الفن يوثق جريمة العدوان الأمريكي على مدرسة «الشجرة الطيبة»  

من التهويدة إلى السينما.. «أطفال ميناب» يصنعون ذاكرة ثقافية تتجاوز الحدود

الوفاق/ التهويدة، والوثائقي، والكتاب، حلقات في مشروع ثقافي واحد يراهن على قوة الفن والأدب في صون الذاكرة، ونقلها إلى العالم بلغة يفهمها الجميع.

بعد أربعة أشهر من الجريمة الأمريكية التي حصدت أرواح الأطفال الأبرياء في مدرسة «الشجرة الطيبة» بمدينة ميناب جنوب البلاد، عاد العثور على أجزاء من رفات 34 طفلاً شهيداً ليُجدد الألم، ويكشف حجم الجريمة التي خلّفها العدوان الأمريكي.

 

فقد كان هؤلاء الأطفال يحلمون بمقاعد الدراسة ومستقبلهم، لكنهم ارتقوا شهداء وهم في عمر البراءة، لتبقى ذكراهم شاهداً على فداحة استهداف المدنيين، ولا سيما الأطفال.

 

لم تعد الجريمة الأمريكية بحق أطفال مدرسة «الشجرة الطيبة» مجرد حدث مرتبط بالحرب المفروضة  الثالثة، بل أخذت تتحول إلى مشروع ثقافي متعدد الأبعاد، يجمع بين الموسيقى والأدب والسينما، ويهدف إلى صون الذاكرة الإنسانية وإيصالها إلى العالم بلغة الفن.

 

شيّع أهالي مدينة ميناب أمس الأربعاء، في مراسم مهيبة امتزجت فيها مشاعر الحزن بالفخر، رفات الأطفال الشهداء، فإحياءً لذكراهم الطاهرة، وتقديراً لصبر عائلاتهم، نقدّم هذا المقال، الذي يستعرض جانباً من الأعمال التي أُنجزت، أو التي يجري تنفيذها، وفاءً لدماء الشهداء، وترسيخاً لقيم الصمود، وتجديداً للعهد بأن تضحياتهم ستظل نبراساً يدفع نحو البناء وحماية الأجيال القادمة.

 

 

التهويدة.. لغة الأمهات ورسالة إلى العالم

 

في هذا السياق، يبرز مهرجان «لالايي هاي بيداري ميناب» أي «تهويدات يقظة ميناب» الدولي بوصفه إحدى أبرز المبادرات الثقافية، إذ تم اختيار التهويدة، وهي أول ما يسمعه الطفل من أمّه، لتكون وسيلة للتعبير عن التضامن مع أطفال مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب.

 

يقام المهرجان بمشاركة منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، ويوجه دعوة مفتوحة إلى أمّهات العالم لإنشاد تهويدات لأطفال ميناب، انطلاقاً من فكرة أن الأمومة لغة إنسانية تتجاوز الحدود، وأن التهويدة تمثل تراثاً مشتركاً بين مختلف الشعوب.

 

ويرى أمين المهرجان، مازيار رضاخاني، أن هذه المبادرة تأتي في مواجهة محاولات طمس حقيقة ما جرى، مؤكداً أن الرواية الثقافية والفنية تمثل إحدى الوسائل الأكثر تأثيراً في حفظ الذاكرة الإنسانية ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

 

ويتابع رضاخاني: إن المهرجان سيُقام في قسمين الدولي والمحلي، لأن عاطفة الأمومة تتجاوز الحدود الجغرافية، ولأن التهويدات للأطفال تمثل لغةً مشتركة بين أمهات العالم.

 

 

السينما تحمل الحكاية إلى المنصات الدولية

 

ولم تقتصر رواية جريمة ميناب على المبادرات الثقافية المحلية، بل وجدت طريقها إلى المهرجانات الدولية. فقد أهدى فريق فيلم «المقامر» جائزته الدولية الثانية، التي نالها في مهرجان أفلام منظمة شانغهاي للتعاون، إلى أطفال ميناب.

 

وخلال مراسم التكريم في العاصمة القرغيزية بيشكيك، صعد مخرج الفيلم محسن بهاري إلى المنصة مرتدياً لباساً يحمل شعار «ميناب 168»، مستذكراً ضحايا المدرسة، ومؤكداً أن الجائزة تحمل رسالة وفاء لأرواحهم، وأن السينما قادرة على نقل مظلومية الأطفال إلى الرأي العام الدولي.

 

 

توثيق الجريمة بعدسات السينما الوثائقية

 

وفي مسار موازٍ، تعمل المخرجة سارا طالبيان على توثيق الآثار النفسية للحرب المفروضة الثالثة على أطفال ميناب من خلال فيلم وثائقي جديد يركّز على حياة الأطفال الذين ما زالوا يعيشون تحت وطأة الخوف والقلق بعد استهداف مدرستهم.

 

ويرصد الفيلم تأثير الحرب في الصحة النفسية للأطفال، موضحاً أن تداعيات الحادث تجاوزت عدد الضحايا المباشرين، إذ طالت مئات التلاميذ الذين ما زالوا يعانون آثار الصدمة، ويواجهون صعوبة في إستعادة حياتهم الدراسية بصورة طبيعية.

 

تبدأ أحداث الوثائقي برواية أطفال ما زالوا، منذ الهجوم الذي استهدف مدرستهم، يعيشون في حالة خوف دائم، حتى أصبح الرعب جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية.

 

ويشير الفيلم إلى أنه، رغم اقتران اسم ميناب بالرقم «168»، فإن أبعاد المأساة تتجاوز ذلك بكثير، إذ تأثر نحو 400 تلميذ في إحدى المدارس بدرجات متفاوتة جراء الجريمة.

 

 

الأدب يحفظ الذاكرة

 

 

وفي موازاة الموسيقى والسينما، دخل الأدب أيضاً على خط توثيق الجريمة. فقد أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية عن مشروع لإصدار كتاب يضم الأعمال الأدبية التي تتناول شهداء مدرسة «الشجرة الطيبة».

 

ووجّهت وزارة التراث الثقافي دعوة إلى الشعراء والكتّاب للمشاركة بقصائدهم ونصوصهم وقصصهم ومقالاتهم الأدبية، في خطوة تهدف إلى تحويل الإنتاج الأدبي إلى وثيقة ثقافية تحفظ أسماء الضحايا وتخلّد ذكراهم.

 

 

الذاكرة الثقافية في مواجهة النسيان

 

تكشف هذه المبادرات، على اختلاف أشكالها، عن توجه ثقافي يسعى إلى تحويل جريمة العدوان على أطفال مدرسة «الشجرة الطيبة» من خبر عابر إلى ذاكرة إنسانية حيّة. فالتهويدة، والفيلم الروائي، والوثائقي، والقصيدة، والكتاب، ليست مجرد أعمال فنية منفصلة، بل حلقات في مشروع ثقافي واحد يراهن على قوة الفن والأدب في صون الذاكرة، ونقلها إلى العالم بلغة يفهمها الجميع؛ لغة الإنسان.

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة