كيف غيّر صمود إيران حسابات اليمين الأمريكي؟

الوفاق/ «على الرغم من أن كثيرًا من الجمهوريين ما زالوا يتمسكون بمواقفهم المتشددة تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن توجهًا جديدًا بدأ يتشكل داخل جزء من اليمين الأمريكي، ينظر إلى إيران بوصفها دولةً براغماتية لا مفرّ لواشنطن من التعامل والتعايش معها».

وأفادت صحيفة “نيويورك تايمز”، في تقرير لها، بأنه في الوقت الذي ظلّت فيه العداء لإيران طوال العقود الماضية أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية للحزب الجمهوري الأمريكي، بدأت تبرز مؤشرات على تغيّر في نظرة جزء من تيار اليمين الأمريكي إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو تحول تسارع مع مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من الشخصيات الجمهورية البارزة. وأضافت الصحيفة: أن الحرب الأخيرة وتداعياتها دفعت جزءًا من الجمهوريين في الولايات المتحدة إلى تبني تقييم أكثر واقعية واختلافًا عن السابق تجاه إيران.

 

 

ووفقًا للتقرير، فإن إدارة ترامب، بالتزامن مع سعيها إلى الدفع نحو اتفاق سلام أولي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قدّمت صورة مختلفة عن إيران، حيث وصف ترامب الأسبوع الماضي القادة الإيرانيين بأنهم «أشخاص أقوياء وأذكياء»، وهي تصريحات تتناقض بوضوح مع الخطاب التقليدي الذي اعتاد الجمهوريون استخدامه تجاه إيران.

 

 

وكتبت “نيويورك تايمز”: أن هذا التحول لا يقتصر على ترامب وحده، إذ أصبح جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، أحد أبرز الداعمين لهذا النهج، كما أن عددًا من المحافظين الأمريكيين يؤيدون هذه المقاربة الجديدة، مع التشديد على ضرورة تجنب التدخل العسكري. وأضافت: أنه، رغم استمرار عدد كبير من الجمهوريين في تبني مواقف متشددة تجاه إيران، فإن تيارًا جديدًا بدأ يتبلور داخل اليمين الأمريكي، يرى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة براغماتية، وأن الولايات المتحدة مضطرة إلى التعامل والتعايش معها.

 

 

واعتبر التقرير أن أحد أسباب هذا التحول يعود إلى التغيرات في الأجيال داخل الحزب الجمهوري، إذ إن الجيل الأصغر من الجمهوريين، الذي يحمل في ذاكرته السياسية تجربة الحروب الأمريكية الطويلة في العراق وأفغانستان، أصبح أكثر تشككًا في جدوى التدخلات الخارجية، كما أنه أقل ميلًا إلى تأييد الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني مقارنة بالأجيال السابقة.

 

 

وفي هذا السياق، قال كورت ميلز، مدير مجلة “أمريكان كونسرفاتيف” المحافظة: «لقد دافعت إيران عن نفسها، وهذا ما جعل الولايات المتحدة أقل رغبة في محاولة إضعاف هذا البلد». كما أكد أن معارضة الحرب ضد إيران لم تعد داخل اليمين الأمريكي قضية هامشية أو من المحرمات السياسية.

 

 

ويشير التقرير مجددًا إلى أن الجيل الجمهوري الأصغر سنًا، الذي تأثر بتجارب الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان، بات أكثر رفضًا للتدخلات الخارجية، وأقل قبولًا بالدعم غير المشروط للكيان الصهيوني.

 

 

من جانبه، وصف ستيف بانون، المستشار السابق لترامب، الرئيس الأمريكي بأنه شخصية براغماتية تجيد عقد الصفقات، وقال: إن «ترامب أدرك أن هزيمة إيران ليست بالأمر السهل». وأضاف، في إشارة إلى التاريخ الإيراني، أن «الإيرانيين يقاومون الضغوط الخارجية ولا يستسلمون بسهولة».

 

 

في المقابل، لا تزال بعض الشخصيات الجمهورية تحافظ على مواقفها المتشددة تجاه إيران، ومن بينها تيد كروز، السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس، الذي يعد من أبرز منتقدي النهج الجديد لإدارة ترامب، ويرى أن تقديم أي تنازلات لإيران سيكون خطأً.

 

 

ومع ذلك، فإن مؤشرات على تغيّر في لهجة الخطاب بدأت تظهر حتى داخل مجلس الشيوخ، إذ أكد روجر مارشال، السيناتور الجمهوري عن ولاية كانساس، الذي كان قد وصف سابقًا التفاوض مع إيران بأنه شبه مستحيل، أن الولايات المتحدة ينبغي لها تجنب الانخراط في حروب لا نهاية لها، وأن تسلك طريق الدبلوماسية.

 

 

كما أظهرت نتائج استطلاع مشترك أجرته “نيويورك تايمز” و”معهد سيينا” وجود انقسام جيلي داخل الحزب الجمهوري، إذ بيّنت النتائج أن أكثر من نصف الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 45 عامًا يعارضون الحرب ضد إيران، بينما يرى معظمهم أن الولايات المتحدة ينبغي أن تولي اهتمامًا أقل بالأزمات الخارجية.

 

 

وأشار التقرير أيضًا إلى النفوذ المتزايد لشخصيات مثل تاكر كارلسون داخل أوساط الجمهوريين الشباب. ويُعدّ كارلسون من أبرز المعارضين للحرب مع إيران، وقد أكد مؤخرًا، خلال حوار أجراه مع المحلل الأمريكي من أصل إيراني “تريتا بارسي”، أن إيران استطاعت، بعد الحرب الأخيرة، تعزيز مكانتها على المستويين الإقليمي والدولي.

 

 

من جهته، قال بارسي خلال الحوار: إن «جزءًا من تيار اليمين الأمريكي أصبح أكثر انتقادًا لاحتمال اندلاع حرب تشنها واشنطن، أكثر من انشغاله بإيران نفسها». وأضاف: أن «هذا التحول يعكس تغيرًا تدريجيًا في الصورة التقليدية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى بعض شرائح المجتمع والنخب السياسية في الولايات المتحدة».

 

 

وفي ختام التقرير، خلصت “نيويورك تايمز” إلى أنه، رغم أن الوقت لا يزال مبكرًا للحكم على مدى استدامة هذا التحول، فإن الحرب الأخيرة وتداعياتها دفعت جزءًا من الجمهوريين الأمريكيين إلى تبني تقييم أكثر واقعية واختلافًا عن السابق تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

 

 

المصدر: الوفاق