إيران تنتقل من الأقمار الاصطناعية المنفردة إلى الشبكات الفضائية

الوفاق/ تتحرّك صناعة الفضاء الإيرانية، من خلال تطوير الأقمار الاصطناعية للاتصالات، ومنظومات الأقمار الاصطناعية، والبنى التحتية للإطلاق، من مرحلة تصنيع الأقمار الاصطناعية المنفردة نحو تقديم خدمات شبكية. ودخلت صناعة الفضاء الإيرانية خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة؛ لم يعد الهدف فيها يقتصر على تصنيع قمر اصطناعي واحد وإطلاقه، بل بات يتمثل في إنشاء سلسلة متكاملة تضم الأقمار الاصطناعية، ومركبات الإطلاق، والمحطات الأرضية، والخدمات القائمة على البيانات. ويُعدّ تطوير القمر الاصطناعي للاتصالات «ناهيد ٣»، وتصميم منظومة «الشهيد سليماني» ضيقة النطاق، وتصنيع الأقمار الاصطناعية للاستشعار عن بُعد والرصد الراداري، وتطوير وحدات النقل المداري، ومواصلة إنشاء قاعدة تشابهار الفضائية، أبرز محاور هذا المسار.

تجاوز مرحلة الأقمار الاصطناعية المنفردة

 

تنتقل صناعة الفضاء الإيرانية من هيكل يغلب عليه الطابع البحثي والحكومي إلى منظومة تطبيقية واقتصادية. وفي هذا النهج، لم يعد القمر الاصطناعي ومركبة الإطلاق مشروعين مستقلين، بل أصبحا جزءاً من سلسلة لإنتاج البيانات وتقديم الخدمات في مجالات من قبيل الزراعة، وإدارة الموارد المائية، والبيئة، وإدارة الأزمات، والاتصالات.

 

ويتمثل أحد محاور هذا التحول في تطوير البنى التحتية الأرضية الموزعة. فإقامة محطات للتحكم واستقبال البيانات في مناطق مختلفة من البلاد، إلى جانب استخدام المحطات المتنقلة، يقللان الاعتماد على المراكز المركزية، ويعززان قدرة الشبكة الفضائية على الصمود، كما يتيحان الوصول بصورة أسرع إلى الأقمار الاصطناعية والبيانات المدارية.

 

بالتزامن مع ذلك، يمهّد تطوير مركبات الإطلاق من عائلتي «قائم» و«سيمرغ»، والانتقال نحو تقنية الحقن المتعدد، لتوفير المتطلبات اللازمة لنشر منظومات الأقمار الاصطناعية. وفي الحقن المتعدد، توضع عدة أقمار اصطناعية في المدار باستخدام مركبة إطلاق واحدة وفي مهمة واحدة؛ وهي طريقة يمكن أن تسهم في خفض كلفة إنشاء المنظومات واختصار المدة اللازمة لذلك.

 

«ناهيد ٣»؛ الخطوة التالية في مجال الأقمار الاصطناعية للاتصالات

 

أُدرج القمر الاصطناعي «ناهيد ٣» ضمن برنامج إيران لتطوير الأقمار الاصطناعية للاتصالات. ومن المقرر أن يتمتع هذا القمر بقدرات اتصالية أكثر تقدماً مقارنة بالأجيال السابقة، وأن يُستخدم في إطار المسار الرامي إلى بلوغ مدارات أعلى.

 

ويُعدّ تطوير أجهزة إعادة الإرسال للاتصالات، وأنظمة الدفع، وأنظمة التحكم بالوضعية، والمعدات المقاومة للإشعاعات، من أبرز المتطلبات التقنية لهذا المشروع. ومع ذلك، لا يزال «ناهيد ٣» في مرحلة التصميم والتصنيع، ولم يُعلن بعد عن الموعد الدقيق لإطلاقه أو وضعه التشغيلي النهائي.

 

وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه يمكن أن يشكل جزءاً من مسار انتقال إيران من الاتصالات الفضائية المحدودة إلى تقديم خدمات اتصالات أوسع نطاقاً وأكثر استقراراً.

 

 

منظومة «الشهيد سليماني»؛ اتصالات ضيقة النطاق ونقل بيانات محدودة الحجم

 

صُممت منظومة «الشهيد سليماني» بهدف تقديم خدمات اتصالات ضيقة النطاق ونقل بيانات محدودة الحجم. ويمكن استخدام هذه المنظومة للاتصال بأجهزة الاستشعار والمعدات المنتشرة في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية الأرضية.

 

وتشمل الاستخدامات المعلنة لهذه المنظومة مراقبة خطوط النفط والغاز والمياه، ونقل رسائل الطوارئ، ورصد الغابات والمراعي، واستقبال البيانات من المناطق المعرضة للكوارث.

 

ووفقاً لأحدث الخطط، تضم المرحلة الأولى من المشروع ٢٤ قمراً اصطناعياً؛ ١٨ قمراً تشغيلياً و٦ أقمار احتياطية. ويتمثل الهدف القريب للمشروع في إطلاق المجموعة الأولى من الأقمار الاصطناعية واختبار وضع ثلاثة أقمار في المدار بصورة متزامنة باستخدام مركبة إطلاق واحدة.

 

ومع استكمال هذه المرحلة، ستنتقل صناعة الفضاء الإيرانية من تصنيع الأقمار الاصطناعية المنفردة إلى إنشاء شبكة من الأقمار الصغيرة والمنسقة. غير أن هذه المنظومة تركز في مرحلتها الأولى على الاتصالات ضيقة النطاق وإنترنت الأشياء، ولا ينبغي تصنيفها ضمن منظومات تقديم الإنترنت الفضائي عالي السرعة.

 

تطوير أقمار التصوير والرصد الراداري

 

في مجال الاستشعار عن بُعد، تواصل إيران، إلى جانب تطوير أقمار التصوير البصري، العمل على تطوير الأقمار الاصطناعية الرادارية. وتتيح الأقمار المجهزة بتقنية رادار الفتحة الاصطناعية، أو «SAR»، التصوير في الظروف الغائمة وحتى خلال الليل، خلافاً لأقمار التصوير البصري.

 

وقد جرى تقديم «رادار ١» بوصفه أول قمر اصطناعي راداري مصنوع في إيران، غير أن الموعد الدقيق للكشف عنه أو إطلاقه لا يزال مرتبطاً بإعلان رسمي. كما يندرج تطوير نموذج أكثر تقدماً، هو «رادار ٢»، ضمن الخطط المستقبلية.

 

وبالتوازي مع هذه المشاريع، يجري العمل على قمري التصوير «بارس ٢» و«بارس ٣» بهدف رفع دقة التصوير وتعزيز القدرة على رصد الأراضي. ويمكن أن يؤدي دمج البيانات البصرية والرادارية إلى توسيع استخدامات صناعة الفضاء في مجالات الإدارة الزراعية، ومراقبة تغيّر استخدامات الأراضي، وإدارة الأزمات، والاستكشافات التعدينية.

 

البيانات الفضائية في خدمة إدارة البلاد

 

لا تقتصر قيمة صناعة الفضاء على تصنيع الأقمار الاصطناعية وإطلاقها؛ بل يتمثل الجزء الأهم في تحويل البيانات الخام إلى معلومات قابلة للاستخدام.

 

وتتيح منصات مثل «النافذة الموحدة للأرض»، من خلال جمع الصور الفضائية ومعالجتها، للأجهزة التنفيذية مراقبة الأراضي، ورصد التغيرات غير القانونية في استخداماتها، والتصدي للاستيلاء على الأراضي، ومتابعة الوضع البيئي. كما يمكن استخدام البيانات الفضائية، بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي وأساليب معالجة الصور، لتقدير المساحات المزروعة، ومراقبة الآفات، والتنبؤ بالجفاف، وإدارة الموارد المائية، وتحديد المناطق الواعدة للاستكشافات التعدينية.

 

وفي هذا السياق، تتواصل الجهود لإنشاء «البوابة الجغرافية الفضائية» أو «جيو بورتال»، بهدف تسهيل وصول المؤسسات الحكومية وقطاع الأعمال والمواطنين إلى الصور والخدمات الفضائية.

 

دبلوماسية البيانات والموارد المائية

 

يمكن أن تؤدي الصور الفضائية دوراً في إدارة الموارد المائية ودراسة أحواض الأنهار المشتركة. كما يوفّر رصد أوضاع الثلوج والسدود والأنهار والغطاء النباتي في مناطق مختلفة معلومات مهمة للتخطيط الداخلي ودراسة القضايا المرتبطة بالموارد المائية المشتركة.

وفي المجال الزراعي، يتيح تقدير المساحات المزروعة والتنبؤ بنقص المحاصيل أو فائضها وضع خطط أكثر دقة للإنتاج والاستيراد والتصدير. كذلك يمكن أن يسهم الكشف المبكر عن بؤر انتشار الآفات في منع وقوع أضرار واسعة في الحقول والبساتين.

 

مسار الوصول إلى المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض

 

يُعدّ الوصول إلى المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض، على ارتفاع يقارب ٣٦ ألف كيلومتر عن سطح الأرض، أحد الأهداف الطويلة الأمد لصناعة الفضاء الإيرانية. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تطوير عدة تقنيات بالتزامن، من بينها:

 

  • أقمار اصطناعية للاتصالات مقاومة للإشعاعات

 

  • وحدات نقل مداري قادرة على تصحيح المسار

 

  • أنظمة دفع دقيقة

 

  • مركبات إطلاق قادرة على حمل حمولات ثقيلة

 

وفي هذا المسار، أُدرج تطوير وحدات النقل المداري من عائلة «سامان» ومركبات الإطلاق الأكثر تقدماً ضمن جدول الأعمال. غير أن الوصول إلى المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض مشروع معقد ومتعدد المراحل، وستعتمد جدولتُه الزمنية على نتائج الاختبارات التقنية والتشغيلية.

 

التحديات الرئيسية

 

رغم التقدم المُعلن، تواجه صناعة الفضاء الإيرانية عدداً من التحديات. وتتمثل أبرزها في تعقيد التقنيات الفضائية، وطول فترة الاختبارات، وارتفاع كلفة تطوير مركبات الإطلاق والأقمار الاصطناعية، والحاجة إلى استثمارات مستدامة. كما أن دخول القطاع الخاص سيظل صعباً من دون إنشاء سوق مضمونة للخدمات الفضائية. ويمكن أن يسهم الشراء المضمون للصور الفضائية وسعة النطاق، والشراء المسبق للخدمات، ودعم الشركات القائمة على المعرفة، في خفض مخاطر الاستثمار في المشاريع الفضائية.

 

من جهة أخرى، تكتسب قضايا مثل استقرار الأقمار الاصطناعية في المدار، وإدارة حركة المرور الفضائية، وخفض كلفة الإطلاق، وتطوير الاتصالات بين الأقمار الاصطناعية، أهمية متزايدة مع توسع المنظومات الفضائية.

 

الخلاصة:

 

تنتقل صناعة الفضاء الإيرانية من مرحلة إثبات القدرات إلى مرحلة تطوير الخدمات الفضائية. وتشكل «ناهيد ٣»، ومنظومة «الشهيد سليماني»، والأقمار الاصطناعية الرادارية، ووحدات النقل المداري، وقاعدة تشابهار الفضائية، المكونات الرئيسية لهذا المسار.

 

ويرتبط نجاح هذه البرامج بإنشاء سلسلة متكاملة تبدأ بالتصميم والتصنيع، وتستمر عبر الإطلاق والتحكم المداري، وصولاً إلى تقديم خدمات فاعلة في مجالات الاتصالات، والزراعة، والموارد المائية، والبيئة، وإدارة الأزمات، والاقتصاد الرقمي.

 

وفي هذا التصور، لم تعد الأقمار الاصطناعية أدوات مستقلة في المدار، بل أصبحت عُقداً ضمن شبكة فضائية قادرة على إنتاج البيانات، وتحسين دقة عملية صنع القرار، وتحويل صناعة الفضاء إلى جزء من البنية التحتية لتنمية البلاد.

 

 

المصدر: الوفاق