فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تراهن على العقوبات والعزلة وتسليح أوكرانيا لاستنزاف موسكو وكسر إرادتها، لكن الحسابات انقلبت على أصحابها؛ فروسيا صمدت، وحافظت على قدرتها، وأثبتت أن سياسة الضغط والتهديد لا تكفي لإخضاع دولة كبرى تتمسك بمصالحها وأمنها القومي.
أما أوكرانيا، التي قُدمت لها وعود غربية لا تنتهي، فقد تحولت إلى ساحة استنزاف ودمار، بينما وجدت أوروبا نفسها تدفع فاتورة مواجهة تخدم الحسابات الأمريكية أكثر مما تخدم مصالحها. وفي المقابل، لم تستطع واشنطن تحقيق النصر الذي راهنت عليه، بل وجدت نفسها أمام حرب طويلة تستنزف الموارد وتفرض عليها البحث عن مخرج سياسي.
واليوم، يقف ترامب أمام مأزق صنعته السياسة الأمريكية نفسها؛ فهو يريد إنهاء الحرب من دون الاعتراف بأن روسيا أفشلت الرهان الغربي، ويريد الضغط على موسكو من دون امتلاك أدوات كافية لإجبارها على التراجع.
واشنطن أشعلت الحرب ثم عجزت عن فرض نهايتها
أخطأت الولايات المتحدة في تقديرها لروسيا عندما اعتقدت أن العقوبات والعزلة وتسليح أوكرانيا كافية لإخضاع موسكو وكسر إرادتها السياسية والعسكرية. فقد تعاملت واشنطن مع الحرب باعتبارها فرصة لإضعاف روسيا وإبعادها عن موقعها كقوة كبرى، وحوّلت الأراضي الأوكرانية إلى ساحة صراع مفتوح، بينما دفعت حلفاءها الأوروبيين إلى تحمل الجزء الأكبر من تبعات المواجهة.
لكن الحسابات الأمريكية اصطدمت بواقعٍ مختلف؛ فروسيا صمدت، وحافظت على قدرتها على التأثير، ولم تقبل أن تُفرض عليها تسوية من الخارج. وفي المقابل، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حرب طويلة ومكلفة، فيما تحولت أوروبا إلى الطرف الذي يدفع ثمن التصعيد اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا.
أما دونالد ترامب، الذي يرفع شعار الصفقات وإنهاء الحروب، فقد ورث مأزقًا صنعته الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ فهو يريد إنهاء الحرب دون أن يبدو وكأنه تراجع أمام موسكو، ويريد دعم أوكرانيا دون تحمل فاتورة مفتوحة، ويريد الضغط على روسيا دون امتلاك القدرة على إجبارها على قبول شروط واشنطن.
وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: أرادت أمريكا استخدام أوكرانيا لاستنزاف روسيا، فإذا بها تواجه حربًا لا تستطيع حسمها ولا إنهاءها منفردة. أما موسكو، فتراهن على الزمن وتدرك أن استمرار الضغط قد يضعف تماسك الموقف الغربي أكثر مما يضعفها.