مع اندلاع الحرب البعثية المفروضة على إيران (عام 1980م)، تحوّل جنوب إيران إلى أحد أهم ميادين القتال. وعاشت مدن مثل خرمشهر وآبادان وسوسنكرد وهويزه والعديد من المناطق الحدودية أيامًا عصيبة. ووفقًا للوثائق الرسمية والدراسات الصادرة عن مركز وثائق وأبحاث الدفاع المقدس ومؤسسة حفظ آثار ونشر قيم الدفاع المقدس، تأثر ملايين الأشخاص بصورة مباشرة وغير مباشرة بالحرب، وتعرضت البنية التحتية وحياة السكان لخسائر جسيمة؛ لكن أكثر ما بقي راسخًا في الذاكرة الجماعية لأهالي الجنوب هو قصة الصمود والقدرة على التحمّل.
الجنوب.. مهد الحضارة الإيرانية
قبل الحديث عن الدمار، لابدّ من الحديث عن العظمة، وقبل الحديث عن الدماء، ينبغي العودة إلى الجذور. فهذا الإقليم احتضن أقدم الحضارات الإنسانية؛ ففي شوش وعيلام تبلورت أولى ملامح الحضارة، بينما شكّل ميناء سيراف التاريخي في بوشهر، لقرون طويلة، بوابة إيران التجارية نحو الشرق والغرب. وعلى ضفاف الخليج الفارسي يرقد ميناء بندرعباس، الذي كان يومًا شريان الاتصال بين إيران والعالم.
أمّا آبادان وخرمشهر وهرمز، فليست مجرد أسماء لمدن، بل صفحات من الملاحم الوطنية. غير أن أعظم ما يميز هذا الجنوب ليس مبانيه أو موانئه، بل أبناؤه الذين ارتبط تاريخهم ارتباطًا وثيقًا بالمقاومة.
البرتغاليون جاؤوا؛ لكن النخيل لم ينحنِ
إذا كان العدو يوجّه أنظاره اليوم إلى جنوب إيران برًا وبحرًا وجوًا، فعليه أن يدرك أن هذه الأرض تمتلك سجلًا طويلًا في مقاومة الغزاة. ففي القرن السادس عشر الميلادي، عندما احتل البرتغاليون جزيرة هرمز وبسطوا نفوذهم على الخليج الفارسي، كان أبناء المنطقة من التجار والبحارة والصيادين في طليعة المقاومين.
ويُعدّ رئيس علي دلواري رمزًا لليقظة والكرامة الجنوبية. فقد حمل هذا الشاب القادم من تنكستان السلاح في مواجهة الاحتلال البريطاني الذي خلف البرتغاليين في أطماعه بجنوب إيران. لم يولد في قصر ولم يتخرج في جامعة؛ لكن شجاعته وإيمانه جعلاه أحد أبرز رموز التاريخ الإيراني. لقد وقف “أسد تنكستان” ببندقية بسيطة في مواجهة جيش بريطاني مدجج بالسلاح، وقدّم حياته دفاعًا عن وطنه، ليؤكد هو ورفاقه أن هذه الأرض لا تُنتزع بثمن بخس.
رحل البريطانيون.. وبقيت الكرامة
بعد قرون، اصطدم الاستعمار البريطاني في جنوب إيران بالروح ذاتها. فمن انتفاضات بوشهر وبندرعباس إلى مقاومة أهالي خوزستان، كان الردّ واحدًا كلما وطئت أقدام المحتلين أرض الجنوب: «لن نفرط في ذرة من هذا التراب».
وفي عام 1856م، قصفت البحرية البريطانية مدينة بوشهر خلال الحرب على هرات، ودمّرت أجزاء منها؛ لكن القصف لم يكسر إرادة السكان، بل زادهم تصميمًا على المقاومة.
وبموجب اتفاقية عام 1907م، أُدرج جنوب إيران، بما فيه بوشهر، ضمن منطقة النفوذ البريطاني، وأصبح مقر الإقامة السياسية البريطانية في بوشهر مركزًا للمخططات الاستعمارية. وفي عام 1915م، أثناء الحرب العالمية الأولى، أعادت القوات البريطانية احتلال المدينة.
وخلال تلك الفترة، برز الشيخ خزعل، شيخ المحمرة (خرمشهر الحالية)، بوصفه أحد أبرز وجوه مقاومة النفوذ البريطاني، حيث رفض تحويل جنوب إيران إلى مستعمرة أجنبية. وقد حظي بدعم واسع من سكان بوشهر وأهواز والموانئ المجاورة باعتباره رمزًا للصمود في وجه التدخل الأجنبي. وبعد انقلاب عام 1921م، اعتُقل الشيخ خزعل ونُفي؛ لكن ذكراه بقيت حاضرة في وجدان أبناء الجنوب.
إن تاريخ جنوب إيران هو تاريخ مواجهة كل قوة حاولت انتزاع هذه الأرض من أهلها، وهي روح توارثتها الأجيال حتى اليوم.
الدفاع المقدّس.. الامتحان الذي اجتازوه
حين نتحدث عن قدرة أبناء الجنوب على التحمّل، فإننا نتحدث عن تجربة عاشوها بكل تفاصيلها خلال سنوات الدفاع المقدس. فقد شهدت خرمشهر وآبادان دمارًا واسعًا تحت قصف نظام صدام، واستهدفت الصواريخ مئات القرى في خوزستان، واستشهد آلاف الرجال والنساء والأطفال داخل بيوتهم.
ومع ذلك، صنع أبناء الجنوب ملاحم ستبقى خالدة؛ من ملحمة خرمشهر إلى هويزة وسوسنكرد، حيث واجهوا بأبسط الإمكانات أحد أقوى جيوش المنطقة.
واليوم، رغم اختلاف طبيعة الحرب، فإن جوهر المقاومة لم يتغير. ففي الماضي كان العدو يأتي من الشرق. أمّا اليوم فيأتي من الغرب، ومن البحر والسماء. وكانت الأسلحة آنذاك الدبابات والمدفعية، بينما أصبحت اليوم صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيرة شبحية؛ لكن أهل الجنوب هم أنفسهم، بإيمانهم وصلابتهم وغيرتهم.
وتنبع هذه الروح من ثقافة الجنوب، حيث تمتزج الضيافة بالكرامة، ويقف الرجال والنساء، الشيوخ والشباب، صفًا واحدًا في مواجهة المعتدي.
النخلة.. رمز الصمود
مَن يريد أن يفهم صبر أهل الجنوب، فليتأمّل النخلة. فهي تقف شامخة تحت حرارة تتجاوز خمسين درجة مئوية، ولا تنحني أمام الرطوبة الخانقة، وتغرس جذورها أعمق كلما اشتدت العواصف. لا تكسرها السيول ولا الجفاف ولا ملوحة التربة.
هكذا هم أبناء الجنوب؛ عاشوا قسوة المناخ كما عاشوا قسوة الحروب، وتعلّموا من طبيعتهم أن الصمود هو السبيل الوحيد للبقاء.
قصفوا الطرق.. فشقّ الناس طرقاً جديدة
يعتمد العدو في هذه الحرب على استراتيجية واضحة تقوم على استهداف الجسور والطرق والبنية التحتية لعزل السكان وقطع خطوط الإمداد ونشر الذعر؛ لكن ما لم يدركه هو إرادة أبناء الجنوب. فمنذ الساعات الأولى للهجمات، بادر الأهالي إلى فتح طرق بديلة بأبسط الوسائل، بينما تمكّن سائقو الشاحنات، بفضل معرفتهم الدقيقة بالطرق الفرعية، من إيصال الغذاء والدواء إلى المناطق المحاصرة، وعمل المهندسون والعمال على إنشاء جسور مؤقتة خلال ساعات قليلة.
ظنّ العدو أن تدمير بضعة جسور كفيل بكسر إرادة الشعب؛ لكن أبناء الجنوب أثبتوا أن كل طريق يُغلق، سيولد مكانه عشرة طرق جديدة. وبفضل جهودهم في إعادة تأهيل الطرق المدمرة، أُفشل مخطط المعتدين.
وهذا هو الدرس الذي تركه رئيس علي دلواري، وهو ذاته الذي أثبتته خرمشهر وهويزة: إذا قرر الناس البقاء، فلن يستطيع أي قصف اقتلاعهم من أرضهم.
صوت واحد من جميع أنحاء إيران
في هذه الأيام، تشهد إيران موجة واسعة من التضامن تمتدّ من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. وتحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصة تنقل معاناة أبناء الجنوب وآمالهم. كما وقف الفنّانون والرياضيون والكُتّاب والإعلاميون إلى جانب أهالي هذه المنطقة، مؤكدين أن المسافات الجغرافية تتلاشى في أوقات الشدائد، وأن آلام الجنوب هي آلام جميع الإيرانيين.
لماذا استُهدف الجنوب؟
لفهم ما يجري اليوم في جنوب إيران، لابدّ من فهم حقيقة المخطط الذي يقف خلف العدوان. فقد دأب الرئيس الأمريكي، خلال الأشهر الماضية، على إعلان «النصر» مرارًا، مدّعيًا أن الجيش الإيراني قد دُمّر. غير أن هذه الادعاءات، تعكس حالة من الإحباط أكثر مما تعكس واقعًا ميدانيًا، إذ يدرك ترامب أن القوات المسلحة الإيرانية مازالت قائمة، وأن منشآتها الصاروخية بقيت صامدة، وأن الإرادة الوطنية لم تنكسر.
ويعتقد ترامب أن بوسعه إخضاع هذا الشعب ببضع قنابل أو مزيد من العقوبات؛ لكنه يغفل حقيقة أثبتها التاريخ مرارًا: إن الشعب الإيراني، ولا سيما أبناء الجنوب، ليس شعبًا يركع، بل شعب يقف صامدًا وسيظل كذلك. وقد أثبتت سنوات الدفاع المقدس هذه الحقيقة، وإذا اقتضت الضرورة، فسوف يثبتها مرة أخرى.