إيران تدخل عصر المنظومات الفضائية عبر مشروع «الشهيد سليماني»

الوفاق/ دخلت إيران، من خلال تنفيذ «منظومة الشهيد سليماني الفضائية»، سباق المنظومات الفضائية وسوق اقتصاد الفضاء الآخذة في النمو؛ وهي سوق تُقدَّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، وتتجه نحو عتبة التريليون دولار.

في الماضي، كان الحضور في الفضاء يُعرَّف غالباً عبر أقمار صناعية منفردة وباهظة التكلفة في المدار الجغرافي المتزامن؛ وهي أقمار، رغم تغطيتها الواسعة، كانت تنطوي على تكاليف مرتفعة، وتأخير في الاتصالات، وهشاشة أمنية. أمّا اليوم، فمع تطور تقنيات التصغير، وانخفاض كلفة الإطلاق، والمعالجة الموزعة، تتجه صناعة الفضاء نحو «المنظومات الفضائية» في المدار الأرضي المنخفض.

 

ولا تقتصر إقامة المنظومات على كونها تقدماً هندسياً فحسب، بل تمثل أداة لتعزيز الاستقلال الاتصالي، والسيادة السيبرانية، وقدرة البنى التحتية الوطنية على الصمود. كما تُعدّ منظومة الشهيد سليماني أول محاولة وطنية إيرانية لإنشاء شبكة اتصالات ضيقة النطاق في الفضاء.

 

ما هي المنظومات الفضائية وما استخداماتها؟

 

المنظومة الفضائية هي شبكة تضم عشرات أو مئات الأقمار الصناعية الصغيرة التي توضع في المدار الأرضي المنخفض، وتتصل بمحطات أرضية لتشكّل نظاماً اتصالاتياً أو استشعارياً متكاملاً. وتكمن الميزة الرئيسية لهذه المدارات في خفض زمن تأخير الإشارة وتقليل تكاليف التصنيع والتشغيل.

 

  1. تطوير إنترنت الأشياء والإدارة الذكية للبنى التحتية:

 

يُعدّ أبرز استخدام للمنظومات ضيقة النطاق توفير بنية اتصالية لملايين أجهزة الاستشعار في المناطق النائية؛ من خطوط النفط والغاز إلى العدادات الذكية وأنظمة مراقبة البيئة. وفي القطاع الزراعي، يمكن لهذه التكنولوجيا أن تسهم في رصد رطوبة التربة، ومتابعة حالة المحاصيل، وتحسين إدارة الموارد المائية، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لإيران بوصفها دولة تعاني شحّ المياه.

 

  1. الرصد والملاحة وإدارة الأساطيل:

 

بإمكان المنظومات الفضائية تعزيز دقة تتبع الأساطيل البرية والسككية والبحرية، والإسهام في إدارة الممرات الترانزيتية، والحد من التهريب، والوقاية من الحوادث، ودعم عمليات الإغاثة.

 

  1. المرونة الاتصالية والأبعاد الجيوسياسية:

 

في أوقات الأزمات، تكون البنى التحتية الأرضية، مثل الألياف الضوئية وأبراج الاتصالات، عرضة للتضرر. أما الشبكات الفضائية الموزعة، فبفضل مسارات الاتصال البديلة، تتمتع بقدر أكبر من المرونة، ويمكن أن تشكّل العمود الفقري للاتصالات الوطنية في الظروف الطارئة.

 

المنافسة العالمية؛ من «ستارلينك» إلى المنظومات الصينية

 

تحوّل السباق على إشغال المدارات الأرضية المنخفضة إلى أحد أبرز ميادين التكنولوجيا والاقتصاد العالمي. فالدول والشركات تدرك أن السيطرة على البيانات في المدار تعني امتلاك نفوذ في مستقبل الاقتصاد والأمن.

 

المنظومات الغربية: تُعدّ شركة «سبيس إكس»، عبر مشروع «ستارلينك»، رائدةً عالمياً في بناء المنظومات عريضة النطاق، إذ نشرت آلاف الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض. وإلى جانبها، تنشط مشاريع مثل «وان ويب» و«كايبر» سعياً إلى اقتناص حصة من هذه السوق.

 

المنظومات الصينية: أما الصين، فقد أطلقت بدورها مشاريع كبرى مثل «غووانغ» لمواجهة التفوق الأميركي. وتهدف هذه المشاريع إلى نشر آلاف الأقمار الصناعية وإنشاء منظومة وطنية لتقديم خدمات اتصالية وأمنية.

 

اقتصاد الفضاء؛ فرصة بتريليون دولار

 

لم يعد اقتصاد الفضاء مجالاً بحثياً صرفاً، بل تحوّل إلى أحد القطاعات المهمة في الاقتصاد الرقمي العالمي. وتقترب قيمة هذه السوق من تريليون دولار، فيما يأتي نصيبها الأكبر من الخدمات القائمة على الفضاء، والبيانات الفضائية، وإنترنت الأشياء، والاتصالات بين الأجهزة.

 

بالنسبة إلى إيران، يمكن أن تشكّل منظومة الشهيد سليماني استثماراً منتجاً، نظراً إلى تطبيقاتها المباشرة في إدارة المياه والطاقة والزراعة والنقل ومراقبة البنى التحتية، كما يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى مصدر دخل إقليمي.

 

تشريح منظومة الشهيد سليماني

 

 

وردت فكرة هذا المشروع في وثيقة البرنامج الاستراتيجي الفضائي العشري للبلاد، ويتمثل هدفها في إنشاء منظومة اتصالات وطنية مخصصة لإنترنت الأشياء، والحد من التبعية الاتصالية.

 

  1. ماهية المشروع وبنيته التقنية:

 

تُعدّ منظومة الشهيد سليماني أول منظومة إيرانية ضيقة النطاق، وقد صُممت لإرسال واستقبال حزم صغيرة من البيانات من أجهزة الاستشعار والمعدات المتصلة. وتشمل مرحلتها التنفيذية ما بين 20 و24 قمراً صناعياً تشغيلياً تحمل أسماء «قاسم 1» حتى «قاسم 24».

 

  1. ابتكار في البنية التنفيذية:

 

بدلاً من تنفيذ المشروع بالكامل عبر القطاع الحكومي، أُسند إلى كونسورتيوم تخصصي يضم شركات رئيسية، وشركات قائمة على المعرفة، وشركات ناشئة. ويسهم هذا النموذج في زيادة مشاركة القطاع الخاص وخفض التكاليف.

 

  1. النماذج الرائدة والنسخ التجريبية:

 

قبل مرحلة الإنتاج الواسع، جرى تصميم نماذج تجريبية تحمل اسم «هاتف». ويُعدّ القمر الصناعي «هاتف 3» النسخة ما قبل الرحلة لهذه المنظومة، ويُستخدم لاختبار النظم الفرعية والبرمجيات وتقنيات بناء المنظومات في المدار.

 

آخر مستجدات المشروع

بحسب مسؤولي منظمة الفضاء، فإن صناعة الفضاء تنطوي بطبيعتها على مخاطر عالية، ويجب أولاً أن تثبت النماذج التجريبية أداءها في المدار. وبعد معالجة العيوب، يبدأ إنتاج سلسلة الأقمار الصناعية الرئيسية.

 

تطوير البنى التحتية الأرضية

 

بالتزامن مع تصنيع الأقمار الصناعية، جرى تشغيل محطتين لاستقبال البيانات والتحكم بها في «سلماس» و«جناران». وتُعدّ هاتان المحطتان ضروريتين لزيادة مدة الاتصال بالأقمار الصناعية واستكمال سلسلة تشغيل المنظومة.

 

المكانة العالمية لإيران

 

تُعدّ إيران من بين الدول التي تمتلك الدورة الكاملة لتكنولوجيا الفضاء؛ أي إنها تملك القدرة على تصنيع الأقمار الصناعية، وحوامل الإطلاق، وقواعد الإطلاق، والمحطات الأرضية.

 

تصنيع الأقمار الصناعية: منها «نور» و«بارس» و«كوثر» و«بايا» و«ناهيد» و«هاتف».

 

تصنيع حوامل الإطلاق: منها «سفير» و«سيمرغ» و«قاصد» و«قائم».

 

قواعد الإطلاق: سمنان وجابهار.

 

المحطات الأرضية: ماهدشت، وجناران، وسلماس.

 

لكن امتلاك منظومة تشغيلية يمثل مستوى أعلى من مجرد امتلاك دورة التكنولوجيا. ومع استكمال منظومة الشهيد سليماني، يمكن لإيران أن تنضم إلى المجموعة المحدودة من الدول التي تمتلك منظومة وطنية تشغيلية.

 

التداعيات الاستراتيجية

 

تصنيع حوامل الإطلاق: إن تنفيذ هذا المشروع سيزيد الحاجة إلى عمليات إطلاق متعددة، ما يدفع نحو تطوير حوامل الإطلاق المحلية وتوسيع قدراتها الصناعية.

 

تنشيط قاعدة جابهار: يمكن لهذه القاعدة أن تتحول إلى المركز الرئيسي لعمليات الإطلاق المرتبطة بالمنظومات الفضائية الإيرانية.

 

تعزيز المرونة الوطنية: إن الاعتماد على الأنظمة الفرعية المحلية يقلّل من الاعتماد على الخارج، ويوفّر مستوى أعلى من الأمان في مواجهة العقوبات والاضطرابات الخارجية.

 

الخلاصة:

ليست منظومة الشهيد سليماني الفضائية مجرد مشروع علمي، بل تمثل استجابة استراتيجية للتحولات التي تشهدها صناعة الفضاء في العالم. ومن خلال هذا المشروع، تنتقل إيران من مرحلة الأقمار الصناعية المنفردة إلى مرحلة بناء المنظومات، وتقديم الخدمات التشغيلية، وتصنيع التكنولوجيا الفضائية على نطاق أوسع. ومن شأن استكمال هذا المشروع أن يسهم في تعزيز الاستقلال الاتصالي، ورفع مستوى المرونة الوطنية، وتمكين إيران من دخول اقتصاد الفضاء بصورة أكثر جدية.

 

المصدر: الوفاق