بمناسبة الذكرى الـ 25 لتأسيس منظمة شنغهاي

الفرص الدبلوماسية لطهران في بيشكيك

الوفاق/ في 15 يونيو/ حزيران 2001م، أسّست الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان واحدة من أهمّ المنظمات المتعددة الأطراف في منطقة أوراسيا؛ وهي المنظمة التي تعقد اليوم الثلاثاء (1 سبتمبر 2026) في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان، قمتها السادسة والعشرين بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتأسيس هذه المنظمة الإقليمية، التي تضمّ حالياً 10 أعضاء رئيسيين، من بينهم إيران.

شعار هذه القمة هو «25 عاماً على منظمة شنغهاي للتعاون.. معاً من أجل السلام والتنمية والرفاه المستدام»، وتكتسب وزناً وثقلاً بالغ الأهمية بحضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف، بالإضافة إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

 

 

تمثل هذه المنظمة الإقليمية المتعددة الأطراف حالياً أكثر من 4/3 مليار نسمة (حوالي 40% من سكّان العالم) وما يقارب 25% إلى 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

 

 

ووصل رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الدكتور مسعود بزشكيان، أمس الإثنين (31 أغسطس/ آب)، إلى قرغيزستان للمشاركة في هذه القمة. وتأتي هذه الزيارة بعد أسبوع واحد من إعلان موجة جديدة من الحظر والضغوط الاقتصادية من قبل واشنطن، وبالتزامن مع استمرار العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران، حيث يمكن أن توفر فرصة للدبلوماسية النشطة لطهران لاقتناص فرص جديدة بهدف إحباط الضغوط العدوانية الأمريكية.

 

 

وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد زار قرغيزستان في تموز/ يوليو للمشاركة في اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون. وأكد عراقجي، في كلمته أمام وزراء خارجية الدول الأعضاء، مشيراً إلى ضرورة «الانتقال من التعاون السياسي والأمني السائد نحو شراكة شاملة اقتصادية وتكنولوجية ومتمحورة حول التنمية»، قائلاً: إن «الصمت والمواقف المزدوجة والضبابية إزاء الهجوم على إيران يشجع المعتدين على تكرار الجريمة».

 

 

وشدد عراقجي قائلاً: «في هذا المسار، من الضروري -عبر تعزيز التضامن والتعاون- ألّا نسمح بأن يحل العدوان محل الدبلوماسية، وأن تحل القوة محل الحق والقانون، وأن تحل المعايير المزدوجة محل العدالة. إن بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وعدالة لا يمكن أن يتحقق إلا عندما ندافع جميعاً بصوت واحد عن سيادة القانون، والمساواة بين الدول، واحترام استقلال البلدان، وكرامة الشعوب. وبإمكان منظمة شنغهاي للتعاون، بل يجب عليها، أن تقف في الخط الأمامي لهذه المسؤولية التاريخية».

 

 

تعزيز روح شنغهاي

 

 

وكتب الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي وصل إلى بيشكيك أمس الإثنين، في مقال لوسائل الإعلام القرغيزية حول أهمية قمة منظمة شنغهاي للتعاون لهذا العام: إن «روح شنغهاي تجاوزت المفاهيم البالية مثل صراع الحضارات، وعقلية الحرب الباردة، وفكرة اللعبة الصفرية… والصين مقتنعة بأن هذه القمة ستوفر قوة دافعة جديدة لدفع روح شنغهاي قدماً وبناء مجتمع شنغهاي ذي مستقبل مشترك».

 

 

ويقول مدير مركز الأبحاث التحليلية لمراقبة أوراسيا، علي بيك تاجيباييف، لصحيفة «غلوبال تايمز» الصينية: إن «هذه القمة ليست مجرد اجتماع تذكاري بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيس المنظمة، بل يمكن أن تمثل نقطة تحول في انتقال المنظمة نحو هيكل تعاون أكثر عملية وتنفيذية؛ حيث تنتقل ملفات الأمن والاقتصاد والعلاقات المالية والربط الترانزيتي من نطاق الاتفاقيات العامة نحو التطبيق والتنفيذ العيني الملموس. وفي ظل الظروف التي يشهد فيها الاقتصاد العالمي حالة من التشرذم والتفكك، واحتدام التنافس الجيوسياسي، وتراجع الثقة في مؤسسات الحوكمة العالمية، تصبح المؤسسات التي تتحاور فيها الدول على أساس المساواة واحترام السيادة أكثر قيمة وأهمية».

 

 

ويصرح المدير السابق لمركز أبحاث مجلس الشؤون الدولية الروسي، أندريه كورتونوف، لصحيفة «غلوبال تايمز»: «في عالم تتزايد فيه الفوضى والاضطرابات وحالة عدم اليقين وصعوبة التنبؤ، تظل منظمة شنغهاي للتعاون واحة وجزيرة للاستقرار. وبالنسبة لمنظمة تضم هذا العدد المتنوع من الدول، فإن درجة عالية من البراغماتية والواقعية تُعدّ أمراً ضرورياً للتوفيق بين المصالح المتباينة».

 

 

الفرص الدبلوماسية لشنغهاي في زمن الحرب

 

 

إن حضور الرئيس بزشكيان في بيشكيك، بالتزامن مع تشديد الضغوط الاقتصادية وإجراءات الحظر الثانوية الأمريكية، يخلق مجالاً لكسر محاولات الحصار الدبلوماسي وتعزيز مواقف التعددية القطبية.

 

 

كما أن بيانات ومواقف شنغهاي الرافضة للأحادية وإجراءات الحظر الخارجة عن إطار ميثاق الأمم المتحدة، توفر في ظل العدوان العسكري الأمريكي والضغوط التي تمارسها واشنطن على دول العالم لقطع العلاقات التجارية والمالية مع طهران، مظلة حماية ومشروعية دبلوماسية ودولية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

 

ويتمثل أحد جداول الأعمال الرئيسية لقمة هذا العام في دفع مسار تأسيس «بنك التنمية لمنظمة شنغهاي للتعاون». وتعدّ إيران من الأعضاء الذين يتابعون بحزم إطلاق هذه المؤسسة المالية لتتمكن من خلالها من الاستفادة من الآليات والحلول المالية البديلة (بما في ذلك اليوان والروبل) بغية تقليص الاعتماد للنظام المالي المرتكز على الدولار.

 

 

وفي الوقت نفسه، تسعى روسيا أيضاً لتعميق العلاقات الاقتصادية والأمنية مع القوى الآسيوية لإحباط الضغوط الغربية وإبطال مفعولها. وتشكل اللقاءات الثنائية لبوتين مع مسعود بزشكيان وشي جين بينغ على هامش قمة بيشكيك محوراً لهذه الدبلوماسية.

 

 

لقد تعرضت كل من طهران وموسكو في السنوات الأخيرة لضغوط غربية، ولهذا السبب يمكن لمنظمة شنغهاي للتعاون أن تخلق فرصة فريدة لهما لتعزيز اقتصادهما في حقبة الحظر والضغوط الغربية، عبر توطيد العلاقات مع القوى الآسيوية الصاعدة والأسواق الجديدة في آسيا الوسطى وجنوب آسيا.

 

 

وصرح الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون، نورلان يرميكباييف، في مقابلة خاصة مع مجموعة الصين للإعلام قبيل هذه القمة: «يجمع وزراء خارجية منظمة شنغهاي على أن فرض العقوبات والحظر الأحادي المنتهك لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي أمر غير مقبول. ولا ينبغي السماح في العلاقات الدولية المعاصرة باللجوء إلى الضغوط أو سياسة القوة أو الإنذارات النهائية، ويجب حل وتسوية كافة القضايا عبر التفاوض والدبلوماسية».

 

 

تحظى طهران بفرص استثنائية للتعاون الترانزيتي والتجاري مع دول منطقة آسيا الوسطى، وأوراسيا، وجنوب آسيا، وشرق آسيا عبر منظمة شنغهاي للتعاون. وتعدّ القمة فرصة لدراسة ودفع خطط إيران الرامية لاستكمال ممر الشمال – الجنوب، وهو مسار ترانزيتي يمتد بطول 7200 كيلومتر من سانت بطرسبرغ إلى مومباي عبر إيران وموانئ الخليج الفارسي والمحيط الهندي. ويُعتبر المسار الإيراني في الوقت ذاته أفضل مسار لربط دول آسيا الوسطى الأربع بالمياه الدافئة.

 

 

ومع ذلك، يرى العديد من المحللين أن العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون لا تخلق حصانة مطلقة لإيران، بل تُعدّ بمثابة مسكّن لتنويع بوابات التجارة والشركاء الدوليين لإيران ومكملاً لعلاقات طهران مع بقية دول العالم. وفي هذا السياق، كتب الباحث في مركز «ميد إيست استراتيجيا»، ناصر التميمي، على منصة «إكس»: «تمنح منظمة شنغهاي للتعاون إيران عمقاً استراتيجياً؛ لكنها لا تحقق لها حصانة اقتصادية. يمكن لشنغهاي أن تساعد طهران على التكيف مع الظروف الجديدة، والتنويع، والاستمرار، غير أنها لا تستطيع إبطال قوة النظام المالي المتمحور حول الولايات المتحدة».

 

 

نحو نظام متعدد الأطراف

 

 

نجحت منظمة شنغهاي للتعاون، طوال ربع قرن من نشاطها، في تقديم نموذج فريد للتعاون الإقليمي والدولي كنموذج بديل للنظام الخاضع للهيمنة الأمريكية.

 

 

وكتب أستاذ الدبلوماسية في جامعة جواهر لال نهرو بنيودلهي، سواران سينغ، في مجلة «ذا دبلومات»: «يُظهر تقييم منظمة شنغهاي بعد 25 عاماً أنها أوجدت هيكلاً فريداً لمأسسة التعايش دون اندماج وتطابق كامل. لم تعالج شنغهاي فجوة الثقة بين الأعضاء، بل أدارتها ووجهتها تحت غطاء الدبلوماسية والبيروقراطية. وتكمن القوة الحقيقية لشنغهاي في أن المنافسين الاستراتيجيين تعلموا كيف يتعايشون جنباً إلى جنب دون ثقة متبادلة، ودون أن يقطعوا قنوات الحوار».

 

 

ورغم أنه لا يمكن توقع أن تشكل قمة بيشكيك عاملاً لتحول خارق للعادة في تعزيز السلم والأمن في الشرق الأوسط، إلا أن هذا الاجتماع يوفر أرضية حيوية وفريدة للدبلوماسية المتوازنة، والتموضع الفاعل في ممرات الترانزيت الأوراسية، وتثبيت مكانة البلاد في المعادلات المتعددة الأقطاب في العالم.

 

 

وفي الوقت ذاته، تمثل القمة السادسة والعشرون لقادة منظمة شنغهاي للتعاون فرصة لطهران لتُظهر -في ذروة الضغوط الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية- أنها تحظى بالدعم والإسناد الدبلوماسي والسياسي من القوى العالمية في الشرق، وأن المساعي الرامية لفرض العزلة الدبلوماسية على إيران قد باءت بالفشل.

 

 

 

المصدر: الوفاق