يشهد المشهد السياسي في نيويورك لحظةً فارقة، ليس فقط بسبب صعود تيار تقدمي يقوده عمدة المدينة زهران ممداني، بل لأنّ هذا الصعود ترافق مع دخول القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش السياسي الأمريكي. لم تعُد فلسطين ملفاً خارجياً يُستحضر في سياقاتٍ محدودة، بل تحوّلت إلى معيار أخلاقي وسياسي يقيس من خلاله جيل جديد من الناخبين صدقية ممثليه. هذا التحوّل لا يعكس تبدّل المزاج الشعبي تجاه الحرب على غزة فقط، بل يكشف أيضاً عن إعادة تشكيل عميقة داخل الحزب الديمقراطي، حيث تتراجع هيمنة الخط التقليدي المؤيد لكيان الاحتلال لصالح خطاب أكثر جرأة يربط بين العدالة الاجتماعية في الداخل والعدالة الإنسانية في الخارج.
ممداني والتيار التقدمي.. من خطاب محلي إلى مشروع وطني
منذ فوز زهران ممداني بمنصب العمدة بعد حملة اتهم فيها كيان الاحتلال بارتكاب «إبادة جماعية»، أصبح واضحاً أنّ التيار التقدمي لم يعُد مجرد حركة احتجاجية داخل الحزب الديمقراطي، بل قوة سياسية تسعى إلى إعادة تعريف أولويات الحزب. فالموقف من فلسطين لم يعُد تفصيلاً ثانوياً، بل أصبح جزءاً من الهوية السياسية لهذا التيار الذي يرى أنّ دعم كيان الاحتلال بلا شروط يتناقض مع قيم العدالة والمساواة التي يرفعها الديمقراطيون.
ومع توسّع نفوذ ممداني، بدأت الحركة التي يقودها تتطلع إلى ما هو أبعد من نيويورك، عبر دعم مرشحين يسعون إلى دخول الكونغرس، في محاولة لنقل هذا التحوّل من المستوى المحلي إلى المستوى التشريعي الوطني. هذا التوجّه يعكس قناعة متزايدة بأنّ المعركة حول فلسطين ليست معركة خارجية، بل جزء من صراع داخلي حول طبيعة الحزب الديمقراطي نفسه.
خطاب جديد يربط بين غزة والعدالة الاجتماعية في أمريكا
ما يُميز هذا التيار أنه لا يتعامل مع فلسطين كقضية جيوسياسية منفصلة، بل كامتداد طبيعي لنقاشات العدالة داخل الولايات المتحدة. فبالنسبة للمرشحين التقدميين، لا يُمكن لحزب يدّعي الدفاع عن الفقراء والمهمّشين أن يُبرّر في الوقت نفسه تمويل حرب تسبّبت في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين في غزة.
هذا الربط بين الداخل والخارج منح الخطاب التقدمي قوةً إضافية، لأنه يقدّم رؤية متكاملة: إذا كانت الدولة قادرة على إنفاق مليارات الدولارات لدعم آلة عسكرية في غرب آسيا، فلماذا تعجز عن تمويل المدارس العامة، أو تحسين البُنية التحتية، أو توفير الرعاية الصحية؟ بهذا المعنى، أصبحت فلسطين رمزاً لخللٍ أعمق في توزيع الموارد والأولويات داخل الولايات المتحدة، وهو ما جعلها جزءاً من النقاش الانتخابي اليومي، لا مجرد ملف دبلوماسي.
انقسام داخل الحزب الديمقراطي..جيلٌ جديد يواجه المؤسسة التقليدية
المعارك الانتخابية التي يخوضها التقدميون في نيويورك تكشف حجم الانقسام داخل الحزب. فشخصيات مثل «براد لاندير» تتحدى نواباً ديمقراطيين تقليديين، ليس فقط على أساس البرامج المحلية، بل على أساس الموقف من كيان الاحتلال.هذا التحوّل يعكس صراعاً بين جيلين:جيل قديم يرى في دعم العدو ركناً ثابتاً من السياسة الأمريكية، وجيل جديد يعتبر أنّ هذا الدعم لم يعُد أخلاقياً ولا يُمثل القاعدة الشعبية للحزب.
ومع تزايد الانتقادات الموجهة إلى اللوبيات المؤيدة لكيان الاحتلال، خصوصاً «أيباك»، بات واضحاً أنّ جزءاً كبيراً من الناخبين لم يعُد يقبل بأن تُحدد جماعات الضغط اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقضية إنسانية بحجم غزة.
خطاب بروكلين وتصعيد الموقف من «إيباك»
وقد شهد تجمع جماهيري في بروكلين بنيويورك خطابًا سياسيًا حادًا لعمدة المدينة زهران ممداني، حيث وجّه انتقادات مباشرة إلى منظمة «إيباك» (اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الصهيونية)، متهمًا إياها بلعب دور سلبي في الحياة السياسية الأمريكية. في كلمته أمام حشد كبير من الناخبين التقدميين، وصف ممداني أعضاء المنظمة بأنهم «وحوش»، واتهمهم بإنفاق ملايين الدولارات للتأثير على الرأي العام الأمريكي وتحريض المواطنين ضد بعضهم البعض، بهدف حماية مصالح سياسية مرتبطة بالصراع في غرب آسيا. كما ربط ممداني بين نشاط «إيباك» والسياسات الصهيونية في غزة، معتبرًا أنّ الدعم الذي تقدمه المنظمة يسهم في استمرار الحرب وما وصفه بـ«الإبادة»، في إشارة إلى العمليات العسكرية الصهيونية في القطاع. وخلال خطابه الذي استمر نحو ثلاثين دقيقة، دعا ممداني إلى دعم مرشحين تقدميين في انتخابات الكونغرس، مشيرًا إلى ضرورة تغيير موازين القوى السياسية داخل الحزب الديمقراطي، بما يسمح وفق تعبيره بموقف أكثر صرامة تجاه الحكومة الصهيونية وسياساتها.
تغيّر المزاج الشعبي.. فلسطين في وعي الناخب الأمريكي
التحوّل في نيويورك ليس معزولاً عن السياق الوطني. فصور الدمار في غزة، والاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية، والتغطية الإعلامية الواسعة للانتهاكات، كلها عوامل ساهمت في تغيير نظرة قطاعات واسعة من الأمريكيين إلى الصراع .لم يعُد الدعم لكيان الاحتلال «بديهياً»، بل أصبح موضع مساءلة.
وللمرة الأولى منذ عقود، تظهر استطلاعات الرأي أنّ نسبة كبيرة من الديمقراطيين، خصوصاً الشباب، تتعاطف مع الفلسطينيين وتعارض استمرار الدعم العسكري غير المشروط. هذا التحوّل الشعبي هو ما يمنح التيار التقدمي زخمه الحقيقي، لأنه يُعبّر عن شعور جمعي بأنّ السياسة الأمريكية تجاه غرب آسيا تحتاج إلى إعادة نظر جذرية.
إعادة تشكيل التحالفات داخل مدينة متعددة الهويات
نيويورك مدينة تعكس تنوعاً عرقياً ودينياً واجتماعياً فريداً، وهذا التنوع يلعب دوراً أساسياً في إعادة تشكيل التحالفات السياسية. ففي الأحياء الثرية في مانهاتن، ما زال الخط التقليدي يحظى بدعمٍ نسبي، بينما تتجه مناطق مثل بروكلين وبرونكس وهارلم نحو خطاب أكثر جرأة في الدفاع عن الفلسطينيين.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً طبقياً، بل يعكس أيضاً اختلافاً في التجربة التاريخية، فالمجتمعات التي عانت من التهميش والعنصرية ترى في مأساة غزة امتداداً لمعاناة الشعوب المضطهدة حول العالم.
وبذلك، تصبح فلسطين جزءاً من هوية سياسية جديدة تتشكل في المدن الأمريكية الكبرى، حيث تتقاطع قضايا العدالة العرقية والاجتماعية مع قضايا السياسة الخارجية.
ختاماً ما يجري في نيويورك اليوم ليس مجرد تنافس انتخابي، بل تحوّل عميق في الوعي السياسي الأمريكي. فالقضية الفلسطينية، التي كانت تُعامل لسنوات كملف حساس لا يقترب منه السياسيون، أصبحت اليوم محوراً يعيد تشكيل التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
هذا التحوّل لا يعني أنّ الطريق نحو تغيير السياسة الأمريكية تجاه كيان الاحتلال أصبح سهلاً، لكنه يشير بوضوح إلى أنّ الصمت لم يعُد ممكناً، وأنّ جيلاً جديداً من السياسيين والناخبين يرى في فلسطين قضية أخلاقية لا يمكن تجاهلها.
وبينما تستعد نيويورك لانتخابات الكونغرس المقبلة، يبدو أنّ السؤال الحقيقي لم يعُد: من سيفوز؟ بل: إلى أي مدى ستستمر فلسطين في إعادة رسم ملامح السياسة الأمريكية من الداخل؟