خبير عسكري لبناني لـ ارنا: الامام الشهيد وفلسطين مرجعية لا تتراجع واستراتيجية لا تنكسر

قال المحلل السياسي والخبير العسكري اللبناني العميد "منير شحادة":

 ان ما يميز قائد الثورة الاسلامية الشهيد الامام السيد علي الخامنئي (رض)، هو قدرته النادرة على الجمع بين الرؤية الستراتيجية بعيدة المدى وإدارة الأزمات بصبر وحكمة؛ لافتا بان “فلسطين تحولت في فكر الامام الشهيد الى قضية محورية عقائدية اقليمية”.

وفي حوار خاص مع المحلل السياسي والعسكري اللبناني، منسق الحكومة اللبنانية سابقا لدى قوات الامم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) العميد منير شحادة، والذي تابع تحولات المنطقة لعقود من موقعه الدبلوماسي والميداني، استعرضت وكالة الجمهورية الاسلامية للانباء (ارنا) رؤيته حول شخصية الامام الشهيد آية الله السيد “علي الخامنئي” (رض) ودوره المحوري في تشكيل معادلات غرب آسيا، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين والصراعات الإقليمية.

القائد الذي جمع بين المرجعية الدينية والستراتيجية السياسية

وعند سؤال العميد “شحادة” عن تقييمه لمسيرة القيادة الإيرانية، أجاب قائلا: لا يمكن النظر إلى السيد علي الخامنئي (رض) بوصفه مجرد مسؤول سياسي عابر، بل هو شخصية استثنائية جمعت بين المرجعية الدينية العميقة والقيادة السياسية في فترة مفصلية من تاريخ المنطقة. خلال عقود من التحديات، بدءاً بالعقوبات اقتصادية خانقة إلى ضغوط سياسية وأمنية غير مسبوقة، وأزمات إقليمية متلاحقة، لكن استطاعت الدولة أن تحافظ على تماسك مؤسساتها بل وتطور قدراتها في مختلف المجالات.

واكمل: ما يميّز هذه الشخصية حقا هو قدرته النادرة على الجمع بين الرؤية الستراتيجية بعيدة المدى وإدارة الأزمات بصبر وحكمة، بعيداً عن ردود الفعل الانفعالية؛ إنه قائد يعرف متى يصمد ومتى يتحرك، وهذا ما أكسبه مكانة خاصة لدى أنصاره الذين يرون فيه رمزا للثبات ورفض التنازل عن المبادئ الأساسية، حتى في أصعب الظروف.

واشار المحلل اللبناني إلى أن “من أبرز سمات هذه القيادة “قدرتها الفائقة على تحويل التحديات إلى فرص، سواء في المجال العسكري أو العلمي أو الاقتصادي، مع إصرار واضح على ترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات؛ إنه ليس مجرد سياسي يدير دولة، بل صاحب مشروع فكري ستراتيجي ترك بصمة عميقة في مسار الجمهورية الإسلامية وفي مجمل التوازنات الإقليمية”.

فلسطين في القلب.. من التضامن السياسي إلى الالتزام المبدئي

وحول دور القائد الشهيد (رض) في ترسيخ خطاب دعم فلسطين، اوضح هذا الخبير العسكري: لقد شكل السيد علي الخامنئي أحد أبرز العقول السياسية التي عملت على تثبيت قضية فلسطين في صلب الخطاب السياسي الإيراني، ولكن بمنظور مختلف تماما؛ مبينا ان سماحته لم يتعامل مع هذه القضية باعتبارها قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل جعلها معيارا أخلاقيا وسياسيا لقياس مواقف الدول والشعوب من قضايا العدالة والاستقلال والكرامة.

ولفت الى ان “هذا الخطاب تطور خلال فترة قيادته من مجرد بيانات سياسية إلى رؤية متكاملة تصل بين دعم فلسطين ومساندة كل الشعوب التي تواجه الاحتلال أو التدخلات الخارجية”؛ مؤكدا بان فلسطين في هذا الفكر أصبحت رمزا لمواجهة الهيمنة العالمية والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب في تقرير مصيرها.

واردف العميد شحادة، أن “اسم الامام الشهيد ارتبط  بترسيخ خطاب يعتبر ان الدفاع عن فلسطين ليس موقفا سياسيا ظرفيا، بل التزاما مبدئيا يتجاوز الاعتبارات الآنية وهو ما جعل هذه القضية تحافظ على حضورها المركزي في السياسة الإيرانية رغم كل التحولات الدولية والإقليمية. ولا يمكن هنا إغفال البعد الرمزي للأقصى وما يمثله من رمز وقِبلة للمسلمين في كل مكان”.

استراتيجية لا مجرد مواقف.. تحول نوعي في مقاربة القضية

وعن الانتقال من الموقف السياسي إلى المقاربة الستراتيجية، رأى المحلل السياسي والعسكري اللبناني أن “هذا التحول هو أحد أبرز السمات التي طبعت مرحلة القيادة الحالية؛ فقد انتقل التعامل مع القضية الفلسطينية إلى مستوى التخطيط الستراتيجي طويل الأمد، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الصراعات الكبرى لا تُحسم بالشعارات أو البيانات، وإنما بتراكم عناصر القوة الملموسة وبناء القدرات وإيجاد توازن ردع قادر على تغيير معادلات الميدان”.

واستطرد “في هذا الإطار، أصبحت فلسطين جزءا من مفهوم الأمن الإقليمي بأسره، وليست مجرد ملف دبلوماسي. هذه الرؤية أسهمت فعلياً في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، ومنحت القضية الفلسطينية حضورا عمليا يتجاوز حدود المؤتمرات والبيانات إلى أفعال ملموسة على الأرض”.

أبعاد ثلاثية تجعل القضية محورية

وتوقف شحادة عند الأسباب الكامنة وراء هذا الموقع المحوري لفلسطين في الفكر السياسي الإيراني، موضحا أنها “تنبثق من ثلاثة أبعاد متداخلة تشكل نسيجا واحدا: اولا، البعد العقائدي الذي يجعل الدفاع عن المظلوم واجب ديني وأخلاقي، وفلسطين تمثل اليوم أبرز صورة لهذا الواجب في وجدان الأمة”.

ومضى في القول موضحا، ان “البعد الثاني فهو البعد السياسي، حيث تعتبر الجمهورية الاسلامية الايرانية القضية الفلسطينية معيارا للاستقلال في مواجهة النفوذ الخارجي، وبها يُقاس مدى التزام الدول بسيادتها وقرارها الوطني”؛ مضيفا ان “البعد الستراتيجي،هو البعد الثالث في هذا السياق والذي ينطلق من أن مستقبل الأمن الإقليمي مرتبط الى حد كبير بمآلات الصراع الفلسطيني-الصهيوني، وأن أي اختلال في هذه المعادلة سينعكس على المنطقة بأسرها، دون استثناء”.

وختم المحلل اللبناني قائلا: كل هذه الأبعاد تجلت بوضوح في مواقف السيد علي الخامنئي (رض) التي ظلت ثابتة على امتداد عقود طويلة، رغم تغير الإدارات الأمريكية وتقلب الظروف الإقليمية؛ هذا الثبات منح السياسة الإيرانية قدرا كبيرا من الاستمرارية والوضوح، وجعل القضية الفلسطينية في صميم اهتماماتها الستراتيجية، ليس كخيار تكتيكي، بل كالتزام مبدئي راسخ في وجدان المشروع السياسي والفكري للجمهورية الإسلامية”.

المصدر: ارنا