د. محمّدعلي صنوبري
ومن أشهر كلمات الإمام الحسين(ع): «مثلي لا يُبايع مثل يزيد». ولم تكن هذه العبارة موقفًا سياسيًا عابرًا، بل إعلانًا لمبدأ أخلاقي خالد: فالإنسان الحرّ لا يمنح الشرعية للظلم، ولا يبيع كرامته مقابل السلطة أو المكاسب، ولا يساوم على المبادئ من أجل النجاة المؤقتة.
لقد أدرك الإمام الحسين(ع) أن البيعة ليزيد لم تكن مجرد إجراء سياسي، بل كانت اعترافًا بشرعية نظامٍ قام على الظلم والفساد، وانتهاك حقوق الناس، وإسكات صوت الحق. لذلك رفض أن يمنح هذا الواقع غطاءً أخلاقيًا، ولم يقبل تسويةً تُشرعن الباطل، ولا مساومةً تُفرّط في الحق، ولا استسلامًا يُهدر كرامة الإنسان. وقد أثبت بدمه أن هناك مبادئ لا تُباع ولا تُشترى، ولا يجوز التنازل عنها مهما كان الثمن.
من هنا، جاءت عالمية عاشوراء. فكربلاء ليست حدثًا انتهى في سنة 61 للهجرة، بل مدرسةٌ متجددة لكل الأزمنة. ويزيد ليس مجرد شخصية تاريخية، بل رمز لكل سلطة مستبدة تتجرد من العدالة، وتستبيح حقوق الإنسان، وتفرض إرادتها بالقوة والقهر والفساد.
واليوم، لا يخلو عالمنا من يزيديي هذا العصر. فكل قوة تمارس الاحتلال، أو الاستعمار، أو العدوان، أو تفرض هيمنتها على الشعوب، أو تدعم الظلم، أو تصادر إرادة الأمم، إنما تسير في الطريق نفسه الذي مثّله يزيد. كما أن سياسات الاستكبار العالمي التي تسعى إلى إخضاع الشعوب الحرّة وفرض إرادتها بالقوة السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية، تمثل تحديًا أخلاقيًا أمام كل إنسان يؤمن بالعدالة والكرامة.
إنّ رسالة عاشوراء لا تدعو إلى الكراهية، بل تدعو إلى المسؤولية. ولا تدعو إلى الخضوع للأمر الواقع، بل إلى رفض الظلم وعدم منحه الشرعية. وهي تؤكد أن مقاومة الاستبداد، والدفاع عن حقوق الإنسان، والوقوف إلى جانب المظلومين، ليست مسؤولية أتباع دين بعينه، بل مسؤولية كل إنسان حُرّ.
ولهذا لم يعد الإمام الحسين(ع) رمزًا للمسلمين وحدهم، بل أصبح رمزًا عالميًا لكل مَن يؤمن بأن الكرامة الإنسانية فوق كل سلطة، وأن العدالة أغلى من المصالح، وأن الحرّية لا تُشترى ولا تُباع.
وستبقى كلمته الخالدة: «مثلي لا يُبايع مثل يزيد» نداءً يتردد في ضمير الإنسانية، يُذكّر الأحرار في كل زمان ومكان بأن واجبهم هو ألّا يمنحوا الشرعية للطغيان، وألّا يستسلموا ليزيديي العصر، وألّا يسمحوا لقوى الاستكبار والهيمنة بأن تنتزع منهم الحق والكرامة والحرّية.