الوفاق/ خاص
د. بهمن أكبري
لا تقتصر أزمة الرئيس الأمريكي على معارضة الحزب الديمقراطي أو خصومه السياسيين فحسب، بل تحولت إلى نزيف حاد في “شرعيته الأدائية” على الصعيدين الخارجي والداخلي. والأخطر من ذلك، أن ناقوس هذا الخطر لم يُقرع من قبل وسائل الإعلام المعارضة، بل من داخل الحصن المحافظ نفسه؛ إذ قامت شبكة “فوكس نيوز” -أقرب الوسائل الإعلامية إليه والناطقة بلسان تياره السياسي- بنشر نتائج استطلاع رأي مشترك أجرته صحيفة “واشنطن بوست” ومعهد “إبسوس”، لتكشف بذلك عن تراجع غير مسبوق في قاعدة التأييد الشعبي لدونالد ترامب.
تحمل هذه الخطوة دلالةً سياسية وإعلامية بالغة العمق؛ فحين تتحول وسيلة إعلام طالما عُدّت الحاضنة الأبرز لترامب إلى ناقلٍ لأرقام سلبية، فإن ذلك يعني أن الشروخ لم تعد مقتصرة على المعارضة التقليدية، بل بدأت بالتسلل إلى البيئة الإعلامية والإجتماعية التي شكّلت ركيزة دعمه في السنوات الأخيرة. ومن منظور نظريات الاتصال السياسي، يُعدّ هذا التحول مؤشراً مبكراً على اتساع فجوة الثقة حتى داخل القاعدة المؤيدة نفسها.
ووفقاً لبيانات الاستطلاع، فإن 69% من الأمريكيين غير راضين عن سياسة ترامب تجاه إيران، مقابل تأييد لا يتجاوز 29%. وتشير هذه الأرقام إلى قناعة متزايدة لدى قطاع عريض من الرأي العام الأمريكي بأن سياسة التصعيد والضغط العسكري تجاه طهران تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة أو نتائج ملموسة. إن السؤال الذي يطرحه المواطن الأمريكي اليوم هو: “أي مكاسب ستعود على الأمن القومي، أو استقرار المنطقة، أو حتى على حياته اليومية من هذه التوترات والعمليات العسكرية؟”. وعندما يغيب الجواب المقنع، تتحول صورة “الحزم والاقتدار” إلى انطباع عن سياسات مكلفة وباهظة الثمن تفتقر إلى الجدوى.
الأمر لم يتوقف عند السياسة الخارجية، بل امتدّ ليطال الاقتصاد الذي طالما اعتُبر الورقة الرابحة والرأس مال السياسي الأهم للإدارة الأمريكية. فقد كشف الاستطلاع أن 65% من الأمريكيين غير راضين عن الأداء الاقتصادي، في مقابل 33% فقط يبدون رضاهم. وتأتي هذه الأرقام في وقت تتزايد فيه تكاليف المعيشة، وتستمر الضغوط التضخمية، وتتقلب الأسواق المالية. واللافت أن الأزمتين ليستا منفصلتين، بل تتداخلان تأثيراً وتأثراً؛ إذ إن أي تصعيد عسكري أو أمني في غرب آسيا ينعكس فوراً على أسواق الطاقة، وأسعار الوقود، واستقرار الأسواق في الولايات المتحدة. لذلك، فإن رفض الرأي العام للسياسة تجاه إيران لا يُفهم بوصفه موقفاً من ملف خارجي فقط، بل هو اعتراض واضح على انعكاساته المعيشية والاقتصادية المباشرة على المواطن الأمريكي.
ويعزز من خطورة المشهد، تسجيل ترامب لـصافي تأييد سلبي بلغ 22 نقطة مئوية خلال هذه المرحلة من ولايته الثانية، وهو ما يُصنفه ضمن أدنى المعدلات التي سُجلت لرئيس أمريكي في القرن الحادي والعشرين خلال الفترة الزمنية نفسها.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التراجع لا ينبع فقط من معارضة الديمقراطيين، بل يعكس أيضاً تآكلاً ملحوظاً في دعم الناخبين المستقلين، وحتى في صفوف بعض الجمهوريين المعتدلين؛ وهو ما يُشكل إنذاراً سياسياً بالغ الأهمية.
في أدبيات العلوم السياسية، يُعدّ فقدان التأييد الشعبي في ملفي السياسة الخارجية والاقتصاد معاً، من أبرز مؤشرات “أزمة الشرعية الأدائية”، وهي من أكثر الأزمات تعقيداً بالنسبة لأي إدارة تسعى للاستمرار في الحكم.
ومن زاوية الاتصال السياسي أيضاً، فإن نقل هذه النتائج عبر “فوكس نيوز” يحمل دلالة تتجاوز الأرقام المجردة؛ إذ يُشير إلى تحول تدريجي في المزاج النخبوي والإعلامي، وهو تحول يسبق عادة المتغيرات السياسية الكبرى.
خلاصة القول: إن المؤشرات المتاحة اليوم تكشف عن اتساع حاد في فجوة الثقة التي يواجهها ترامب في الداخل والخارج معاً؛ فجوة لا تقتصر على تراجع الأرقام، بل تمتدّ لتضع فاعلية استراتيجية “المواجهة والتصعيد” تحت المجهر، وتُحدث شرخاً في جدار القاعدة الشعبية التي أوصلته إلى البيت الأبيض.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن التحدي الأكبر للإدارة الأمريكية لن يكون خصومها السياسيين، بل الرأي العام الأمريكي ذاته، الذي يظل في الأنظمة الديمقراطية الحاكم الأوحد للشرعية واستمرار الحكم.
بعبارة موجزة: “فوكس نيوز”، بهذا الاستطلاع، لم تكتفِ بنقل خبر، بل دقّت ناقوس الخطر بقوة من داخل غرفة القيادة نفسها.
