يشهد الجنوب السوري مرحلة حساسة من التصعيد الصهيوني، تتجلى في تحركات عسكرية متكررة وتوغلات برية داخل القرى الحدودية، إلى جانب ممارسات تضييقية تستهدف المدنيين والإعلاميين على حدٍ سواء. هذا التصعيد لا يمكن النظر إليه كأحداث منفصلة، بل كجزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، وفرض قواعد اشتباك جديدة تتناسب مع رؤية الاحتلال لمستقبل الحدود السورية. وفي ظل غياب تغطية إعلامية كافية، تتفاقم معاناة السكان الذين يجدون أنفسهم أمام واقع أمني واقتصادي خانق، يترافق مع محاولات منهجية لطمس الحقيقة ومنع توثيق الانتهاكات.
التوغلات البرية وتوسيع نقاط التفتيش
تزايدت في الأسابيع الأخيرة وتيرة التوغلات الصهيونية داخل القرى السورية المحاذية لخط الفصل، حيث شهدت محافظتا القنيطرة ودرعا ما يقارب ستين اعتداءً في فترة قصيرة. هذه التحركات لم تعُد تقتصر على عمليات استطلاع أو مراقبة، بل تحولت إلى وجود ميداني مباشر داخل الأراضي السورية، يتجسد في دخول دوريات عسكرية إلى عمق القرى، وإقامة نقاط تفتيش مؤقتة، واستجواب المدنيين في الطرقات والمنازل.
في ريف درعا الغربي، توغلت دورية صهيونية قرب بئر الغبيطي على طريق كويا، قبل أن تنسحب نحو قرية معرية التي باتت تشهد توغلات شبه يومية. أمّا في القنيطرة، فقد أصبحت نقاط التفتيش المؤقتة جزءاً من المشهد اليومي، إذ تُستخدم لاستجواب السكان والتضييق عليهم، في محاولة واضحة لفرض حضور عسكري دائم داخل المنطقة العازلة.هذه التحركات تعكس رغبة الاحتلال في اختبار ردود الفعل، وقياس قدرة السكان على التكيف مع وجوده، تمهيداً لمرحلة أكثر عمقاً من السيطرة الميدانية.
استهداف المزارعين وتعطيل مصادر المياه
لم يقتصر الضغط الصهيوني على الجانب الأمني، بل امتد ليشمل الجانب الاقتصادي والمعيشي للسكان. فقد عمدت قوات الاحتلال إلى تعطيل بئر المياه المغذي لقرية معرية، ما أدى إلى أزمة حقيقية في تأمين المياه للأهالي. كما جرى منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم القريبة من النقاط العسكرية الصهيونية، بعد تصنيفها كمناطق «محظورة»، الأمر الذي حرمهم من محاصيلهم في موسم الحصاد.
هذا النوع من التضييق لا يبدو عشوائياً، بل يعكس سياسة تهدف إلى إضعاف قدرة السكان على الصمود، عبر ضرب مصادر رزقهم الأساسية. كما طالت الإجراءات الرعاة وأصحاب المناحل الذين باتوا يخضعون لرقابة مشددة، ولا يُسمح لهم بالتحرك إلا في أوقاتٍ محددة، ما يجعل حياتهم اليومية رهينة لإرادة الاحتلال.
إنّ تعطيل دورة الحياة الاقتصادية في الجنوب السوري يُشكل أحد أخطر أوجه الخرق الصهيوني، لأنه يستهدف البُنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، ويخلق حالة من الإحباط والضغط النفسي لدى السكان.
استطلاع التلال الحاكمة ومحاولة تغيير الطبوغرافيا الأمنية
شهدت الأيام الماضية عودة الاحتلال إلى استطلاع التلال الاستراتيجية في حوض اليرموك والقنيطرة. في تلّة المُغَر، سُجل توغل عسكري تخلله إطلاق قنابل دخانية، بينما شهدت تلّة أبو قبيس توغلاً استمر اثنتي عشرة ساعة بدبابتين قبل انسحابهما نحو تلّة أحمر غربي، التي تُعد نقطة عسكرية متقدمة.
هذه التحركات تشير إلى محاولة صهيونية لربط التلال الحاكمة ببعضها، بهدف تشكيل طوق عسكري يتيح لها مراقبة أوسع للمنطقة، ويمنحها قدرة أكبر على التدخل السريع. كما تعكس رغبة الاحتلال في تغيير المزايا الطبوغرافية للمنطقة العازلة، بما يضمن له حرية حركة أكبر، ويحد من قدرة أي قوة محلية على بناء بنية عسكرية مضادة.
إنّ هذا السلوك يعكس استراتيجية «منع التمكين»، التي تهدف إلى منع أي طرف سوري من إعادة بناء قوة عسكرية قادرة على تهديد الاحتلال مستقبلاً.
تجريف الأراضي وإنشاء طرق جديدة
في إطار السعي إلى تغيير الواقع الجغرافي والأمني، قامت آليات الاحتلال بتجريف مساحات واسعة من الأراضي قرب بلدة الرفيد، بهدف إنشاء طرق جديدة بمحاذاة السلك الفاصل بين الجولان المحتل والمنطقة العازلة. هذه الطرق كانت تُستخدم سابقاً من قبل قوات اليوندوف، ما يعني أنّ الاحتلال يسعى إلى تحويلها إلى ممرات عسكرية خاصة به، تتيح له التحرك بسهولة داخل الأراضي السورية.
إنّ إنشاء هذه الطرق يشكل خرقاً واضحاً لاتفاقيات الفصل، ويعكس رغبة الاحتلال في تثبيت وجود طويل الأمد، عبر بُنية تحتية عسكرية يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
استهداف الإعلاميين ومحاولة تغييب الحقيقة
من أخطر التطورات الأخيرة انتقال الاحتلال إلى استهداف الإعلاميين العاملين في الجنوب السوري. فقد سُجلت أربع حالات مداهمة لمنازل صحافيين في فترة قصيرة، جرى خلالها استجوابهم حول طبيعة عملهم، وتفتيش أجهزتهم، ومنعهم من استخدام طائرات التصوير أو توثيق تحركات الدوريات.
كما طلبت قوات الاحتلال من الأهالي منع أي شخص من تصوير الدوريات أو الإبلاغ عنها، ملوّحةً بعقوبات في حال المخالفة. هذا السلوك يعكس محاولة واضحة لفرض تعتيم إعلامي على ما يجري، ومنع نقل الحقيقة إلى الخارج، بما يتيح للاحتلال تنفيذ خروقاته دون رقابة أو مساءلة.
إنّ استهداف الإعلاميين يُشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ويكشف عن نية الاحتلال في تحويل الجنوب السوري إلى منطقة مغلقة إعلامياً، تُدار وفق قواعد يفرضها وحده.
ختاماً تكشف التطورات المتسارعة في الجنوب السوري عن مرحلة جديدة من التصعيد الصهيوني، تتجاوز الخروقات التقليدية إلى محاولة منهجية لإعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي والاجتماعي للمنطقة. ومن خلال التوغلات البرية، وتعطيل مصادر المياه، واستهداف المزارعين، وتجريف الأراضي، وملاحقة الإعلاميين، يسعى الاحتلال إلى فرض واقع جديد يصعب تغييره مستقبلاً. وفي ظل غياب التغطية الإعلامية الكافية، تبقى مسؤولية توثيق هذه الانتهاكات ونقلها إلى الرأي العام ضرورة ملحة، لمنع تحويل الجنوب السوري إلى ساحة مفتوحة أمام خروقات لا تجد من يفضحها أو يواجهها.