موناسادات خواسته
استشهاد قائد الأمّة سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، ذلك الحدث الذي أيقظ في النفوس مشاعر الفقد والأسى، كان في الوقت نفسه شرارةً ألهبت وجدان الفنّانين، فتحوّلت الأقلام إلى سيوف، والريشات إلى شموع، واللوحات إلى مراثٍ خالدة.
فالقائد الذي كان أباً للفنّ والفنّانين، والذي آمن بأنّ الفنّ رسالة تبيين ووسيلة حضارية، قد ترك إرثاً سيظلّ يلهم المبدعين طويلاً. وفي هذا الحوار، يحدّثنا الفنّان الإيراني الأستاذ حسين عصمتي عن إستلهامه لروح قائد الأمّة الشهيد في أعماله، وعن لوحته التي جسّدت ملامحه المضيئة في قلب الميدان، وعن دعم سماحته الذي ظلّ حاضراً حتى بعد رحيله، وكأنه لم يغب أبداً. وفيما يلي نص الحوار:
أصداء استشهاد قائد الأمّة

بداية، طلبنا من الأستاذ عصمتي ليتحدّث لنا عن أصداء استشهاد قائد الأمّة، والتأثير الذي تركه في نفوس الفنّانين، فقال: أعتقد أن استشهاد قائد الأمّة وحرب رمضان، يمثلان جزءاً من التدبير الإلهي لإبتلاء الأعداء ونصرة عباده الصالحين، استناداً إلى قوله تعالى: “وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ“ (آل عمران/54)، وإنّ مظاهر هذا التدبير الإلهي ونصره ستتجلّى تدريجياً، شريطة صمود الشعب وثباته.
لقد أسهم استشهاد قائد الأمّة، في الأيام الأولى للحرب المفروضة الثالثة، في إيجاد حالة من التلاحم والوحدة بين مختلف فئات الشعب، وامتزجت مشاعر الحزن على فقدانه بروح ملحمية عالية. وكان قائد الأمّة قد تنبّأ بهذا التلاحم في وقت سابق، وأطلق عليه اسم «الاتحاد المقدّس».
وأرى أن أحد أهم دوافع هذا الاتحاد هو وصف الإمام الشهيد للشعب بأنه «مبعوث»، إضافة إلى البركات التي أثمرها دمه الطاهر، ومنها التجمعات الليلية التي مازالت تُقام منذ أكثر من ثلاثة أشهر بالحماس نفسه الذي انطلقت به في بدايتها.
ومن صور العون الإلهي لعباده أيضاً تلك الروح الملحمية التي نشأت بين أبناء الشعب طلباً لثأر قائد الأمّة. كما أن من بركات دمه الطاهر تأكيد مشروعية إيران الإسلامية أمام الرأي العام العالمي، وكشف حقيقة أعدائها وإثبات عدوانيتهم.
ويمكن القول إن هذه الشهادة أزالت الحجاب الذي كان يحول دون انكشاف الوجه القبيح لشياطين الإنس والجن، وستفضح -بإذن الله- فراعنة هذا العصر.
وتابع الفنان الإيراني: أمّا عن الفنّانين، فلابدّ من النظر إليهم من زوايا متعددة. فالفنّانون الذين ارتبطوا بالثورة الإسلامية وبإيران عاشوا، عقب استشهاد قائد الأمّة الشهيد، فترة من الذهول وعدم التصديق أمام هول هذا الحدث.
وبعد تجاوز مرحلة الصدمة، بدأوا في تحليل هذه الواقعة وتأمّل أبعادها، كما سعى الفنّانون وسائر الناشطين الاجتماعيين إلى إستقراء الحكمة الإلهية الكامنة فيها.
وقد قاد هذا التأمل إلى حالة من الطمأنينة الداخلية، دفعت الفنّانين إلى التوجه نحو الإبداع الفني المرتبط بحرب رمضان واستشهاد قائد الأمّة. فكلّ فنان، وفق اختصاصه، شرع في إنتاج أعمال فنية تعبّر عن هذه المرحلة.
ولا شك أن أجواء الحزن العميق، إلى جانب الروح البطولية التي رافقت حرب رمضان، أو ما يُعرف بـ«الدفاع المقدس الثالث»، وكذلك استشهاد قائد الأمّة، تركت أثراً بالغاً في وجدان الفنانين، فانعكس ذلك في أعمال ملحمية وعرفانية وأخرى تجسد الحداد والرثاء، كلٌّ بحسب رؤيته الفنية وتجربته الإبداعية.
أبرز وأهم سمة تميز بها قائد الأمّة
وعن أبرز وأهم سمة تميز بها قائد الأمّة الشهيد، قال عصمتي: لقد كان قائد الأمّة يتمتع بخصال كثيرة ومهمة، غير أنني أرى أن أبرزها كانت مظلوميته. فقد كان يطرح، مراراً وتكراراً، في مختلف المجالس والخطب، قضايا ورؤى بالغة الأهمية. إلا أنني، وربما كثيرون ممن كانوا يتابعون خطاباته، كنّا نتعامل معها في حدود كونها كلمات تُلقى في مناسبة معينة، دون أن ندرك أبعادها الحقيقية.
كما أن حملات التشويه التي استهدفت سماحته، وما تعرض له من مظلومية، حالت دون التعرّف إلى مختلف جوانب شخصيته العظيمة، ولم تحظَ رؤاه الإستشرافية للمستقبل بالمتابعة والاهتمام اللذين تستحقهما.
ولتقريب الصورة، أستطيع القول: إنّ من أهم تنبؤاته، التي لم تلقَ آذاناً صاغية قبل استشهاده؛ لكنها أصبحت مسموعة وملموسة بعد استشهاده، تنبؤه بـ«بعثة الشعب الإيراني البطل» ليتولى بنفسه رسم مصيره، وهو ما نشهده اليوم في هذه الليالي.
مخاطبة أبناء الشعب بروح الأب الحنون
وتابع عصمتي: في إحدى ليالي حرب رمضان، كنت حاضراً بين الناس، وشاهدت كيف كانوا يصغون إلى كلمات قائد الأمّة الشهيد بكل أسى وتأثر، فدوّنت في تلك الليلة هذه الملاحظات التي أودّ أن أشارككم بها: «في هذه الليلة، وأثناء التجمعات الليلية، وجدت نفسي للمرة الأولى في موقع أواجه فيه الحشود مباشرة، وأتأمّل مشاعرهم عن قرب.
كان التجمع في بدايته، وكانت شاشة كبيرة أمام الناس تعرض مقاطع مختارة من كلمات قائد الأمّة الشهيد، تضمنت لقاءاته العامة التي كان يخاطب فيها أبناء الشعب بروح الأب الحنون. وقد ركزت هذه المقاطع على تأكيده المستمر لمكانة الشعب وأهميته في تحقيق تقدم البلاد واستقرارها.
وكان اللافت أن الناس، وأنا معهم، كنّا نصغي إلى تلك الكلمات وكأنها تُلقى مباشرة في تلك اللحظة، وكأننا لم نسمعها من قبل قط. لقد استغرقنا جميعاً في الإنصات، حتى خيّم الصمت الكامل على المكان، فلم يكن هناك حديث جانبي ولا همس ولا ضجيج.
ورغم أنني، وكذلك كثير من الحاضرين، كنّا نتابع باستمرار خطابات قائد الأمّة الشهيد، فإننا شعرنا وكأننا نكتشف للمرة الأولى تلك الكلمات الحكيمة. وكأن آذاننا استعادت قدرتها الحقيقية على السماع، واستعدنا القدرة على الإصغاء إلى كلمات ذلك الأب الحنون الذي طالما خاطب أبناء شعبه بمحبة وصدق.
وعندما انتهى عرض المقطع، ووصل إلى اللحظة التي قال فيها قائد الأمّة الشهيد: “لقد انتهى الوقت… في أمان الله”، انهمرت دموع الناس دون أن يتمالكوا أنفسهم.
وكانت الدموع المتلألئة في العيون تعكس عمق الألم لفقدان أبٍ وقائد مخلص كان يحمل هموم شعبه. وفي تلك اللحظة، لم يفارقني خاطر واحد، وهو: كم كان هذا الرجل مظلوماً».
دعم الفنّانين والأدباء
وفيما يتعلق بموقف ودعم قائد الأمّة الشهيد للفنّانين، قال عصمتي: إلى جانب انشغاله بالسياسة وإدارة شؤون الدولة، كان الإمام الشهيد مولعاً بالمطالعة، محباً للكتاب، وشاعراً متمكناً؛ ومن الطبيعي أن تدفعه هذه الصفات إلى إيلاء الفن والفنانين اهتماماً بالغاً.
وقد أكد في مناسبات عديدة على التأثير العميق للفن في توثيق حقائق الثورة الإسلامية وتجسيد دقائقها. ولعل أبرز ما ركّز عليه في هذا المجال هو مفهوم «جهاد التبيين» في الساحة الفنية، إذ قال: «إنّ الفنّان، بروحه الفنّية، وبذلك السراج الذي أوقده الفنّ في أعماقه، يعبّر عن الدقائق واللطائف والحقائق؛ وهنا يتجلى الفنّ الحقيقي والأصيل، لأنه ثمرة إدراك ووعي، وانعكاس وتبيين» (من كتاب: «الفنّ والفنّان في كلمات قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية»).
من هذا المنطلق، كان قائد الأمّة الشهيد ينظر إلى الفن بوصفه وسيلة إعلامية وثقافية بالغة القوة، قادرة على توضيح الحقائق، وترسيخها في الذاكرة، والإسهام في الإرتقاء بالمستوى الثقافي والفكري للمجتمع.
الإهتمام بالشعراء والسينمائيين والتشكيليين
وأشار عصمتي إلى أن «في هذا السياق، إحتلّ الشعراء مكانة خاصة في اهتمامه، إذ كان يلتقي بهم سنوياً في أمسيات أدبية منتظمة، ويقدم لهم دعماً معنوياً كبيراً. ولا شك أن من ثمار هذه اللقاءات ظهور العديد من القصائد الرفيعة التي نُشر عدد منها لاحقاً.
كما عقد لقاءات متعددة مع العاملين في مجال السينما، وتحدّث خلالها عن أهمية هذا الفن ودوره وتأثيره في المجتمع، مؤكداً مكانته بوصفه أداة فاعلة في نقل الرسائل والقيم.
ولم يقتصر اهتمامه على الأدباء والسينمائيين، بل أولى الفنّانين التشكيليين أيضاً عناية خاصة، فعقد لقاءات معهم، وتابع أعمالهم باهتمام.
وكان من أبرز أشكال دعمه لهم كتابة التقاريظ على بعض المؤلفات والأعمال الفنية والتشكيلية، وهي كلمات إشادة وتقدير كان يخطها بنفسه، وقد أسهمت في تعزيز حضور تلك الأعمال وإقبال المجتمع عليها، وأحدثت صدىً واسعاً في الأوساط الثقافية.
كما كان قائد الأمّة الشهيد يؤكد مراراً على الدور المحوري للفن في بناء الحضارة الإسلامية الحديثة، ويرى أن الإبداع الفنّي يشكل أحد الركائز الأساسية في ترسيخ الهُويّة الحضارية للأمّة، ونقل قيمها ورسالتها إلى الأجيال القادمة».
رسم لوحة قائد الأمّة الشهيد
بعد ذلك، أدار الحديث عن مشاركته في فعالية «نقش في قلب الميدان» ورسم لوحته الفنّية التي كانت صورة من قائد الأمّة الشهيد، فقال عصمتي: يمكنني أن أنظر إلى هذا الموضوع من زاوية مفادها أن كل مَن يحضر في الميدان يؤدي دورين في الوقت نفسه: الدور الأول فهو دورٌ مشترك، نؤديه جميعاً معاً، ويتمثل في التعبير عن الوحدة والتلاحم اللذين أطلق عليهما قائد الأمّة الشهيد اسم «الاتحاد المقدّس».
ومن هنا، فإن مهمة جميع الحاضرين هي تجسيد هذا الاتحاد وإبرازه أمام الجميع، لأن هذه الوحدة تحرم العدو من استغلال أي خلافات داخلية، كما تشكل سنداً ودعماً لساحات المواجهة الأخرى.
أمّا الدور الثاني، فهو دور خاص بكل فرد، يختلف باختلاف اختصاصه ومسؤوليته. فهناك المعلّم، والطبيب، والعسكري، والسياسي، وغيرهم، ولكل منهم مهمة يؤديها في هذا الميدان وفق خبرته ومجال عمله.
أمّا الفنان، فإن ميدانه الحقيقي هو فنه. ومن خلال إبداعه ينبغي له أن يؤدي دوره بأفضل صورة ممكنة. وهذا هو الدور الذي شعرت بأنه واجب ومسؤولية تقع على عاتقي، ولذلك شرعت في تصميم وتنفيذ عمل فني بين أبناء شعبنا الباسل، في قلب الشارع.
ورأيت أن رسم صورة قائد الأمّة وملامحه المضيئة سيكون ذا أثر كبير في نفوس الناس الذين يواصلون، منذ نحو أربعة أشهر، حضورهم اليومي في الشوارع لإحياء ذكراه وإقامة مراسم العزاء على روحه، وقد لقي هذا العمل، بالفعل، اهتماماً واسعاً من قبل الجماهير.
وأعتقد أن قائد الإمام الشهيد كان يتمتع ببُعد روحي وعرفاني رفيع، ولذلك اعتمدت في تصميم اللوحة وتكوينها على مزج اللون الأوكر، الذي يرمز إلى التراب والأرض، مع اللون الأزرق وإشعاعات النور، التي ترمز إلى الفيض الإلهي والعناية السماوية. كما جعلت نوراً ساطعاً ينسكب من السماء على جسده، ليجسد معنى الشهادة، ويبرز التجلي النوراني للشهيد ومقامه السامي.
شهر محرّم الحرام.. والوداع مع الإمام الشهيد
عندما سألنا الأستاذ عن الذي يميز شهر محرّم الحرام في هذا العام، بعد استشهاد قائد الأمّة، عن الأعوام الماضية، قال: إن استشهاد قائد الأمّة الشهيد يمثل لسماحته فوزاً عظيماً وسعادة أبدية؛ لكنه في المقابل يشكل حزناً عميقاً ولوعة كبيرة لمحبيه ومريديه.
ولا شك أن هذا العام سيقترن الحداد على سيد الشهداء الإمام الحسين(ع) بالحزن على قائد الأمّة الشهيد، الأمر الذي سيضاعف مشاعر الأسى التي يحملها شهر محرّم. غير أن هناك حقيقة مهمة، وهي أن التاريخ أثبت أن الشعوب، عندما تواجه المحن الكبرى، تستلهم دائماً ملحمة عاشوراء وأهدافها لتتغلب على الشدائد.
ولم يقتصر هذا الاستلهام على بُعده الديني فحسب، بل اكتسب أيضاً بعداً وطنياً، فكان دافعاً لأن يبذل أبناء الشعب أرواحهم دفاعاً عن أرض إيران.
بعبارة أخرى، فإن عاشوراء تمثل منهجاً وأسلوباً للحياة، وطريقة في مواجهة تحدياتها. وهذا النهج هو الذي يدفع الناس، وهم ينعون قائد الأمّة الشهيد، إلى الإقتداء بمصائب عاشوراء، وتحمّل ألم هذه الفاجعة الكبرى، ومواصلة الطريق الذي مهّد له القائد الشهيد.
ونسأل الله أن يتمكّن الشعب الإيراني العزيز، بفضل اتحاده المقدس، وتحت قيادة قائد الثورة الإسلامية آية الله مجتبى الخامنئي، من تجاوز هذه المرحلة التاريخية الحساسة بسلام، وأن تجني الأجيال القادمة ثمار ذلك.
