ليست «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، ولا خطوة تقنية تمهّد لإنهاء الاحتلال، بل قد تُشكل جزءاً من مشروع صهيوني لإعادة صياغة معادلة الصراع بما يخدم مصالح الاحتلال ويقيّد قدرة المقاومة على مواجهة عدوانه. فبدلاً من أن يكون السؤال: متى ينسحب الاحتلال من الأرض التي يحتلها؟ يجري دفع النقاش نحو سؤال آخر يخدم العدو: متى تصبح الظروف الأمنية مناسبة لكي يقرر الاحتلال أين ينتشر وكيف يتحرك ومتى ينسحب؟
هنا تكمن خطورة المشروع؛ إذ يسعى هذا الطرح إلى تحويل الاحتلال من جريمة يجب إنهاؤها إلى واقع قابل للإدارة، ومن قوة محتلة إلى طرف يفرض شروطه ويحدد قواعد اللعبة. وفي المقابل، يُراد محاصرة المقاومة سياسياً وميدانياً، وتصوير سلاحها كأنه أصل المشكلة، فيما الحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أنّ المقاومة نشأت في مواجهة الاحتلال والعدوان، وأنّ استمرارها يرتبط باستمرار التهديد الإسرائيلي.
تُعدّ «المناطق التجريبية»، بهذا المعنى، اختباراً لقدرة المشروع الإسرائيلي على فرض معادلة جديدة: احتلال أقل ظهوراً، وضغط أكبر على المقاومة، وحرية أوسع للعدو في الحركة والاعتداء. لكن المقاومة، التي راكمت خبرة طويلة في مواجهة الاحتلال، تدرك أنّ ما يُقدَّم اليوم كحلّ أمني قد يكون محاولة لإعادة إنتاج الاحتلال بأشكالٍ جديدة.
«المناطق التجريبية».. مصطلح يخفي مشروعاً أميركياً-إسرائيلياً أوسع
عندما تُستخدم عبارة «المناطق التجريبية»، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه مرحلة انتقالية مؤقتة تمهّد لتطبيق ترتيبات أمنية أوسع. لكن التدقيق في طبيعة هذا الطرح يكشف أنّ المصطلح نفسه يخفي مشروعاً سياسياً وأمنياً يتجاوز المعنى العسكري المباشر، ويكشف محاولة أميركية-صهيونية لإعادة هندسة قواعد الصراع بما يضمن للاحتلال مكاسب جديدة ويضيّق هامش حركة المقاومة.
فالمقصود ليس فقط اختبار آلية انتشار أو إعادة تموضع، بل اختبار قدرة المشروع الإسرائيلي، مدعوماً بالضغط الأميركي، على فرض معادلة جديدة في الجنوب: يحتفظ الاحتلال بهامش واسع من الحركة والتأثير والضغط، بينما تُدفع المقاومة إلى موقع الطرف الذي يُطلب منه تقديم التنازلات وإثبات الالتزام بالشروط التي يضعها العدو وحلفاؤه. وهنا يظهر مكمن الخطة بوضوح؛ إذ يُراد تحويل المقاومة من قوة تواجه الاحتلال إلى طرف يخضع للاختبار، فيما يُمنح الاحتلال دور الحكم الذي يراقب ويقيّم ويقرر متى ينسحب ومتى يبقى.
لكن هذه المحاولة لا تعكس قوة المشروع الأميركي-الإسرائيلي بقدر ما تكشف مأزقه في فرض معادلة جديدة على الأرض. فكلما عجز الاحتلال عن إخضاع المقاومة عسكرياً، لجأ إلى أدوات سياسية وأمنية للالتفاف على نتائج المواجهة، معتقداً أنّ الضغوط الدولية يمكن أن تحقق مالم يستطع تحقيقه بالقوة. غير أنّ هذا الرهان يصطدم بحقيقة راسخة: المقاومة لم تُبنَ على ترتيبات مؤقتة، ولم تستمد شرعيتها من موافقة الاحتلال، بل من مواجهة العدوان والدفاع عن الأرض والناس.
وهكذا، حين تفشل أدوات الحرب، تنتقل المعركة إلى السياسة؛ وحين تفشل السياسة في تحقيق الهدف، يجري تغليف المشروع بمصطلحات أمنية براقة. غير أنّ تبديل العناوين لا يغيّر جوهر الحقيقة: الاحتلال يبقى احتلالاً، والمقاومة تبقى مقاومة، وأيّ مشروع يقوم على حماية وجود الاحتلال ومحاصرة من يواجهه سيظل يصطدم بإرادة شعب ومقاومة لم تُهزم في الميدان.
إسقاط رواية الاحتلال ومنع تثبيت وجوده في الجنوب
في مواجهة مشروع «المناطق التجريبية»، لا تخوض المقاومة معركة ميدانية فقط، بل تواجه مشروعاً سياسياً وإعلامياً يسعى إلى إعادة صياغة قواعد الصراع بما يخدم الاحتلال ويمنحه قدرة أكبر على المناورة والضغط. ومن هنا، تبدأ المواجهة بإسقاط الرواية التي تحاول تقديم هذه الترتيبات بوصفها طريقاً تدريجياً نحو السلام والانسحاب، بينما يبقى الاحتلال خارج دائرة المساءلة. فالسؤال الذي تطرحه المقاومة بوضوح هو: أين الالتزام بالانسحاب الكامل؟ وما الضمانات التي تمنع تحويل المناطق التجريبية إلى واقع دائم؟ ومن يضمن ألا يستخدم العدو ذرائع أمنية لتعليق أي خطوات لاحقة؟ إنّ جوهر المعركة هو منع قلب المعادلة وتحويل الاحتلال إلى طرف يقرر شروط بقائه وخروجه، فيما تصبح المقاومة موضع ضغط واختبار. وفي الميدان، تدرك المقاومة أنّ الخطر لا يكمن في الترتيبات المؤقتة بحد ذاتها، بل في احتمال تحويلها إلى أمر واقع يكرّس الاحتلال ويمنحه حرية الحركة والاعتداء. لذلك، تتمسك المقاومة بمعادلة الردع التي راكمتها، وترفض أن يتحول تغيير المواقع أو تبديل التسميات إلى غطاء لاستمرار الاحتلال. فالمعركة، في جوهرها، هي معركة على مستقبل الجنوب وقواعد الصراع: سياسياً بكشف المشروع وإسقاط روايته، وميدانياً بمنع تثبيت الاحتلال، وصولاً إلى التأكيد أنّ الاحتلال هو أصل المشكلة، وأنّ المقاومة ستبقى قوة مواجهة وردع في وجه أي محاولة لإعادة إنتاجه.
تجربة عام 1985 تكشف ما يمكن أن تعنيه «إعادة الانتشار»
تاريخ الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان يقدم مثالاً مهماً على الفرق بين الانسحاب الحقيقي وإعادة تنظيم الوجود العسكري. ففي عام 1985، أعاد الاحتلال انتشار قواته في أجزاء من الجنوب، لكنه لم ينهِ احتلاله للمنطقة بالكامل. وظل وجوده قائماً في أجزاء أخرى لسنواتٍ طويلة، إلى أن أدت المقاومة المتواصلة إلى فرض معادلة جديدة انتهت بالانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
هذه التجربة التاريخية تكشف أنّ «إعادة الانتشار» لا تعني بالضرورة نهاية الاحتلال، بل قد تكون وسيلة لإعادة تنظيمه وتقليل كلفته وتعزيز قدرته على المناورة. لذلك، ترفض المقاومة أي صيغة لا تضمن إنهاء الاحتلال بشكلٍ واضح، لأنّ تغيير شكل الوجود الإسرائيلي لا يعني زواله.
وهنا تحديداً تبرز أهمية تجربة المقاومة في قراءة هذه المرحلة. فالانسحاب الإسرائيلي عام 2000 لم يكن نتيجة ترتيبات أمنية جعلت الاحتلال أكثر راحة، بل جاء بعد سنوات من الاستنزاف والمواجهة التي جعلت استمرار الاحتلال مكلفاً. وهذا درس لا يمكن تجاهله عند قراءة أيّ مشروع جديد في الجنوب.
في المحصلة، ليست «المناطق التجريبية» سوى محاولة لإعادة صياغة الاحتلال في صورة جديدة، تُبقي للعدو نفوذه وقدرته على التدخل، فيما تُحمّل المقاومة مسؤولية استمرار الصراع. لكن المقاومة تدرك أنّ الاحتلال لا ينتهي بتغيير مواقعه أو تبديل مسمياته، بل بخروجه الكامل من الأرض. لذلك تواجه هذا المشروع سياسياً وإعلامياً وميدانياً، وترفض تحويل الجنوب إلى ساحة تُدار وفق شروط العدو. فالتجربة أثبتت أن العدو لا يتراجع إلا عندما ترتفع كلفة احتلاله، وأنّ المقاومة هي التي أسقطت معادلة الاحتلال وفرضت الانسحاب. ومن هنا، يبقى إنهاء الاحتلال والعدوان الطريق الوحيد للاستقرار، وتبقى المقاومة قوة ردع في مواجهة أي محاولة لإعادة إنتاج الاحتلال.