بمناسبة اليوم العالمي للتصوير

الصورة الفوتوغرافية في زمن الحرب.. ذاكرة بصرية توثّق الحقائق

تصبح الصورة، إذا امتلكت قوة التعبير وصدق اللحظة، وثيقة تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

منذ ظهور التصوير الفوتوغرافي، لم تعد الصورة مجرد وسيلة لتسجيل اللحظة، بل أصبحت أداة لحفظ الذاكرة وتوثيق التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وتزداد أهمية التصوير في أوقات الحروب، حيث تتحول الكاميرا إلى شاهد بصري على الأحداث، ويصبح المصور جزءاً من عملية توثيق التاريخ ونقل آثار الصراع إلى الأجيال اللاحقة.

 

وفي التجربة الإيرانية، اكتسب التصوير الحربي أهمية خاصة خلال الحرب المفروضة، إذ أسهم المصورون في تسجيل مشاهد الجبهات وحياة المقاتلين ومعاناة المدنيين، وحفظوا عبر عدساتهم جزءاً مهماً من الذاكرة البصرية لتلك المرحلة.

 

وتتجدد أهمية هذه الوظيفة اليوم مع اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، الذي يمثل مناسبة للتذكير بالدور الذي تؤديه الصورة في بناء الذاكرة الإنسانية. وفي زمن الأزمات، قد تتجاوز الصورة حدود الخبر لتصبح وثيقة ثقافية قادرة على التأثير في الوعي العام، وإيصال مشاعر الألم والفقد والإنسانية إلى جمهور يتجاوز حدود المكان واللغة.

 

صورة ميناب.. ذاكرة بصرية للفاجعة

 

هناك صورة عن مقبرة أطفال مدرسة الشجرة الطيبة في مدينة ميناب جنوب إيران، أصبحت عالمية، وهي لقطة جوية لمراسم تشييع ودفن تلاميذ المدرسة، إلتقطها المصور مرتضى آخوندي.

 

تقدم هذه الصورة نموذجاً معاصراً لقوة التصوير الصحفي في بناء الذاكرة الجماعية. فمن زاوية جوية، تظهر صفوف القبور الصغيرة المحفورة في أرض مفتوحة، بينما تحيط بها حشود كبيرة من المشيعين المرتدين السواد.

 

ويمنح التكوين الهندسي للقبور المشهد تأثيراً بصرياً قوياً؛ فالتكرار المنتظم للحفر يحول المكان إلى صورة تختزل فقدان الأطفال وحجم الفاجعة.

 

وانتشرت الصورة على نطاق واسع في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وتحولت إلى رمز بصري لمظلومية الضحايا. كما حازت، وفق المعطيات الواردة في الخبر، المركز الأول في فئة التصوير الصحفي ضمن جوائز غولدن شوت للتصوير الفوتوغرافي لعام 2026، في مسابقة دولية شاركت فيها أعمال لمصورين من مختلف أنحاء العالم.

 

 

العلم المضرّج بالدم.. رمز للضحية

 

أما الصورة الثانية التي انتشرت على المواقع التواصل الإجتماعي، هي لقطة من مسيرة يوم القدس العالمي في طهران، تُظهر العلم الإيراني مضرّجاً بدماء امرأة صائمة استشهدت خلال العدوان الصهيو- أمريكي على المسيرة.

 

 

تقدم الصورة الثانية سرداً بصرياً مختلفاً، إذ تجمع بين الرمز الوطني وأثر العدوان في إطار واحد. ولا تقتصر وظيفتها على تسجيل واقعة محددة، بل تفتح مساحة للتأمل في مفاهيم الشهادة والهُويّة والذاكرة والإنتماء. فالدم على العلم يحول الرمز الوطني إلى شاهد على الشهادة، ويمنح الصورة قدرة على مشهد أوسع من تفاصيل الحدث.

 

 

ومن منظور ثقافي، تكمن قوة هذه الصور في قدرتها على تحويل الألم الفردي إلى ذاكرة مشتركة، وربط التجربة المحلية بسياق إنساني أوسع. فالمصور لا يسجل ما تراه عينه فقط، بل يساهم، من خلال اختياره للزاوية واللحظة والتكوين، في تحديد الطريقة التي سيُستعاد بها الحدث في الذاكرة.

 

 

التصوير الصحفي

 

يبقى التصوير الصحفي في زمن الحرب أكثر من ممارسة مهنية؛ إنه مسؤولية ثقافية وتاريخية تحفظ أثر الإنسان وتقاوم النسيان. وقد تصبح صورة واحدة، إذا امتلكت قوة التعبير وصدق اللحظة، وثيقة تتجاوز حدودها الجغرافية لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

المصدر: الوفاق