«قوموا لله».. التشييع الذي هزم الاغتيال

خاص الوفاق/لم تكن رحلة الجثمان الطاهر للإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض) من طهران إلى مشهد مجرد انتقال بين مدن، ولا كانت مراسم الوداع طقسًا جنائزيًا تقليديًا لقائدٍ اغتيل في لحظة حرب. ما جرى على مدى ستة أيام بين إيران والعراق كان أكبر من تشييع رجل، وأعمق من حزن شعب، وأبعد من بروتوكول دولة.

د. أكرم شمص

 

لم تكن رحلة الجثمان الطاهر للإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض) من طهران إلى مشهد مجرد انتقال بين مدن، ولا كانت مراسم الوداع طقسًا جنائزيًا تقليديًا لقائدٍ اغتيل في لحظة حرب. ما جرى على مدى ستة أيام بين إيران والعراق كان أكبر من تشييع رجل، وأعمق من حزن شعب، وأبعد من بروتوكول دولة. كان حدثًا سياسيًا ووجدانيًا وفلسفيًا، كُتبت فصوله بالدموع والرايات، وبالقرآن والحشود، وبالأسود والأحمر، وبالبيعة التي لا تُقال في الخطب، بل تمشي على أقدام الملايين. وإذا صحّت التقديرات غير النهائية التي تحدّثت عن مشاركة نحو 43 مليون شخص في ستة أيام، فإننا لا نكون أمام جنازة بالمعنى المعروف، بل أمام ظاهرة تاريخية نادرة؛ جنازة تحولت إلى قارة من البشر، وإلى استفتاء ممتد من طهران إلى مشهد المقدسة، ومن النجف الأشرف الأشرف إلى كربلاء المقدسة.

 

 «قوموا لله».. وصية المرحلة

 

كان المطلوب من الاغتيال أن يصنع فراغًا. أن تتحول إيران إلى دولة مرتبكة، وأن يبدو محور المقاومة كجسد فقد رأسه، وأن يخرج الناس إلى الشوارع محمولين على الفجيعة وحدها؛ لكن الذي خرج من طهران لم يكن مشهد انكسار، بل مشهد قيام. ولهذا كان شعار التشييع الأصدق في اختصار المعنى كله: «قوموا لله»، لم يكن الشعار زينة فوق النعش، بل وصية المرحلة؛ أن لا يتحول الحزن إلى خمول، ولا الفقد إلى هزيمة، ولا الشهادة إلى نهاية طريق.

 

 طهران.. معركة السردية

 

منذ طهران، بدأ واضحًا أن التشييع تحوّل إلى معركة على السردية. مَن يملك تفسير المشهد يملك جزءًا من مستقبل الحرب. هل كانت إيران تودّع قائدًا انتهى مشروعه، أم كانت تعلن أن اغتياله أعاد تعبئة مشروعه؟ هل كان الناس يبكون رجلًا غاب، أم يعلنون أن الفكرة التي مثّلها لم تغب؟ لذلك لم يكن حضور الملايين مجرد رقم، بل استفتاءً مفتوحًا في الشوارع والساحات. حتى الإعلام الغربي، رغم اختلاف زاوية نظره، اضطر إلى الاعتراف بأن التشييع صار اختبارًا سياسيًا لإيران بعد الحرب، وأن الجمهورية الإسلامية أرادت من خلاله القول إنها لم تسقط تحت الضربة، بل أعادت تنظيم معناها وروايتها أمام العالم.

 

 حين تكلّم القرآن قبل الجماهير

 

في طهران، قبل أن تتكلم الجماهير، تكلم القرآن. تقدّمت الوفود الرسمية لإلقاء النظرة الأخيرة، فجاءت الآيات كأنها رسائل دبلوماسية بلغة الوحي: آية بدر أمام الوفد السعودي، آيات الثبات للعراق ولبنان، آية تفضيل المجاهدين أمام تركيا، آيات الولاية أمام حزب الله، آية الوفاء بالعهد أمام حماس، آيات الصبر أمام الوفد اليمني، وسورة الفتح في حضرة الوساطات، وآية «خير البرّية» أمام الوفد المصري في إشارة انفتاح وتقدير. قد لا تقول طهران رسميًا إن هذه الآيات كانت رسائل؛ لكن التاريخ يعرف أن بعض الرسائل لا تُكتب بالحبر، بل تُتلى.

 

 الأسود والأحمر.. فلسفة الحداد والثبات

ثم خرج النعش من لغة القرآن إلى لغة الشوارع. كانت الحشود تقول لواشنطن وتل أبيب إن الاغتيال لم يقتل الفكرة. وفي هذه اللحظة تحديدًا أصبح السواد والأحمر لغتين متداخلتين. الأسود كان لون الحداد، لون الفقد، لون الأمّة التي تبكي قائدها. أمّا الأحمر، فكان لون الدم الذي لم يُغلق حسابه، لون الشهادة التي لا تتحول إلى ذاكرة باردة. لا يقف الأحمر عند حدود الغضب، بل يذكّر بأن الدم إذا كان في سبيل الحق يصبح مسؤولية. ولذلك لم يكن اجتماع الأسود والأحمر تناقضًا، بل معادلة كاملة: نحزن، لكننا لا نستسلم؛ نبكي، لكننا لا ننسى؛ ندفن الجسد، لكننا لا ندفن القضية.

 

 قم.. وداع الحوزة والانتظار

 

ثم جاءت مدينة قم المقدسة، مدينة الحوزة والانتظار. من مسجد جمكران إلى مرقد السيدة فاطمة المعصومة(س)، بدا المشهد كأنه عودة القائد الشهيد إلى فضائه العلمي والروحي الأول. الصلاة على الجثمان بإمامة آية الله العظمى جوادي آملي لم تكن تفصيلًا عابرًا. كانت مدينة قم المقدسة تقول إن هذا الرجل لم يكن قائد دولة فقط، بل ابن الحوزة، ابن الفقه، ابن مدرسة ترى السياسة مسؤولية شرعية لا مجرد إدارة سلطة. وفي المدينة التي يختلط فيها العلم بالانتظار، بدا شعار «قوموا لله» كأنه يخرج من معنى جمكران نفسه: القيام ليس حركة غضب عابرة، بل استعداد طويل للتكليف.

 

 النجف.. حين سبقت القلوب البروتوكول

 

غير أن العراق كان الفصل الذي غيّر طبيعة التشييع. في النجف الأشرف، لم يدخل الجثمان مدينة عادية، بل دخل بيت الولاية. وما جرى في مطار النجف الأشرف كان كافيًا ليكشف الفارق بين بروتوكول الدول وبروتوكول القلوب. كان يفترض أن تستقبله السجادة الحمراء والمراسم الرسمية؛ لكن القلوب تقدمت قبل الأقدام، والمحبّة سبقت الحرس، والأكتاف طلبت النعش قبل أن تُنهي المراسم ترتيبها. كأن العراقيين أرادوا أن يقولوا: هذا ليس ضيفًا رسميًا، هذا عائد إلى بيتٍ يعرفه منذ زمن.

 

 تسعة وستون عامًا من الفراق

 

هنا تصبح قصة النجف أكثر وجعًا. فالإمام الشهيد زار العتبات قبل تسعة وستين عامًا، ورأى النجف شابًا طالب علم، وتعلق قلبه بحوزتها حتى أراد البقاء فيها. كتب إلى والده يرجوه أن يسمح له بالإقامة في مدينة النجف الأشرف؛ لكنه لم يُؤذن له. عاد يومها وفي قلبه حسرة طالبٍ يريد جوار أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع). وبعد تسعة وستين عامًا، عاد إلى النجف الأشرف؛ لكنه لم يعد طالبًا يحمل كتبه، بل شهيدًا تحمله الملايين. لم يتحقق حلم الإقامة في مدينة النجف الأشرف كما أراده في شبابه؛ لكن الله كتب له إقامة أخرى في الذاكرة، بين يدي أمير المؤمنين(ع)، في وداعٍ لن ينساه العراق.

 

 صحن الزهراء(س).. ووداع الأمّة والحوزة

 

من المطار إلى شوارع النجف، ثم إلى صحن السيدة الزهراء(س)، كان المشهد مكتوبًا بالمفارقات. هذا الصحن الذي ارتبط بقرار من الشهيد بتوسعة كبرى عُرفت برعاية الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبجهود رجال من مدرسة الشهيد الحاج قاسم سليماني، استقبل الجثمان كما يستقبل البيت صاحبه. ثم دخل الشهيد إلى ضريح الإمام علي(ع). هناك انقسم التشييع إلى مشهدين متكاملين: خارج الصحن كان الشعب بالملايين يودّع بأكفه ودموعه، وداخل الصحن كانت العمائم البيضاء والسوداء تصلي على الشهيد القائد. وكأن مدينة النجف الأشرف أرادت أن تمنحه وداعين في وقت واحد: وداع الأمّة، ووداع الحوزة.

 

 كربلاء المقدّسة.. قلب المعنى

 

ثم مضى النعش إلى مدينة كربلاء المقدسة، وهناك بلغ المشهد ذروته العاشورائية. لم تكن كربلاء محطة ثانية في العراق، بل كانت قلب المعنى. حين طاف الجثمان بين مرقدي الإمام الحسين وأبي الفضل العباس(عليهما السلام)، لم يكن الموكب يمر بين ضريحين، بل بين أصلين: الشهادة والوفاء. أربعة ملايين إنسان، بحسب التقديرات الأولية، كانوا في الانتظار. الطرق بين النجف وكربلاء امتلأت بالمواكب والخدمات والحشود وقوات الحشد الشعبي، حتى بدأ المشهد كأنه أربعين جاء قبل أوانه، أو عاشوراء امتدت خارج زمانها. لم تكن كربلاء المقدسة تستقبل قائدًا سياسيًا، بل تستقبل شهيدًا يرى محبوه أنه عاش عمره في خط الإمام الحسين(ع).

 

دم الشهيد.. بداية مرحلة لا نهاية حضور

 

لعل أكثر ما سيبقى في ذاكرة التاريخ أن دم الإمام الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) لم يُغلق صفحة، بل فتح صفحات جديدة. فالتاريخ الشيعي علّم أتباعه أن الشهادة لا تُنهي المسيرة، بل تمنحها حياة أخرى. هكذا كان دم الإمام الحسين(ع) في كربلاء، وهكذا أراد المشيعون أن يقولوا إن دم القائد الشهيد ليس نهاية حضور، بل بداية مرحلة جديدة في الوعي والذاكرة والالتزام بالمبادئ.

 

 أول الزائرين على طريق المشاية

 

كم كان الإمام الشهيد يغبط زوّار الأربعين، وكم تمنّى أن يكون بينهم. لم يعلم أحد أن الله كان يدّخر له زيارةً لا تشبه كل الزيارات؛ زيارةً لا تبدأ من النجف، ولا تُقاس بعدد الكيلومترات، بل تبدأ من الشهادة نفسها. ولهذا، عندما كُتب على طريق المشاية: «مرحبًا بأول زائر لأربعينية الإمام الحسين(ع)»، لم تكن العبارة لوحةً على طريق، بل كانت دمعةً كتبتها كربلاء لعاشقٍ طال انتظاره، حتى جاءها أخيرًا.. شهيدًا.

 

مشهد المقدّسة.. اكتمال الدائرة

 

ثم اكتملت الدائرة في مشهد المقدسة. المدينة التي وُلِد فيها سماحته، ونشأ قرب حرم الإمام الرضا(ع)، واستعار من مكتبة الحرم أولى كتبه، ومنها قرأ في طفولته ما وسّع خياله ومعرفته، هي نفسها التي عاد إليها مثوى أخيرًا. مشهد المقدسة ليست مدينة دفن فحسب؛ إنها اسم الشهادة نفسه. من مشهد خرج الطفل الذي أحبّ الكتب، ومنها صعد القائد الذي كان يفتتح أعوامه بخطابه في الصحن الرضوي، وإليها عاد الجثمان بعد رحلة عبرت الدولة والحوزة والولاية والشهادة.

 

 في الحرم الرضوي.. الصلاة والعهد

 

في الحرم الرضوي، قبل صلاة الجنازة، رفعت الجموع شعارها الموحد: «نحن على نهج الإمام.. وننادي بالانتقام». وتعالت الهتافات: «القصاص.. القصاص» و«الموت لأمريكا». ثم أمّ آية الله السيد مصطفى الخامنئي الصلاة على جثمان والده الشهيد وسائر الشهداء، في لحظة كان فيها الابن يقف بين أبٍ صار رمزًا وأمّةٍ تحوّلت إلى عائلة كبرى. لم تكن الصلاة مجرد طقس وداع، بل ختمًا لمسار كامل: من طهران التي قالت إن الدولة باقية، إلى قم التي قالت إن الحوزة حاضرة، إلى النجف التي قالت إن عليًا(ع) يستقبل أبناء مدرسته، إلى كربلاء التي قالت إن الإمام الحسين(ع) لا يترك زوّاره، إلى مشهد المقدسة التي قالت إن الرضا(ع) يضم ابنه العائد.

 

 الجنازة التي دخلت السياسة

 

سياسيًا، هذا التشييع سيكون له ما بعده. فقد قالت بعض القراءات الغربية، ومنها ما نُسب إلى رويترز وBBC، إن التشييع تحول إلى معركة على سردية إيران بعد الحرب، وإن طهران حاولت تحويل قدرتها على الصمود إلى ورقة ضغط في وجه ترامب وواشنطن. وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيد. فالسياسة ليست دبابات وصواريخ فقط؛ السياسة أيضًا صورة، ورواية، ومعنويات، وقدرة على جعل الجماهير تقول للعالم إن الضغط لم يكسرها. بعد هذا التشييع، لن يكون سهلًا على خصوم إيران أن يبيعوا رواية الدولة المنهارة. ملايين البشر في إيران والعراق قالت العكس تمامًا: إن اغتيال القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) لم ينهِ المشروع، بل فتح أمامه فصلًا جديدًا.

 

 حين صار النعش منصة خطاب

 

لقد أرادوا للنعش أن يكون علامة نهاية، فإذا به صار منصة خطاب. أرادوه دليل انكسار، فإذا به صار برهان حضور. أرادوا دفن رجل، فإذا بالأمّة تشيّع جسده وتُخرج فكرته إلى الشوارع. وهنا المعنى الأعمق: بعض الجنازات لا تُغلق التاريخ، بل تفتحه. وبعض الشهداء لا يخرجون من الحياة، بل يدخلون في ذاكرة الشعوب من باب أوسع.

 

 من الاغتيال إلى التفاوض

 

ظنّت واشنطن أنها باغتيال قائد الأمّة ستُخرج إيران من ميدان السياسة إلى ميدان الدفاع عن البقاء؛ لكن ما حدث كان معكوسًا تمامًا. لم تحمل الملايين نعشه فقط، بل حملت معها ميزان قوة جديدًا. لم تعد طهران تفاوض باعتبارها دولة خرجت من حرب، بل باعتبارها دولة استطاعت أن تحوّل التشييع إلى استفتاء شعبي، والاستفتاء إلى شرعية، والشرعية إلى ورقة ضغط على طاولة المفاوضات. وهكذا، كما دخل الإمام الخميني(قدس) التاريخ عبر الثورة، دخل الإمام الشهيد الخامنئي(رض) مرحلة ما بعد استشهاده عبر جنازة أعادت رسم المعادلات الإقليمية، وأوصلت رسالة واضحة: إن الدم الذي أرادوه نهايةً، أصبح بدايةً لمرحلة جديدة لا تشبه ما قبل السابع والعشرين من شباط.

 

 الرحلة التي انتهت.. والرحلة التي بدأت

 

انتهت رحلة الجثمان عند جوار الإمام الرضا(ع)؛ لكن الرحلة الأخرى بدأت. رحلة الفكرة، والعهد، والسؤال الكبير الذي سيبقى معلقًا فوق المنطقة: هل تستطيع القوة أن تقتل مشروعًا صار عقيدة في قلوب الملايين؟

 

في طهران بكت الدولة وقامت. في قم المقدسة صلّت الحوزة وانتظرت. في النجف الأشرف عاد الشاب الذي حُرم البقاء قبل تسعة وستين عامًا إلى الإمام علي(ع) شهيدًا. في كربلاء المقدسة صار أول الزائرين على طريق الأربعين. وفي مشهد المقدسة عاد الابن إلى حضن الإمام الرضا(ع).

 

ولذلك، لم يكن التشييع وداعًا للإمام الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) بقدر ما كان إعلانًا أن الاغتيال فشل في مهمته الكبرى. فقد أسقط الجسد؛ لكنه أيقظ الأمّة. ودفن الرجل؛ لكنه لم يدفن الرسالة.

 

قوموا لله.. كانت شعار التشييع؛
لكنها، بعد هذه الأيام الستة، صارت عنوان المرحلة.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة