س: ما أول صورة ترتسم في ذهنك عن والدك؟
ج: رغم كل ما نسمعه اليوم من أحاديث وتعابير عن أبي، فإنه قبل كل شيء كان بالنسبة إليّ أباً بكل معنى الكلمة. كان قريباً جداً منّا، بسيطاً، حميماً. وعلى الرغم من مسؤولياته ونشاطاته الكثيرة، أدّى دوره الأبوي كاملاً. أقرب كلمة أستطيع أن أصفه بها هي: «الأب»؛ أب العائلة.
س: هل كان، إلى جانب كونه أباً، صديقاً لكم أيضاً؟
ج: نعم. كان إلى جانبنا في كل مراحل الحياة: في الطفولة، والمراهقة، ونهاية المرحلة الثانوية، وسنة الدخول إلى الجامعة، ثم في أيام الدراسة الجامعية، وحتى في مسار الزواج واختيار شريك الحياة. لم يقف يوماً في وجهنا، بل كان دائماً إلى جانبنا. وبعد أن كبرنا وصارت لنا عائلات وأولاد، بقي في البيت إنساناً حميماً لا يحمل ألقابه ومناصبه الخارجية إلى داخل المنزل. كل شيء كان يُترك خلف الباب، وفي الداخل كان أباً وجدّاً قريباً من الجميع.
حتى اللحظة الأخيرة، كانت والدتي تناديه «حاج آقا مهدي» (الحاج مهدي). أعلى مقام كانت تراه له هو أنه حاجّ، ملتزم بواجباته. نحن لم نكن نناديه بأي لقب رسمي؛ كان دائماً «بابا»، وكان الأحفاد ينادونه «باباجون مهدي» (الجد العزيز مهدي). وهذا وحده يشرح حجم الألفة في عائلتنا.
س: حدّثينا أكثر عن هذه المرافقة الأبوية.
ج: لأنني أعمل مع المراهقين وأعلّمهم، كثيراً ما أروي لهم هذه الذكريات. في السنة الأخيرة قبل دخولي الجامعة، وهي مرحلة حساسة جداً، كان أبي يوصلني صباحاً إلى المدرسة. الطريق لم يكن يتجاوز خمس أو عشر دقائق؛ لكن الشعور بالأمان الذي كان يمنحني إياه كان عالماً كاملاً من الطمأنينة. وفي الصيف، حين كنت أريد أن أبدأ الدراسة بجدّية، كان يأخذني معه أيام الثلاثاء إلى الجبل، وهناك كنّا نتحدث كثيراً.
لو لم يكن بيني وبين أبي هذا القرب، لما كانت توجيهاته أو حدوده مقبولة بسهولة؛ لكن لأن العلاقة كانت علاقة صداقة وثقة، كنّا نأخذ كلامه بقلوب مطمئنة، لأننا نعرف أنه يرانا، يهتم بنا، ويفكر في مصلحتنا من كل الجوانب. كان مستشاراً لنا جميعاً. أنا منذ نحو تسع سنوات أدرّس المواد الدينية في المدارس، ومنذ البداية كنت أراجع معه خطط دروسي. إذا واجهت مشكلة في موضوع ما، كنت أرجع إليه. كان يملك دائماً غذاءً فكرياً لنا؛ بسبب كثرة مطالعاته، كان يرشدنا إلى الكتب المناسبة، أو يعلّمنا من خبرته في التعليم.
س: ما المجالات التي كان يُطالع فيها؟
ج: إلى جانب تخصصه العلمي في الفيزياء، وبلوغه مرتبة الأستاذية، كان ناشطاً جداً في مجال التعليم العالي، وكان يبذل جهداً كبيراً من أجل الارتقاء العلمي كما كان يؤكد قائد الثورة الشهيد(رض).
أذكر أنني ذهبت مرة إلى مزاره في حرم السيد عبدالعظيم الحسني(ع)، فاقتربت منّي سيدة وقالت إنها التقت والدي في مؤتمر عن استشهاد رئيس الجمهورية آيةالله السيد إبراهيم رئيسي، وقدّمت مقالة له لكنها لم تُقبل، فذهبت إليه معترضة. قالت إن الدكتور طهرانجي تحدث معها بهدوء، وناقشها في مضمون المقالة، إلى درجة أنها كانت متيقنة أنه يحمل دكتوراه في علم الاجتماع. وبعد شهادته صُدمت حين علمت أن تخصصه الأصلي مختلف تماماً.
هذا يوضح سعة مطالعاته. كان يرى نفسه دائماً «متعلماً». حتى في التدريس، كان يختار مواضيع جديدة، يدرسها بعمق، ثم يدرّسها في مرحلة الدكتوراه. وكان يقول: «أنا أقرأ أكثر بكثير من الطالب الذي يأتي إلى الصف حتى أستطيع أن أقدّم الدرس»، وكان يرى في ذلك قيمة كبيرة.
س: عندما كنتما تتحاوران في الجبل أو في الأجواء العائلية، ما طبيعة حديثه؟
ج: كان يقدّم لنا ما يراه صالحاً؛ لكنه يترك الاختيار النهائي لنا. مثلاً في سنة التخرج من المدرسة، كان حديثنا يدور كثيراً حول أهمية العلوم الأساسية. كان يقول إن العلوم الأساسية أُمّ العلوم. هو كان يحب هذا المجال؛ لكنني كنت أميل إلى الفن، ثم ترددت لاحقاً بين العمارة وعلم النفس. ظلّ إلى جانبي، أخذني لأتحدث مع أساتذة، وساندني في اختياري. ربما كان يتمنى أن أتابع في العلوم الأساسية؛ لكنه حين رأى موهبتي ورغبتي في اتجاه آخر، لم يعارضني، بل وقف معي بالكامل.
س: كيف كان يمضي وقته في البيت؟
ج: عندما نكون في بيت والديّ، كان الأحفاد يركضون لاستقباله، وكان يحتضنهم ويمنحهم وقته. أكثر ما كان يلفتني أنني كلما دخلت بيت أمّي، أجد كتاباً جديداً على المقعد الذي يجلس عليه أبي. كل أسبوع تقريباً كان هناك كتاب جديد. كان أغلب نشاطه مساءً وليلاً هو القراءة. وكان ينام مبكراً؛ لكنه يستيقظ باكراً، وفي وقت ما بين الفجر وطلوع الشمس كان له برنامج قرآني ثابت. كان كثير التلاوة، مع التفسير والتدبر.
في شهر رمضان، حين كنّا نحاول ختم القرآن، كان يشجعنا؛ لكنه يقول: «لا تقرأوا بسرعة فقط؛ حاولوا في كل مرة أن تستخرجوا آية، تفكروا فيها، وتقرؤوا القرآن بتدبر». حتى في خطاباته، كان يكتب النصوص بنفسه، ويستعين دائماً بآيات القرآن. كان يحب أن يختار موضوعاً، يجمع آياته، يراجع التفاسير، ثم يبني نصاً متماسكاً. كان هذا يفرحه كثيراً.
س: ما عاداته الأخرى؟
ج: كان ينام مبكراً جداً. أحياناً تكون العائلة مجتمعة والأطفال يملؤون البيت ضجيجاً، فيغفو على طرف المقعد. لذلك كان يستيقظ مبكراً. ومع الأحفاد كان يحاول دائماً أن يخصص لهم وقتاً. قبل أسبوع من شهادته، كان خارج طهران مع إثنين من أحفاده، وذهبوا معاً إلى الجبل. كان يحب النباتات والاهتمام بالحديقة، ويحب الخروج كلما سنحت الظروف. وكان الجبل من أكثر الأشياء التي يحبها.
س: متى عرفتم أنه يعمل في مجال مرتبط بالطاقة النووية؟
ج: تخصص أبي لم يكن الطاقة النووية تحديداً، بل الفيزياء؛ لكن بعد شهادة الدكتور علي محمدي عام 2009، شعرنا وكأن جرس إنذار قد دق، وتغير شكل حياتنا. كنّا نعرف أن أبي يعمل في مشاريع وأعمال مختبرية إلى جانب الجامعة؛ لكن اتضاح خطورة هذا المسار للعائلة بدأ بعد شهادة الشهيد علي محمدي. منذ عام 2009 أدركنا أن لهذه الأعمال تبعات، وأن الحياة لن تبقى كما كانت.
س: هل كان يتحدث في البيت عن مهمّاته؟
ج: ليس كثيراً. كان خياره الدائم أن تبقى الجلسات العائلية عائلية. إذا طُرحت قضايا اجتماعية أو سياسية، كان يتحدث بحسب المناسبة، وكذلك في المواضيع الدينية. أمّا تفاصيل العمل، فكانت نادرة جداً.
س: ما الصفة التي جعلته قادراً على دخول هذا المجال ودفع هذه المشاريع؟
ج: بعد شهادته رُفع شعار يلخّص مساره: «حتى آخر النفس من أجل إيران». أبي كان يرى نفسه جندياً للقيادة وجندياً لإيران. كان يوصينا دائماً بأن نعمل بحيث نكون «أفضل ما يمكن لصاحب الزمان». هذا النظر يرفع الإنسان في أي موقع كان: في العلم، في الأمومة، في الدراسة، أو في العمل.
كان يبذل بلا حساب لتنفيذ توجيهات قائد الثورة الإسلامية ومساعدة سفينة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على بلوغ مقصدها. لذلك لم يكن يبخل بالوقت ولا بالجهد ولا بالدراسة. كان يتعامل مع الله، ولهذا كان حاله جيداً دائماً، فعلاً جيداً.
س: هل كان لوالدتكم دور في هذا المسار؟
ج: بالتأكيد. من دون مرافقة أمّي، لم يكن أبي لينجح بهذا الشكل. منذ أن ذهب إلى روسيا لدراسة الدكتوراه، وكنت أنا طفلة حينها، وحتى عودته، ثم في السنوات التي كانت مسؤولياته فيها كثيرة، كانت أمّي تتحمل عبء البيت والأطفال. وبعد عام 2009، حين تغيّرت الظروف الأمنية، حاولت أن تقوم بكل شيء كي لا يكون على أبي حمل إضافي.
ظهرت قيود في الحركة والسفر والشراء والخروج. لم يعد ممكناً أن يعيش كما في السابق. حتى المشي والرياضة كانا صعبين أحياناً؛ لكن مرافقة أمّي وصبرها كانا يمنعان عنه الضيق. أظن أن شكرهما لما كان لديهما هو ما أوصلهما إلى تلك المرتبة.
س: كيف كان يحافظ على التوازن بين العائلة والعمل؟
ج: كانت أمّي تؤمن بشيء وتكرره لنا: إذا خرجت من البيت، تخرج بعد أبي، وإذا عاد إلى البيت، تكون هي في استقباله. كانت تجعل البيت مأمناً حقيقياً له، تهيئ له الراحة النفسية والجسدية. وعندما يكون الإنسان مطمئناً أن البيت مستقر، يستطيع أن يعمل براحة أكبر.
كانت دقيقة جداً في الحلال والحرام. أحد مسؤولي الجامعة قال لي إن والدي أجرى عملاً طبياً للأسنان، وكانت أمّي تتصل بالمكتب وتؤكد أن تُسدَّد الكلفة بسرعة حتى لا يبقى شيء في الذمة. كانت هذه الدقة جزءاً من مرافقتها له.
س: هل خفتم بعد شهادة العلماء الآخرين؟
ج: يوم استشهد الدكتور علي محمدي، كنت في الجامعة. أخبرني زوجي بما حدث وذكر الاسم، ولم يكن يعرف أن الشهيد كان من أصدقاء والدي. نحن في البيت كنّا نعرفه باسم «السيد مسعود». اتصلت بالبيت، وكان أبي هناك. عندما عدنا رأيناه في حال شديد من الحزن، وقد كان في ذلك الصباح على موعد مع الشهيد فخري زاده والدكتور علي محمدي وبعض الزملاء. حضر أبي والشهيد فخري زاده، ثم وصل خبر الجريمة. كان أبي من أوائل مَن وصلوا إلى الشهيد.
لم يكن لدينا شعور مباشر بالخوف. الإنسان لا يصدّق الخطر تماماً ما لم يواجهه. نحن نؤمن بأن الشهادة مقام عظيم ومصدر فخر؛ لكن من الناحية العملية، يبقى استيعابها صعباً حتى تقع.
كان أبي يتحدث عن الشهادة كثيراً، ويقول: «لو حدث كذا، لو استشهدت مع مجيد…». وبعد شهادة الدكتور شهرياري، اتصلوا به وطلبوا منه ألّا يخرج من البيت. كنّا نرى أنه ينتظر الشهادة منذ زمن الحرب، وكان يقول إنه ينتظر أن تسقط قذيفة إلى جانبه، حتى لو لم يكن في ميدان الحرب؛ لكن بعد شهادة الشهيد فخري زاده تغيّر إحساسنا تماماً. كنّا نعرف مكانته وحساسية حياته، ونعلم أنه عاش سنوات طويلة في صمت وحذر. عندما استُشهد، أصبح الأمر أثقل. ومنذ تلك الحادثة، خاصة حين استشهد واضعاً رأسه في حجر زوجته، بدأت أمّي تقول بجدية: «إذا كان لابدّ من الشهادة، فأنا أريد أن أكون معه، لا أحتمل أن أبقى متفرجة». كنّا نأخذ كلامها أحياناً كأنه مزاح؛ لكنها كانت تدعو لذلك بصدق.
س: يبدو أن ثقافة الشهادة كانت راسخة في عائلتكم. كيف ترسّخت فيكم؟
ج: أرى أن النظر إلى الشهادة كـ«فن» لا ينتقل بالكلام فقط، بل بالفعل. نحن مدينون كثيراً لجلسات الأخلاق عند المرحوم الحاج السيد مجتبى طهراني. كان يقول إن الأخلاق تُمارَس ولا تُقال فقط. هذه الأخلاق كانت نمط حياة أبي وأمّي، وقد جرت في حياتنا. منذ ولادتي كبرت في مجالسه في شهر محرّم والأيام الفاطمية، وبقينا نستفيد منه حتى عام 2012.
أذكر أيضاً أنه حين استُشهد القائد نيلفروشان مع السيد حسن نصر الله، بحكم صلة القرابة، كان بيتنا يعيش حالة خاصة. في إحدى الليالي كنّا ذاهبين إلى بيت السيد نيلفروشان لتعزية العائلة، فقلت لأمي إن السنة الدراسية بدأت وإن أبي مشغول جداً، لكنها قالت إنهما سيأتيان. وفعلاً، وصلا قبلنا رغم بُعد الطريق. رأيت في عيونهما غبطة حقيقية لمن بلغ ذلك المقام.
التوكل على الله كان خلقاً دائماً في حياتهما. كثيراً ما كنت أسمع أبي يقول بثبات: «توكلنا على الله». ولم يكن ذلك كلاماً على اللسان، بل كان شيئاً يخرج من القلب.
س: هل كان له توسل خاص في أعماله؟
ج: كانت له علاقة قلبية خاصة بالإمام الرضا(ع)، وكان من خدّامه. حين تتعقد الأمور، يتوسل الإنسان بالإمام الرضا(ع) أو يزور مدينة مشهد المقدسة. هذه الجهة من الحياة كانت واضحة جداً في حياة أبي.
أمّا في مجالس الإمام الحسين(ع)، فلم يكن يتصنع أبداً. كان يحب المجالس التقليدية والبسيطة، حيث يستطيع أن يبكي بلا قيود. روى أخي أنه ذهب معه مرة إلى حسينية قديمة في شارع ري (جنوب العاصمة)، وبعد العزاء قال أبي بارتياح: «ما أجمل أن يكون الإنسان في مكان لا يعرفه فيه أحد فيرتاح»! ولم يكد ينهي كلامه حتى اقترب أحد طلاب جامعة آزاد وشكره على قرار يتعلق بالأربعين. عندها أنزل أبي رأسه وكأنه أدرك أنه حتى هناك لا يستطيع أن يبقى مجهولاً؛ لكن العزاء كان بالنسبة له هو المكسب الحقيقي.
س: كيف كان يتعامل مع المشكلات؟
ج: المشكلات كانت تزعجه طبعاً؛ لكنه كان يمنح نفسه فرصة للتأمل والصبر، ثم يراجع الطريق والهدف. لم يكن يتراجع بسهولة. كان جريئاً في الدخول إلى عمق العمل، ولم يكن محافظاً بالمعنى الذي يمنعه من المبادرة.
س: ما أكبر درس أخلاقي أخذته منه؟
ج: درسان أساسيان: الأول ألّا أكون أحادية البُعد في الحياة؛ أن أرى البُعد الروحي، والجسدي، والأخلاقي، والعائلي، وأحاول إقامة التوازن بينها. والثاني هو الارتباط بالله والقرآن. أمّي كانت تحفظ أجزاء من القرآن وتعمل في المجال القرآني، وأبي كان كثير التدبر والتلاوة. هذا بالنسبة إليّ درس كبير.
س: كيف كانت والدتكم تتحمّل قيود الحماية والغياب؟
ج: أمّي لم تكن تنهار. كانت تحاول أن تحمل العبء بنفسها، حتى في الأمور البسيطة مثل الشراء أو شؤون البيت؛ لكنها لم تكن تسمي ذلك «تحملاً». قبل أسبوعين من شهادتها، قالت لي في حديث أُمّ وابنتها: «لا تتحملي في الحياة، التحمل قبيح، اصبري. إذا صبرتِ صار كل شيء جميلاً، لأنك حين ترين أنك في الطريق والهدف، تصبح المشقة حلوة».
كانت تعيش هذا فعلاً. إذا ثقلت عليّ مشاغل الأولاد، كنت أتصل بها لأتذمر قليلاً، فتعيدني إلى الهدوء وإلى الله الذي يرى ويعلم. كانت تقول: «إذا خدمتِ أولادك فلا تمنّي عليهم، قولي إنهم من شيعة أمير المؤمنين(ع)، والله شاهد على هذه الخطوة».
س: ما الذي كانت تقدّمه لوالدك في حياته؟
ج: لم تكن المسألة عملاً محدداً، بل كان وجودها مؤثراً. أحياناً يُعرَّف قدر المرأة خطأً بالشهادة الجامعية أو العمل الخارجي فقط؛ لكن أمّي لم تكن أسيرة لهذه التعريفات. لم تكن تحمل شهادة جامعية؛ لكنها كانت تعمل في البيت بالقرآن، قراءةً وحفظاً، وكانت منتبهة لدورها زوجةً وأمّاً وجدة.
محبتها اللامحدودة كانت، في رأيي، القوة المحركة لأبي. كانت تجمع العائلة، تحافظ على صلة الرحم، وتدير العلاقات العاطفية بين الأقارب. في العربية يقال عن بعض الناس إنهم «مُنفّس الكرب»، أي إن وجودهم نفسه يبعث الراحة فيمن حولهم. أبي وأمّي كانا كذلك في العائلتين.
س: هل كانت تخشى أن يستشهد والدك وتبقى وحدها؟
ج: نعم. كانت تقول ذلك. ربما لهذا كانت تحاول دائماً أن تكون معه. كان لديها قلق من أن تفوتها القافلة. في السنوات التي كانت فيها خادمة في حرم السيدة معصومة(س)، كانت تقول إنها تدعو كثيراً لهذا الأمر. وبعد شهادة الشهيدة معصومة كرباسي في لبنان مع زوجها، تأثرت أمّي كثيراً، وقالت مع نفسها: «إذن يمكن أن أُستشهد مع زوجي أيضاً».
كانت تراجع حياتها وكأن لديها قائمة داخلية: هل أعيش مثل الشهداء؟ ماذا فعلوا؟ ماذا قصّرت فيه؟ هذا لا يحدث فجأة؛ لابدّ أن وراءه حساباً ومراقبة.
س: هل كان والدك يشارك والدتك في القرارات؟
ج: نعم، كان هناك تشاور بالتأكيد؛ لكن أمّي كانت ترى كلام أبي حجة أخيرة. إذا أرادت شيئاً وسألته فقال إن الوقت غير مناسب، لا تدخل في البحث عن الأسباب، بل تقول: «إذن ليس فيه صلاح، ولا أفعله». كانت تثق به تماماً.
س: هل كانا يتحدّثان عن الشهادة معاً؟
ج: أرى أن هذا طريق اختاراه معاً. حياة أبي وأمّي تشبه قطعة تركيب مكتملة؛ كانا يكملان بعضهما، ولذلك جاء مصيرهما النهائي معاً. كانا مطمئنين إلى أننا نحن الأولاد وصلنا إلى مرحلة من الاستقرار، ولم يعد أحد منّا طفلاً متعلقاً بالبيت.
كانت أمّي تقول في الفترة الأخيرة إن جدّتها توفيت في السادسة والخمسين، وجد أبي توفي في التاسعة والخمسين، ثم تقول: «أنا ووالدكم نعيش وكأننا أكثر من المدة». كانت في السابعة والخمسين حين استُشهدت، وكان أبي في التاسعة والخمسين قبل بلوغه الستين. وكانت قد ضاعفت درس حفظ القرآن لأنها كانت تقول إنها لا تريد أن تلقى الله وهي مدينة للقرآن.
كما نُقل بعد شهادتها أنها رأت قبل ثلاثة أشهر، في شهر رمضان، الحاج قاسم سليماني في المنام، فأعطاها ست أقراص من التربة؛ إثنتين لها ولأبي، وأربعة لمرافقيهما. وفي ليلة الحادثة استُشهد أربعة من الحماية. نحن الأبناء لم نكن نعلم بهذا المنام؛ لكن بعض مَن حول أبي كانوا يعرفونه.
س: هل كانت هناك علامات قبل الشهادة؟
ج: من جهة أمّي لا؛ كانت منشغلة بالحياة اليومية ولا تظهر قلقها. أمّا من جهة أبي، فقد شعرنا بشيء. أتذكر ليلة الأربعاء قبل الحادثة جيداً. كنّا نجتمع عادة في نهاية الأسبوع، وأمّي دعتنا للعشاء ودَعت عمّي لأنه كان وحيداً، حيث كانت زوجته في مدينة مشهد للزيارة. ورغم ألم ركبتها وخدمتها ذلك الأسبوع في قم المقدسة، قالت إنها ستعد طعاماً بسيطاً لنجتمع.
في تلك الليلة شعرنا بقلق أبي بسبب أوضاع المنطقة. كان يقول إن الكيان الصهيوني قد يهاجم في أي لحظة؛ لكننا كنّا ننظر إلى الأمر ببساطة ونقول إن ذلك مستحيل، وربما تكون هناك عمليات تخريب داخلية فقط. كنّا نرى القلق في وجهه؛ وكان يظهر عنده بالصمت والتأمل. أذكر أن أختي أخذت جهازه اللوحي وبدأت تقرأ الأخبار بصوت عالٍ، فلما وصلت إلى أخبار عن احتمال الهجوم، قال لها: «اتركيه يا ابنتي، ليس كل شيء يُقرأ بصوت عالٍ». كان واضحاً أن ذهنه مشغول.
ليلة الحادثة كنّا خارج طهران. قرابة الثالثة فجراً استيقظت على صوت اضطراب في الهواء واهتزاز الأرض. لم تكن وكالات الأنباء قد نشرت شيئاً. وبعد أن راجع زوجي الأخبار قال إن الكيان الصهيوني هاجم. أول مقطع رأيته كان لحريق بيت والدي؛ لكن كُتب تحته «منطقة الشهيد محلاتي». عرفت المبنى من ألوانه؛ لكنني رفضت التصديق. ثم ذُكر شارع فرحزاد، ففهمت.
قلت مع نفسي ربما لم يكن أبي في البيت، لأنه لو شعر بالخطر لما بقي هناك. هاتف أمّي كان يرنّ لأنه قُذف إلى الخارج، أمّا هاتف أبي فلم يكن متاحاً. اتصلت بأخي وطلبت منه أن يذهب ليرى هل السيارات في المرآب. فريق الحماية لم يكن يجيب لأنهم استُشهدوا أيضاً. ذهب أخي وواجه المشهد، ثم عدت أنا إلى طهران.
عندما وصلت وشغّلت التلفاز، بدأت الأسماء تظهر واحداً بعد آخر. كان الحزن يتقاسمنا باستمرار. ما شهدناه في تلك الأيام الإثني عشر وتشييع الشهداء كان استثنائياً. هؤلاء الشهداء استُشهدوا في يوم عيد الغدير، وأُخذوا إلى مثواهم مع بداية محرم والدموع في ذكرى استشهاد الإمام الحسين(ع). هذه المعاني تمنح الإنسان سكينة، رغم أن الفقد يبقى ويكبر أحياناً.
ما يؤلمني كثيراً أن شهادة العلماء جاءت مع شهادة جيران أبرياء، نساء وأطفال وأناس لا ذنب لهم. هذا يكشف خبث العدو. كان أبي يقول في أحد أحاديثه: «حين يكون عدوك هو الكيان الصهيوني، تصبح حياتك حلوة». أي إن خبثه يؤكد أنك في الطريق الصحيح. إذا رأيت اسمك في قائمة الموساد، فهذا يعني أنك كنت تعمل عملاً مؤثراً، وعليك أن تواصل.
س: هل شعرتِ في آخر لقاء أو إتصال أن هذه قد تكون المرّة الأخيرة؟
ج: لا، أبداً. نحن، لأننا من جهة أبي سادة، أي “طباطبائيون”، نحب جداً اجتماع السادة في عيد الغدير. كنّا ننتظر أن نلتقي يوم السبت، يوم العيد. حديثي الأخير مع أمّي كان عن ترتيب الضيافة وأحوال الأطفال. وحديثي مع أبي كان قصيراً جداً، سأل بسرعة عن أحوالنا وأحوال الحديقة والأولاد، ثم أنهى الاتصال. ظننت أنه مشغول الذهن، وقلت لأمّي: «إنني أشعر أن باله منشغل». كنّا لا نلح عليه في مثل هذه الحالات، بل ننتظر حتى تمر المرحلة ويخبرنا هو.
لاحقاً سمعت أن مَن كانوا حوله في العمل قالوا إن الدكتور كان في الأسبوع الأخير قلقاً في كل لحظة، وكانت أكثر مخاوفه على أمّي، إذ كان يقول ربما يستهدفون مكان العمل أو يحدث شيء في الطريق؛ لكنه لم ينقل إلينا شيئاً من هذا القلق.
س: بعد شهادة والديك، كان قائد الثورة الشهيد(رض) إلى جانب عائلتكم بطرق مختلفة. كيف أثّر ذلك فيكم؟
ج: بعد شهادة أبي وأمّي، دُعينا من قبل السيد القائد إلى مجلس ختم لشهداء حرب الأيام الإثني عشر المفروضة. أتذكر أنني في ذلك اليوم كنت في حال مختلف. شعرت بطمأنينة وسكينة عجيبتين. حين دخلنا حسينية الإمام الخميني(رض)، كان التعامل محترماً ومفعماً باللطف، وشعرنا أننا مدعوون بشكل خاص. مع دخول قائد الثورة الشهيد(رض)، شعرت أن الحزن الجالس في داخلي بسبب فقد أبي وأمّي قد ذهب فجأة. هناك اطمأنت قلوبنا. قلت في نفسي: «إذا كان أبي جندياً للسيد القائد، فدعاء الأبوة منه الآن خلفنا. وقد قال لنا إنه يدعو لنا جميعاً، وكان هذا ثميناً جداً».
بعد مدة تكررت هذه الألطاف، ودُعينا مرة أو مرتين في مناسبات مثل يوم الطالب وأعياد أخرى. شعور الانتماء إلى هذه العائلة الكبيرة كان يمنحني عزاً. هناك فهمت بعمق الفرق بين مكانة الشهيد ومَن يرحل رحيلًا عادياً؛ هذا العز هو جبر إلهي لعائلات الشهداء. كما وصلتنا رسائل متعددة من السيد القائد. جاء الدكتور حداد عادل حاملاً رسالة منه، وكان ذلك سبباً في سكينتنا. كما جاء الشهيد القائد شيرازي مع زوجته، وكانت جلسة ودّية.
ثم أُخبرت ذات مرة أن لدينا ضيوفاً مميزين. قيل لنا إن الضيفات من النساء. وبعد يومين فقط استقبلنا ثلاث عزيزات: السيدة بشرى والسيدة هدى، نجلتي قائد الثورة الشهيد، وزينب ابنة السيدة بشرى. كانت جلسة لا تُنسى. تحدثنا ساعة ونصف كأننا نعرف بعضنا منذ سنوات. كان بيننا حديث مشترك كثير، وكانت السيدة هدى تعرف أبي من خلال الدكتور مصباح، وكانت قد رأت أمّي أيضاً. كانت جلسة مفعمة بالراحة.
في مارس/ آذار 2024، وقبل شهادة أبي وأمّي، تشرّفنا بلقاء خاص مع قائد الثورة الشهيد(رض): أنا وأبي وأمّي وأخي. كانت هيبته وصلابته تملآن عيني إلى درجة أنني لم أستطع الكلام. أمّا أمّي فتقدمت وطلبت منه أن يدعو لها بحسن العاقبة. وفي النهاية استُشهدوا جميعاً. هنيئاً لهم.
أمر يتكرر في ذهني دائماً: أبي وأمّي لم يكونا يطيقان أن يصيب قائد الثورة الشهيد(رض) أدنى أذى، فكيف بشهادته؟ لذلك أقول إن من السعادة أن بعض أصحابه رحلوا قبله. لو كان أبي وأمّي موجودين، ربما لم يكونا قادرين على احتمال هذه الأيام الثقيلة.
حين استُشهد السيد القائد، تضاعف ألمنا مرات. شعرنا أننا تيتمنا مرة أخرى. يوم جاءت السيدة بشرى، شعرت أنها أخت كبرى لي؛ لذلك، بعد شهادته، أحسسنا أننا فقدنا عائلة من جديد. نسأل الله أن يذكرونا جميعاً بالدعاء على مائدة أبي عبد الله الحسين عليه السلام.