د. محمد حسين بزي
نصفُ قرنٍ إلّا حوْلٍ من قوة رحيل علي شريعتي؛ التي لم تبرحنا حتى فتح محرّم ذراعيه علينا من غواشم الأمم، ونحن لا زلنا بين فكيّ الاستحمار والاستعمار.
وأراني للمرّة الأولى أكتب عن شريعتي وآلة التوحّش الإسرائيلية تفتك في بلدي لبنان، جاعلة من أعمارنا رزنامة في يد الموت، يقلبها متى شاء، وإلى أين شاء.
الآن، ليس إلّا الفراغات نصب عينيّ، والخيبات تحاصر ذهني، ولا أعرف من أيٍّ منها أستل قلم الذكرى، ولا كيف أستوحي من نحيل القول أعمقه، ولا من عصمة الجمال أبهاه في حلة مصير الأفكار؟!! فهل هي غربة الوعي التي نظّر لها كامو؟ أم غربة التاريخ على ذمّة شريعتي؟ أم استغراب الفكر في منظومة أستاذنا حسن حنفي؟! لكن، لا وقت للاحتمالات، فالواقع قد أشبعته يدّ الشدائد فتكًا بعد أن صار الوقت عدونا المستمر..!
فانظر أين وصلنا أيّها المعلّم..!
أين المنائر والمنابر؛ بل حتى صرنا نسأل أين المقابر؟!! أين نحن؛ ونحن من صرنا؟!
أيّها المعلّم يا أب الذكرى، من عالم فكرك نسأل: من يجيب على دماء عشرة آلاف من شهدائنا؟! وسبعون مدينة وقرية اندثرت من بلادنا؟! ومن نخاطب بنزوح أرواحنا وتهجير أجسامنا لثلاث من سنوات محنة الجغرافيا، ولا منحة تشدّ عضد تاريخ هذا الصراع؛ إلّا دعاء الأيامى ومناجاة اليتامى، وآهات الثكالى..!! فما هذه أيّها المعلّم؟
إنّها النكبة الثالثة، كأنّي بشريعتي يجيب من عليائه..!
نكبة النفس بعد علو الهِمّة، ومصيبة الدهر في تخاذل الأمّة، كيف لا وقد تضاءل التاريخ في جغرافيا الفكر، بعد أن نصب العدو بعد حرب 2006 مصيدة مثلثة الأضلع؛ ادعاء ضعف وخوف وإيهامنا بقوتنا في السياسة، واختراق تقني للعديد والعتاد ثانيها، ليكون ثالثها الأخطر؛ كي الوعي الجمعي وإعادة تشكيله على مقبولية العدو وشرعنته على قاعدة الأمر الواقع ومتطلبات العصر المتوحِّش، فكانت محرقة غزّة التي فضحت العقل الفلسفي لـهابرماس وغيره من عقول الغرب، ولتكن غرّة الفكر المزيّف في صقل عقل الثقافة والإعلام في عالم العرب والمسلمين، فأين مأثورات إقبال اللاهوري ومقولات الأفغاني ونظريات مالك بن نبي من هذا الواقع المعيش؟!! بل أين الحدّ الأدنى من المروءة وأجيالها التي تقادمت في الكتب؛ وقد غادرت نفوس الرجال في تبرير تدمير جبل عامل سيد الجبال ؟!!
هذا الجبل الحاضر في معظم تراث شريعتي، صار الآن عِبرة وعَبرة، ولا يكابرن أحد بغير ذلك، وإلّا، فأين رجال اليقظة في طواحين هذا الرديء من الزمن!! وأين أصحاب الشعارات الكبرى من تدمير وإبادة البشر والحجر والتراث الثقافي والحضاري للجبل الذي طالما كان أعلى المنارات في دنيا العرب والمسلمين، فأين فاعلية الأخذ بالأسباب؟ وأين قاعدة درء المفاسد مُقدّم على جلب المصالح وإعمالها في عقول أصحاب الحِلّ والعقد؟!.
في الذكرى الـ 49 لرحيل علي شريعتي، تعمّدت بثّ هذه النجوى على صراحتها وصرامتها، علّها تصل ما انقطع من عالم الأفكار بواقع الناس، وعلّنا نقوم بالمراجعات النقدية؛ البينية والبنيوية القائمة على العقل والتدبّر؛ كي لا نخسر الرهان على الأجيال القادمة مرّة بعد أخرى.
ختامًا، أسأله تعالى ألا يُنعم علينا بفضائل لا تنفع الناس، ولا يبتلنا بزخرفة المعرفة المتوحّشة كي لا نُسلب الحسّ الرفيع، وألا يبعثنا إلّا شهداء بالحق.
شاعر وروائي لبناني، ناشر أعمال شريعتي باللغة العربية.