وقد سبق لنتنياهو، مراراً، أن وضع العراقيل أمام المسارات الدبلوماسية المؤدية إلى السلام؛ لكن يبدو أن كلفة هذا السلوك هذه المرة ستكون أثقل من الماضي على الكيان الصهيوني وعلى شخصه. فالولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت الداعم الكامل للكيان الصهيوني في جميع اعتداءاته السابقة، إلا أنها هذه المرة مضطرة إلى إدارة تضارب المصالح الذي صنعه نتنياهو.
وإذا افترضنا، بمعزل عن هذا الدعم الأمريكي التاريخي والجوهري للكيان الصهيوني، أننا نظرنا إلى تصريحات المسؤولين الأمريكيين في الأيام الأخيرة، فسيتضح أن السلام الذي تريده واشنطن حالياً، لأسباب معينة، لا يقبله الكيان الصهيوني بذريعة تلو الأخرى.
وقد أظهر نتنياهو وجيش الكيان الصهيوني هذا الرفض منذ اللحظات الأولى لتوقيع رئيسي الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة مذكرة تفاهم إسلام آباد، وذلك عبر هجمات متكررة وعنيفة على مناطق جنوب لبنان؛ لكن كيف ينبغي لإيران أن تتصرف وسط هذه المغامرة التي يخوضها الكيان الصهيوني؟
هذا أحد الأسئلة التي وجهتها وكالة الجمهورية الاسلامية للأنباء «إرنا» لـ«محمد إيراني» المدير العام الأسبق لشؤون الشرق الأوسط في الخارجية الإيرانية والسفير الإيراني السابق لدى الأردن والقائم بالأعمال الإيراني السابق في لبنان والخبير في الشؤون الإقليمية.
س: رغم توقيع تفاهم إنهاء الحرب على جميع الجبهات، لا يزال الكيان الصهيوني يواصل هجماته على جنوب لبنان. كيف يمكن تقييم السلوك الجنوني لنتنياهو؟ ولماذا اشتدّت هذه الهجمات؟
ج: منذ البداية كنت أعتقد أن الصهاينة، ولا سيما بالنظر إلى أوضاعهم الداخلية والمسار الذي كانوا يتبعونه في لبنان، وعلى الرغم من أنهم اضطروا تحت ضغط ترامب إلى قبول وقف إطلاق نار مؤقت، سيقدمون فور توقيع مذكرة التفاهم على تنفيذ خطوات في لبنان. كما كان من المتوقع أن يكرروا خطواتهم السابقة، بل وأن يوسعوا نطاقها. وكان الهدف الأهم للكيان الصهيوني من هذه التحركات هو إفشال مذكرة التفاهم هذه.
الكيان الصهيوني يسعى عمداً إلى تصعيد التوتر في لبنان لكي يعطل مسار المفاوضات الإيرانية. وكان هذا الأمر واضحاً تماماً من قبل أيضاً، إذ كان المسؤولون الصهاينة يعلنون رسمياً أن مطالبهم لم تؤخذ في الاعتبار في الاتفاق الذي يريده الأمريكيون. ومن هنا، كانوا قد هيّأوا ذريعة مسبقة ليعلنوا أن مطالبهم لم تتحقق في مذكرة التفاهم هذه، ولذلك فإن احتمال العودة إلى المواجهة قائم. وقد سمعنا هذا الأمر مراراً، سواء من نتنياهو أو من التيارات المتطرفة داخل الكيان الصهيوني. لذلك، كان هذا المسار قابلاً للتوقع تماماً.
س: لا شك في أن هدف الكيان الصهيوني هو تدمير الاتفاق؛ لكن هل لدى نتنياهو خطة لما بعد هذا التدمير أيضاً؟ بعبارة أخرى، هل مجرد العودة إلى الحرب مع إيران سيكون خياراً مناسباً للكيان الصهيوني؟
ج: جزء كبير من الجواب يرتبط بنوع تعاملنا ومستوى يقظتنا. كما أنه من الضروري أن تكون لدينا قراءة دقيقة لمستقبل تطورات المنطقة، وأن نقرأ المشهد، وأن نفهم بشكل صحيح أهداف تحركات الكيان الصهيوني في لبنان، لكي نتمكن من الردّ بصورة مناسبة على هذه التحركات. وطريقة ردّنا ترتبط بالقرار الذي نتخذه بشأن كيفية التعامل مع هذا الموضوع.
النقطة التي يجب الالتفات إليها هي أنني أحمّل شخص ترامب المسؤولية المباشرة عن هذه التحركات الصهيونية. فبحسب المعلومات المتوافرة، نوقش هذا الموضوع في البند الأول نفسه من مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا، ولم يكن أحد يجهل احتمال قيام الكيان الصهيوني بتحرك ما بعد توقيع مذكرة التفاهم.
في البند الأول من هذه المذكرة ورد بصراحة أن إيران والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءهما، أي أمريكا والكيان الصهيوني من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، يعلنون، بتوقيع هذه المذكرة، إنهاء المواجهات والعمليات العسكرية في جميع الجبهات، ومن ضمنها لبنان، وبصورة فورية.
ورغم توقيع مذكرة التفاهم هذه، فإن هذا الالتزام لم يُنفّذ من جانب حليف أمريكا المشار إليه في هذا البند. ولو أن خطوة كهذه صدرت عن حزب الله، لكان على إيران أن تجيب عنها. أمّا الآن، فقد صدرت هذه الخطوة عن حليف أمريكا، وبالتالي يجب على الطرف الأمريكي أن يكون مسؤولاً ومجيباً. إضافة إلى ذلك، ينصّ متن مذكرة التفاهم على أن الطرفين يضمنان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادة لبنان. ومن هنا، فإن المسؤولية المباشرة عن هذا الوضع تقع على عاتق ترامب. وبناءً على ذلك، أعتقد أن ضغط الطرف الإيراني المفاوض على الطرف الأمريكي يجب أن يستمر، حتى لا تتجه الظروف نحو مزيد من التأزم وإلحاق الضرر بمجمل مذكرة التفاهم هذه.
س: بالتزامن مع تصاعد الهجمات الصهيونية في لبنان، وجّه المسؤولون الأمريكيون انتقادات إلى مسؤولي الكيان الصهيوني؛ لكن يبدو أن هذه الانتقادات غير كافية لكبح نتنياهو. السؤال هو: هل لا تملك أمريكا القدرة على كبح الكيان الصهيوني، أم أنها لا تملك الإرادة لذلك؟
ج: يبدو في الظروف الراهنة أن ترامب لا يرغب في انهيار مذكرة التفاهم هذه. فقد بُذلت جهود جدية وواسعة للتوصل إلى هذا الاتفاق، وكان الجميع شهوداً على أن بعض التطورات والعوائق القائمة لم تكن قابلة للتوقع كثيراً. ومع ذلك، ولأي سبب كان، وُقّعت هذه المذكرة، وقد حانت الآن مرحلة تنفيذها وبدء المفاوضات النهائية بين الطرفين.
إن الأجواء التي دفعت ترامب إلى قبول مذكرة التفاهم هذه ما زالت قائمة. فالقيود والضرورات والاعتبارات والأفكار نفسها التي دفعته نحو توقيع الاتفاق لا تزال موجودة. لذلك، فإن تصوري هو أن ترامب شخصياً لا يريد لهذا التفاهم أن ينهار.
وفي الوقت نفسه، يبدو أنه يضع في اعتباره مجموعة من الاعتبارات والمصالح أيضاً. وقبل كل شيء، يتخذ ترامب قراراته انطلاقاً من مصالحه هو، ويحاول أن يقيّم أي خيار سيحقق له أكبر منفعة وأقل كلفة. ولهذا السبب، يتعامل مع نتنياهو بحذر، ويفضل، بدلاً من المواجهة المباشرة، اتباع نهج أكثر ليونة ومحافظة. بعبارة أخرى، لا يزال يتحرك ضمن إطار مصالحه السياسية، ويحاول من خلال أساليب سلمية أو عبر ضغوط غير مباشرة أن يدفع نتنياهو إلى تغيير سلوكه.
باعتقادي، يمتلك ترامب القدرة اللازمة على كبح الكيان الصهيوني، وإذا كانت لديه إرادة جدية للدخول في هذا الملف، فبإمكانه أن يمنع استمرار التحركات التي تؤدي إلى تصعيد الأزمة والتدمير والقتل، وأن يجبر الكيان الصهيوني على تغيير مساره. ومع ذلك، ما زلت أتصور أن ترامب يفضل في الوقت الراهن المضي بصبر وحذر، والانتظار حتى يتضح مسار التطورات بصورة أكبر.
يبدو أن ترامب يقيّم الظروف ليتضح ما إذا كانت هناك إمكانية لاستمرار مذكرة التفاهم هذه، وفي الوقت نفسه لكي يتمكن من إدارة الوضع. وهنا، أؤكد مرة أخرى أن جزءاً مهماً من مسار التطورات يرتبط بأداء إيران وبكيفية تمكن طهران من التفاوض والتعامل مع الطرف الأمريكي في مواجهة هذه المسألة.
وكما أشرت سابقاً، فإن الحل الثاني هو إيجاد آلية تحول دون تحقق الأهداف التي يسعى إليها الكيان الصهيوني. فالهدف الأساسي للكيان الصهيوني هو أن تدخل إيران الحرب مرة أخرى. وفي مثل هذه الظروف، ستزول كل المكاسب والمسار الذي تشكل حتى الآن، وستصبح عملياً جميع الجهود التي بُذلت بلا نتيجة. وفي اعتقادي، هذه نقطة حساسة جداً ويجب التعامل معها بدقة. ومن الضروري تجنّب اللعب في الملعب الذي صممه نتنياهو.
س: التفاهم الموقّع بين إيران وأمريكا، والمفاوضات الممتدة على مدى 60 يوماً، يمكن في أي لحظة أن يصبحا ضحية لنزعة نتنياهو الحربية. من وجهة نظركم، ما السلوك المناسب والمتناسب مع هذا التعطيل؟
ج: كيفية تعامل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع التحركات التي يقوم بها الكيان الصهيوني لا تتجاوز عملياً خيارين. وبما أن لبنان أُخذ في الاعتبار ضمن إطار التعهدات ومفاد المفاوضات، وأن استمرار وقف إطلاق النار والوقف الكامل للعمليات العسكرية قد جرى التأكيد عليهما في متن الاتفاق، فمن المتوقع أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أسرع وقت ممكن. ويبدو أن أحد الخيارات هو دخول إيران في حرب مع الكيان الصهيوني؛ وهو خيار أعتقد أنه بالضبط الهدف الذي يسعى إليه الكيان الصهيوني ونتنياهو في الظروف الراهنة.
يدّعي الكيان الصهيوني أن حقوقه ومطالبه المرتبطة بالقضايا الخلافية مع إيران لم تُلبّ في مذكرة التفاهم هذه. وبناءً على ذلك، يتابع تحركاته لكي يحافظ على اليد العليا في لبنان من جهة، ولكي يهيئ ظروفاً تُستفز فيها إيران من جهة أخرى. ويبدو أن هذه هي الخطة نفسها التي يتبعها نتنياهو.
في مثل هذه الظروف، هناك خياران أمامنا؛ إمّا أن ندخل الحرب ونردّ على تحركات الكيان الصهيوني، كما حدث في مراحل سابقة بعد هجمات الكيان الصهيوني على الضاحية الجنوبية لبيروت، أو أن نبحث عن آلية أخرى. وفي اعتقادي، يجب أن تتركز هذه الآلية على زيادة الضغط على الطرف الأمريكي.
من الطبيعي أن المسؤولين المعنيين باتخاذ القرار في البلاد يدرسون هذا الموضوع ويقررون كيفية مواجهة الظروف القائمة. إن إمكانية الدخول في حرب مع الكيان الصهيوني موجودة؛ لكن في حال تحقق هذا السيناريو، فمن المرجح جداً أن نشهد الفصل الثاني من هذه الأزمة؛ أي انهيار مذكرة التفاهم وضياع كل المكاسب التفاوضية التي تشكلت خلال هذه الفترة. وفي مثل هذا الوضع، لن يصل مسار المفاوضات إلى نتيجة أيضاً، لأن الأمريكيين يرون أنفسهم ملتزمين بدعم الكيان الصهيوني، وقد أشار ترامب مباشرة إلى هذه المسألة.
س: طوال سنوات الاعتداء والاحتلال، لم يتلقّ الكيان الصهيوني ردّاً عقابياً مناسباً من العالم والمنظمات الدولية. وبحسب توصيف إيران، فإن جرائم هذا الكيان بقيت بلا عقاب؛ لكن في هذه المرحلة، وبالنظر إلى أن عدوان هذا الكيان لا يؤثر في غزة وحدها، بل في العالم كله، ما الردّ الذي ينبغي انتظاره من الدول الأخرى، ولا سيما الصين وروسيا وأوروبا؟
ج: إن طريقة دفع هذا الموضوع مع الطرف الأمريكي ليست سوى أحد المسارات الموجودة. وهناك مسارات أخرى أيضاً قد لا تكون وحدها ذات تأثير حاسم؛ لكنها يمكن أن تؤدي دوراً مكملاً إلى جانب الضغط على أمريكا. ومن ذلك إمكانية التعاون مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، وتفعيلهم من أجل إدخال الملف إلى المرجعيات الدولية.
في الوقت الراهن، اكتسبت مذكرة التفاهم هذه أبعاداً دولية، وحظيت بترحيب ودعم واسع من المجتمع الدولي وكل دول العالم. ومن هنا، إذا كانت تحركات الكيان الصهيوني تؤدي إلى إضعاف هذه المذكرة أو تخريبها، فإن دولاً مثل الصين وروسيا والسعودية ومصر، وسائر الفاعلين المؤثرين، يمكن أن تؤدي دوراً أكثر فاعلية، وأن تمارس عبر المؤسسات الدولية ضغطاً أكبر على الكيان الصهيوني. ومن بين هذه المؤسسات يمكن الإشارة إلى منظمة الأمم المتحدة، ومحكمة العدل في لاهاي، وسائر الآليات القانونية والسياسية. ويجب أن تمضي هذه الخطوات بصورة متزامنة، لا باعتبارها عنصراً مستقلاً مؤثراً. وبالطبع، لن تكون هذه الإجراءات حاسمة وحدها؛ لكنها إلى جانب الضغوط السياسية والدبلوماسية على أمريكا يمكن أن توفر أرضية للتوصل إلى حل يحافظ على الاتفاق ويمنع تصعيد الأزمة.