مهندسو إيران القوية

«محمد حسين باقري» معمار الدفاع الجيوسياسي لإيران

هو من وسط حلقة أولئك القادة الذين ذاقوا حلو الحرب ومرّها في الدفاع المقدس، والذين واصلوا من بعد ذلك مسارهم الجامعي في تخصص وثيق الصلة بأنشطتهم العسكرية، رغم ارتدائهم البزة العسكرية وخدمتهم في صفوف القوات المسلحة؛ إنه الفريق محمد باقري، الحائز على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا السياسية والجيوسياسية من جامعة «تربيت مدرس» في طهران.

لقد كان، إلى جانب الفريق غلام علي رشيد، من ضمن حلقة المجموعة المؤسسة للجنة الجيوسياسية في إيران. أولئك الذين شقّوا طريقهم نحو ميدان العلم إثر اكتسابهم تجارب كبيرة طوال الأعوام الثماني للحرب مع النظام البعثي. وقد أدّى دمج خبراته المتراكمة مع مساره الأكاديمي، إلى جانب عمله برفقة الشهيد رشيد، إلى جعله أحد أبرز مهندسي الأمن القومي والدفاعي في إيران.

 

 

كان القائد الذي كان يتوارى في الظل بشكل عام قبيل اعتلائه سدة رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة، يتسم بميزة مهمة أخرى، وهي: الخبرة الاستخباراتية! فقد كان القائد الإيراني، قبيل توليه رئاسة الأركان العامة، كادرًا عسكرياً واستخباراتياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومصحوباً بتلك السمات ذاتها التي يعرفها الجميع؛ قليل الكلام، واثق، حاسم، ويعمل بناءً على معلومات دقيقة ومحققة. ويمكن التماس خلاصة هذا كله في المقطع المصوّر الذي نُشِر لعملية «الوعد الصادق 2» الصاروخية؛ حينما أخذ يشرح بثقة تامة أمام الكاميرا، ودون تلعثم، تفاصيل العملية ووضع قواعـد «نفاتيم» و«هاتسريم» الجوية، ومقر «الموساد»، والرادارات الإستراتيجية، ومراكز تجمع الجيش العبري في المنطقة المحيطة بقطاع غزة تحت الضربات.

 

 

كان الشخصية المتكاملة للقائد العسكري الذي يستعرض بفعله في الميدان وهيمنته الإستراتيجية والاستخباراتية رصانة البنية العسكرية التي تأتمر بأمره وعراقتها؛ كما تولى مسؤولية القسم الاستخباري للعمليات في القوات البرية لحرس الثورة الإسلامية ومقر كربلاء التابع لمقر خاتم الأنبياء(ص) إبان حقبة الدفاع المقدس، وكذلك رئاسة دائرة الاستخبارات ثم معاون الاستخبارات والعمليات في الأركان العامة للقوات المسلحة وكان المعاون المنسق لمقر خاتم الأنبياء(ص) العسكري المركزي.

 

 

تولى القائد الإيراني قليل الكلام مسؤولية رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة منذ عام 2016م، لتُقاد كل من مؤسسة الجيش، وحرس الثورة الإسلامية، وقيادة قوى الأمن الداخلي في البلاد ضمن هندسة التوجيهات الدفاعية والعسكرية للبلاد، وتحت مظلة هيئة أركان يترأسها هو بنفسه. وينقل شقيقه عن محمد قوله: «حتى في اللقاءات العائلية المشتركة كان الكتاب يرافقه دائمًا، سواء كان مرتبطًا بالمسائل العسكرية أو الموضوعات التاريخية. لقد كان شغوفًا بتاريخ الحروب العالمية، وقال مرارًا إنه قرأ كتاب «مسيرة الجيش الألماني في الحرب» (الرايخ الثالث) مرتين».

 

 

لم يكتفِ العقل المدبر للقوات المسلحة لجمهورية إيران الإسلامية بالمتابعات العسكرية والدفاعية بما يخدم مصلحة القوات المسلحة؛ إذ يعد تفعيل خط الدبلوماسية الدفاعية والعسكرية للبلاد إبان الحقبة السنوات التسع لرئاسته الأركان العامة جزءاً آخر من خدمات الشهيد باقري للبلاد.

 

 

وتأتي الزيارات إلى دول روسيا، وتركيا، وسوريا، والعراق، وباكستان في عداد الأحداث التي تبلورت خلال فترة مسؤولية الشهيد باقري. هذا القائد المولود عام 1960م في جنوب العاصمة بطهران، هو صاحب مقالات عديدة في مجالات شتى كـالجيوسياسية والنفوذ الإقليمي، والدراسات الدفاعية والإستراتيجيات العسكرية، وإدارة الحدود والقانون البحري.

 

 

كان طالب الهندسة الميكانيكية السابق في جامعة أمير كبير مدرجاً أيضاً على لائحة العقوبات الأمريكية والكندية. ونال هذا القائد الوقور الذي كان له دور بارز إبان تبوئه منصب معاونية الاستخبارات في الأركان العامة للقوات المسلحة في التسعينات ضمن إطار العمليات الخارجية لحرس الثورة الإسلامية ضدّ الجماعات الإرهابية، الشهادة في نهاية المطاف برفقة عائلته فجر الثالث عشر من حزيران/ يونيو 2025، مع زوجته أشرف أفشردي وابنته فرشته باقري، وووري جثمانه الثرى في القطعة 24 من مقبرة «جنّة الزهراء» في طهران إلى جوار شقيقه ذائع الصيت الشهيد حسن باقري.

 

 

 

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة