في وقت تتجه فيه العديد من الوجهات السياحية إلى توظيف المناسبات الكبرى للتعريف بموروثها الحضاري، تستعد محافظة كرمانشاه (غرب إيران)، لاستقبال ملايين زوار أربعينية الإمام الحسين(ع) برؤية مختلفة تتجاوز مفهوم العبور التقليدي نحو العراق. فمن خلال مبادرة تحمل عنوان «سياحة الأربعين»، تسعى المحافظة إلى تحويل هذا الحدث الديني العالمي إلى منصة ثقافية وسياحية تبرز تاريخها العريق، وتفتح أمام الزائرين نافذة لاكتشاف كنوزها الأثرية والطبيعية.
وتأتي هذه المبادرة في إطار استراتيجية أعدتها المديرية العامة للتراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية بمحافظة كرمانشاه، انطلاقًا من قناعة بأن ملايين الزائرين الذين يعبرون المحافظة كل عام يمثلون فرصة استثنائية للتعريف بمقوماتها الحضارية، وتشجيعهم على العودة إليها لاحقًا بصفتها وجهة سياحية مستقلة، لا مجرد محطة على طريق الزيارة.
وأكدت مساعدة مدير عام التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية في محافظة كرمانشاه، أن الخطة تستهدف إحداث تحول في نظرة الزائرين إلى المحافظة، بحيث تصبح كرمانشاه مقصدًا ثقافيًا وسياحيًا إلى جانب دورها بوابة رئيسية لعبور زوار الأربعين.
وأوضحت فهيمة روشن، أن المبادرة تستثمر الزخم البشري الذي يشهده موسم الأربعين لتقديم صورة متكاملة عن المحافظة، باعتبارها واحدة من أعرق المناطق التاريخية في إيران، وموطنًا لعدد من أبرز المواقع الأثرية التي تعكس تعاقب الحضارات على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
المواكب تتحول إلى منصات للتعريف بالتراث
وتتضمن الخطة تجهيز أربعة مواكب رئيسية تقع على المسار الذي يسلكه الزائرون، لتتحول إلى محطات ثقافية وسياحية تقدم إلى جانب خدمات الضيافة، محتوى معرفيًا يعرّف الزائرين بتاريخ كرمانشاه، وأهم معالمها الأثرية، وفرصها السياحية.
ويهدف هذا التوجه إلى إثراء تجربة الزائر، بحيث لا تقتصر رحلته على أداء الشعائر الدينية، بل تمتد لتشمل التعرف على الهوية الحضارية والثقافية للمناطق التي يمر بها، بما يعزز ارتباطه بها ويدفعه إلى زيارتها مرة أخرى في إطار سياحي.
التكنولوجيا في خدمة السياحة
وفي إطار توظيف التقنيات الحديثة، ستُجهز المواكب بشاشات عرض رقمية كبيرة تبث بصورة مستمرة أفلامًا تعريفية ومواد وثائقية عن أبرز الوجهات السياحية في المحافظة، وفي مقدمتها موقع بيستون المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ومجمع طاق بستان التاريخي، ومعبد آناهيتا، إلى جانب عدد من المواقع الطبيعية والثقافية التي تشكل جزءًا من الهوية السياحية لكرمانشاه.
كما سيُتاح للزائرين الحصول على أدلة سياحية رقمية ومحتوى تفاعلي عبر رموز الاستجابة السريعة (QR)، بما يمكنهم من الاحتفاظ بالمعلومات والعودة إليها بعد انتهاء رحلة الأربعين، والاستفادة منها عند التخطيط لزيارة سياحية مستقبلية إلى المحافظة.
خدام المواكب.. سفراء للسياحة
ولا تقتصر المبادرة على تطوير الوسائل التعريفية، بل تمتد إلى الاستثمار في العنصر البشري، من خلال إطلاق برنامج تدريبي يهدف إلى تحويل القائمين على المواكب والعاملين فيها إلى سفراء فخريين للسياحة.
وتشمل هذه الدورات التدريبية مهارات السرد التاريخي، والتعريف بالمواقع الأثرية، وفنون التواصل مع الزائرين، وأسس الضيافة السياحية الاحترافية، بما يؤهل المشاركين لتقديم معلومات دقيقة وجذابة عن المقومات الحضارية للمحافظة، وتشجيع الزائرين على العودة إليها في رحلات سياحية مستقلة.
السياحة الدينية بَــوّابة للسياحة الثقافية
وتعكس هذه المبادرة توجهًا جديدًا يقوم على دمج السياحة الدينية بالسياحة الثقافية، من خلال استثمار أحد أكبر التجمعات البشرية في العالم للتعريف بالإرث التاريخي والحضاري للمناطق الواقعة على طريق الزائرين.
ويرى القائمون على المشروع أن تجربة الزائر لا تكتمل بالخدمات اللوجستية وحدها، بل يمكن أن تتحول إلى رحلة معرفية تتيح له التعرف على تاريخ المنطقة، وثقافتها، ومواقعها الأثرية، وهو ما يسهم في إطالة مدة إقامته مستقبلًا، وتعزيز الحركة السياحية على مدار العام.
تنمية اقتصادية مستدامة
وتأمل محافظة كرمانشاه أن ينعكس نجاح هذه المبادرة على مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة، بما في ذلك الفنادق، وبيوت الضيافة، والمطاعم، والأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، وخدمات النقل، الأمر الذي من شأنه أن يعزز الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل جديدة للسكان.
كما تتوقع المحافظة أن تسهم المبادرة في ترسيخ صورة كرمانشاه، على المستويين الوطني والدولي، باعتبارها وجهة تجمع بين العمق الحضاري، والتنوع الثقافي، والطبيعة الخلابة، لتتحول من نقطة عبور خلال موسم الأربعين الحسيني إلى محطة رئيسية على خريطة السياحة الثقافية في إيران.
وأكدت روشن أن الرؤية بعيدة المدى للمشروع تتمثل في ترسيخ اسم كرمانشاه كإحدى أهم الوجهات التاريخية والسياحية في المنطقة، معربة عن ثقتها بأن استراتيجية «سياحة الأربعين» ستشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التنمية السياحية، وتترك آثارًا سياحية واقتصادية وثقافية مستدامة تتجاوز حدود المناسبة الدينية، لتصبح نموذجًا في توظيف الفعاليات الكبرى لخدمة التنمية السياحية والثقافية.