لم تعد أفريقيا بالنسبة إلى كيان الاحتلال مجرد ساحة دبلوماسية لكسر العزلة أو سوقاً للسلاح والتكنولوجيا. فمن القرن الأفريقي إلى منطقة البحيرات العظمى ووسط القارة، تتشكل شبكة متنامية من العلاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، تمتد عبر مناطق ذات مواقع استراتيجية تمسّ الأمن القومي العربي مباشرة.
من أرض الصومال وإثيوبيا شرقاً، مروراً بأوغندا ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية، وصولاً إلى أفريقيا الوسطى والكاميرون، تتكاثر نقاط الحضور الصهيوني. وقد لا تشكل هذه التحركات مشروعاً معلناً واحداً، لكنها تتقاطع في اتجاه واضح: بناء حضور طويل الأمد في مناطق تتحكم بممرات استراتيجية وموارد طبيعية وملفات حساسة، من البحر الأحمر ومياه النيل إلى الصراعات في السودان والكونغو. وبينما ينشغل العالم العربي بأزماته، يتحرك كيان الاحتلال في محيطه الاستراتيجي لتثبيت مواقع حضور يصعب تجاهلها.
من «حلف الأطراف» إلى «الحزام االصهيوني»
ليست فكرة تطويق العالم العربي من خارج حدوده جديدة في العقل الاستراتيجي الصهيوني. فمنذ عهد ديفيد بن غوريون، سعى كيان الاحتلال إلى بناء علاقات مع دول تقع على أطراف العالم العربي، بما يسمح له بتجاوز عزلته الجغرافية والسياسية.
كانت إثيوبيا وأوغندا وكينيا ورواندا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية وغيرها جزءاً من هذه الرؤية بدرجاتٍ مختلفة. لكن ما تغيّر اليوم هو الأدوات وحجم المصالح وتشابكها. فلم يعد كيان الاحتلال يعتمد على العلاقات الدبلوماسية وحدها، بل يستخدم السلاح والتدريب الأمني والاستخبارات والتكنولوجيا والزراعة والطاقة والاستثمارات لبناء حضور طويل الأمد.
وهكذا ينتقل المشروع من «حلف أطراف» إلى ما يمكن تسميته «الحزام الصهيوني»: شبكة علاقات واسعة تتقاطع فيها المصالح الصهيونية مع مصالح قوى إقليمية ودولية أخرى. وتقترب هذه الشبكة تدريجياً من ملفات تمسّ الأمن القومي العربي، وفي مقدّمها أمن البحر الأحمر ومياه النيل والممرات التجارية».
أوغندا.. نقطة ارتكاز في شرق أفريقيا
تحتل أوغندا موقعاً مهماً في هذه المعادلة. فالعلاقة مع كيان الاحتلال تعود إلى عقود، لكنها اكتسبت في السنوات الأخيرة أبعاداً أمنية وسياسية أكثر وضوحاً. وتعكس رغبة الطرفين في تقديم العلاقة باعتبارها شراكة تاريخية تتجاوز المصالح الآنية، خصوصاً مع أهمية أوغندا في جنوب السودان والكونغو الديمقراطية ومنطقة البحيرات العظمى.
أما نظام الرئيس يوويري موسيفيني، فيجد في العلاقة مع كيان الاحتلال مصدراً للتعاون السياسي والعسكري والتكنولوجي، فضلاً عن كونها جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات مع الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.
ويكتسب الأمر بعداً إضافياً مع بروز نجله موهوزي كاينيروغابا في المشهد السياسي والعسكري. فالعلاقة بين كيان الاحتلال وأوغندا لا تبدو مرتبطة بشخص موسيفيني وحده، بل يجري العمل على ضمان استمرارها مع القيادة المقبلة.
بوروندي والكونغو.. الاقتراب من قلب القارة
إذا كانت أوغندا تمثل إحدى نقاط الارتكاز في شرق أفريقيا، فإن بوروندي تفتح مجالاً أوسع نحو منطقة البحيرات العظمى والكونغو الديمقراطية.
يقدم كيان الاحتلال لبوروندي تعاوناً في مجالات متعددة، من الدفاع والطاقة إلى الزراعة والصحة والتعليم، بما يسمح له ببناء حضور داخل قطاعات حيوية من الدولة. لكن أهمية بوروندي لا تتوقف عند حدودها، فهي تقع في منطقة شديدة الحساسية، وتتداخل حدودها ومصالحها مع رواندا والكونغو الديمقراطية.
أما الكونغو الديمقراطية، فتشكل بحد ذاتها هدفاً بالغ الأهمية لأي قوة تسعى إلى التمركز في أفريقيا. فالثروات المعدنية الهائلة والصراعات المسلحة والموقع الجغرافي تجعل البلاد واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي في القارة.
غزة تدخل إلى قلب اللعبة الأفريقية
الأخطر في تطور العلاقات الصهيونية مع بعض الدول الأفريقية هو انتقالها من التعاون الثنائي إلى احتمال إشراك قوات أفريقية في ترتيبات أمنية مرتبطة بقطاع غزة. فمشاركة قوات أفريقية في قوة دولية داخل القطاع، إن حصلت، لن تكون مجرد مهمة أمنية عابرة، بل ستعني دخول جيوش أفريقية إلى قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في غرب آسيا.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية صارخة: القارة التي خرجت منها حركات تحرر كبرى ضد الاستعمار، والتي عرفت شعوبها معنى الاحتلال والتهميش، قد تجد بعض حكوماتها نفسها جزءاً من ترتيبات أمنية مرتبطة بإدارة واقع جديد في فلسطين.
لكن تفسير هذه المفارقة يكمن في طبيعة الأنظمة نفسها. فالحكومات التي تحتاج إلى السلاح والتمويل والدعم الدولي قد تضع حسابات بقائها فوق المواقف الشعبية أو التاريخية. وعندما يصبح كيان الاحتلال بوابة إلى التكنولوجيا والتدريب والدعم السياسي، تتحول القضية الفلسطينية بالنسبة إلى بعض العواصم من قضية مبدئية إلى ورقة في سوق المصالح.
إثيوبيا.. عقدة النفوذ الصهيوني في شرق أفريقيا
لا يمكن فصل التمدد الصهيوني في أفريقيا عن التحولات التي أعادت رسم موازين القوى في القارة. وتبرز إثيوبيا مركزاً ثقيلاً في شرق أفريقيا، فيما تكتسب المنطقة أهمية دولية متزايدة بفعل موقعها على طرق التجارة والملاحة.
ويتحرك كيان الاحتلال عبر أدوات متداخلة تشمل التكنولوجيا والتعاون الأمني والعسكري والاستخبارات والاستثمارات، مقابل تأثير متزايد داخل دول ومناطق ذات أهمية استراتيجية. والهدف لا يبدو اقتصادياً فقط، بل يرتبط ببناء حضور قادر على التأثير في موازين القوى المحيطة بالعالم العربي.
وهكذا تتحول أفريقيا إلى ساحة تنافس على النفوذ والموانئ والموارد والمياه والطرق التجارية، فيما يحاول كيان الاحتلال تثبيت موطئ قدم متقدم في محيط استراتيجي يمسّ الأمن القومي العربي مباشرة.
الطوق يضيق والعرب غائبون
ختاماً، المسألة لم تعد في علاقات كيان الاحتلال بدول أفريقية هنا أو هناك، بل في تراكم حضور يتشكل داخل جغرافيا مترابطة تمسّ الأمن القومي العربي مباشرة. فحين تتقاطع المصالح الصهيونية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووسط القارة، تتحول المواقع المتفرقة إلى شبكة علاقات قادرة على التأثير في الممرات والمياه والموارد وموازين القوى.
ينظر كيان الاحتلال إلى أفريقيا باعتبارها امتداداً لأمنه ومصالحه، بينما لا يزال التعامل العربي معها أقرب إلى رد الفعل. لذلك، فالخطر ليس في اتساع النفوذ الصهيوني وحده، بل في غياب رؤية عربية تدرك أن الطوق حين يكتمل، يصبح كسره أصعب بكثير من منعه.