهورية ولجنة التعليم البرلمانية قدّم صورة واضحة نسبياً عن الأولويات الجديدة في سياسات العلم والتكنولوجيا في إيران؛ وهي أولويات تشمل تطوير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمّية، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وتحفيز عودة النخب العلمية، وإصلاح القوانين الناظمة لمنظومة الابتكار.
«الحلم العلمي الإيراني».. برنامج للوصول إلى حدود المعرفة
كشف أفشين خلال الاجتماع عن تفاصيل برنامج «الحلم العلمي الإيراني»، وهو مشروع وطني يهدف إلى دعم الأفكار والإنجازات التي تقع في خطوط المواجهة الأولى للمعرفة العالمية. ووفقاً لما أوضحه نائب رئيس الجمهورية، فإن هذا البرنامج يتحدد عبر ثلاثة مستويات رئيسية:
- دعم إنتاج معرفة جديدة بالكامل على المستوى العالمي
- رعاية وتطوير التقنيات الناشئة
- المساعدة في تحويل العلوم المتقدمة إلى تطبيقات عملية في المجالات ذات الطابع الاستراتيجي للبلاد
وأكد أفشين أن التوجه الجديد لمعاونية الشؤون العلمية لا يقتصر على تطوير التقنيات القائمة فحسب، بل يتجه بقوة نحو إنتاج معرفة وتقنيات مبتكرة من شأنها أن تضع إيران ضمن الدول المؤثرة في صياغة تقنيات المستقبل.
الانتقال من التوسع الكمّي إلى التطور النوعي
من أبرز النقاط التي شدّد عليها نائب رئيس الجمهورية هو تغيير النهج العام من «التوسع الكمّي» إلى «التمكين النوعي» في قطاع الشركات المعرفية. وأشار إلى أن عدد الشركات القائمة على المعرفة في البلاد يبلغ حالياً نحو 700/10 شركة، مؤكداً أن الهدف الأساسي ليس زيادة هذا العدد فحسب، إذ لا ينبغي أن يتحول وصف «شركة معرفية» إلى ما يشبه «النادي الدائم».
وبيّن أفشين أن التكنولوجيا تمتلك دورة حياة محددة، وأن معيار النجاح الحقيقي يتمثل في إنتاج تقنيات جديدة وتعزيز القدرة التكنولوجية للبلاد، وليس مجرد رفع الأرقام الإحصائية. كما أعلن عن إصلاح شامل لإجراءات تقييم الشركات المعرفية، موضحاً أن مدة دراسة الطلبات تم تقليصها إلى أقل من 40 يوماً، وذلك دون المساس بمعايير الجودة أو دقة التقييم.
الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية في الصدارة
وأعلن نائب رئيس الجمهورية للشؤون العلمية أن السياسات الجديدة تمنح تركيزاً خاصاً لمجالات الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمّية، العلوم الإدراكية، والأمن السيبراني وغيرها من التقنيات المتقدمة. وبحسب أفشين، فإن الحكومة تلعب في هذه المجالات دور «صانع السوق»؛ عبر تقديم المنح البحثية، ودعم أطروحات الدكتوراة والرسائل الجامعية، وتطوير المختبرات، وخلق الطلب على التقنيات الناشئة بهدف تهيئة البيئة الحاضنة لنموها.
كما كشف عن صياغة برنامج خمسـي لتهيئة دخول البلاد إلى «عصر الاقتدار التكنولوجي»، يركّز على تطوير التقنيات الاستراتيجية وتعزيز حوكمة التكنولوجيا.
إعادة بناء منظومة التكنولوجيا وتأهيل الشركات المتضررة
وتطرّق أفشين إلى الخسائر الكبيرة التي لحقت بقطاع التكنولوجيا في البلاد جراء الحرب المفروضة الأخيرة، معلناً عن تضرر نحو 90 شركة معرفية. وقُدِّرت الخسائر بنحو 25 مليون دولار، بالإضافة إلى أضرار لحقت بالبنية التحتية البحثية والتكنولوجية تُقدَّر بنحو 300 مليون دولار.
وفي هذا الصدد، كشف أفشين عن إطلاق برنامج عاجل لإعادة بناء خمسة مراكز علمية وبحثية رئيسية وُضعت ضمن أولويات الترميم والتطوير، وهي:
- جامعة شريف التكنولوجية
- جامعة الشهيد بهشتي
- جامعة العلم والصناعة
- جامعة أصفهان للتكنولوجيا
- معهد باستور
وأوضح أن 26 شركة من الشركات المتضررة قد دخلت بالفعل المرحلة الأولى من إعادة التأهيل، وذلك ضمن خطة ثلاثية المراحل تشمل: استمرار النشاط الطارئ، العودة إلى الوضع الطبيعي، ثم تعزيز القدرة على الصمود والاستدامة.
إصلاح القوانين وتشريعات الابتكار
وأكد أفشين على ضرورة تنقيح القوانين وتقليص البيروقراطية المعطلة، مشيراً إلى أن تحقيق اقتصاد معرفي فعّال ومنافس يتطلب إصلاحاً تنظيمياً شاملاً. كما شدد بالتعاون مع رئيس مركز أبحاث البرلمان على حتمية تحديث القوانين والتشريعات لتتواكب مع الطفرات التكنولوجية الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا الحيوية، والميكروإلكترونيات.
من سواحل مكران إلى مستقبـل التكنولوجيا
واستشرافاً للمستقبل، اعتبر أفشين أن تطوير سواحل «مكران» يمثل إحدى أهم فرص التنمية الاستراتيجية القادمة، معلناً عن تكليف الجامعات الكبرى بقيادة مشاريع حيوية في مجالات اقتصاد البحار، الصناعات البحرية، والزراعة المتقدمة. وأكد أن النهوض بهذه المناطق الواعدة يتطلب -إلى جانب التمويل المالي- تطويراً متوازياً وبنية تحتية متكاملة تشمل مجالات المعيشة والتعليم والصحة والخدمات.
تخصيص 13 تريليون تومان لتعويض الخسائر
من جانبه، أعلن رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا في مجلس الشورى الإسلامي عن تأمين 13 تريليون تومان من الموارد المالية عبر القطاع المصرفي لتعويض خسائر منظومة العلم والتكنولوجيا.
وأكد عليرضا منادي أن هذه الموارد ستسهم بشكل فعال في إعادة بناء القدرات العلمية والمعرفية، وتسريع عودة المؤسسات المتضررة إلى دائرة الإنتاج والنشاط، معتبراً أن تطوير الذكاء الاصطناعي يأتي في مقدمة أولويات البلاد الحالية مع تسارع وتيرة المشاريع المرتبطة به.
التنفيذ الكامل لقانون دعم الشركات المعرفية
وفي سياق متصل، أعلن المتحدث باسم لجنة التعليم البرلمانية عن التنفيذ الكامل للموارد المالية الخاصة بقانون دعم الشركات المعرفية خلال العامين الماضيين؛ حيث تم تخصيص 24 تريليون تومان في عام 2023، و5/20 تريليون تومان في عام 2024، بما يعادل تنفيذ أكثر من 100% من الأحكام المالية المقررة قانوناً.
وحدد إحسان عظيمي راد ثلاث أولويات رئيسية للبرلمان في المرحلة المقبلة: تعويض الخسائر، دعم ما بعد الحرب وتوفير تمويل مستدام للقانون.
خلاصة المشهد:
تشير مجمل المداولات المكثفة بين الحكومة والبرلمان إلى دخول سياسة التكنولوجيا في إيران مرحلة مفصلية جديدة؛ ترتكز على تطوير التقنيات الاستراتيجية، دعم العلوم الناشئة عند حدود المعرفة، إعادة بناء البنية التحتية، الحفاظ على رأس المال البشري، وإصلاح المنظومة التشريعية. وفي هذا السياق، يُراد لبرنامجي «الحلم العلمي الإيراني» و«الاقتدار التكنولوجي» أن يكونا أبرز ملامح خارطة المستقبل، بما يعزز موقع البلاد في المنافسة العالمية نحو اقتصاد مستدام قائم على المعرفة والابتكار.