زلزال اليمين المتطرف في ألمانيا

«البديل» يطرق أبواب السلطة ويهزّ «حائط الأمان» الألماني

تكشف نتائج الانتخابات اتساع الفجوة بين اليمين الصاعد والأحزاب التقليدية في ألمانيا، في ظل تحولات واضحة في مزاج الناخبين وتراجع الثقة بالأداء السياسي

لم تنتظر ألمانيا طويلاً لتكتشف حجم الصدمة التي أحدثتها نتائج انتخابات سكسونيا أنهالت. فبعد ساعات من تصدر حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الانتخابات في الولاية الواقعة شرقي البلاد، خرج آلاف المحتجين إلى شوارع برلين، رافعين شعارات تندد بالحزب وتحذر من عودة التطرف إلى قلب الحياة السياسية الألمانية.

 

لكن المشهد الأبرز لم يكن في الشارع، بل داخل صناديق الاقتراع. فقد حصل الحزب على نحو 44%  من الأصوات، ليحقق نتيجة تاريخية ويصبح القوة السياسية الأكبر في الولاية، مقتربًا من تشكيل حكومة محلية للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

إنها، بكل المقاييس، ليست مجرد نتيجة انتخابية عابرة، بل زلزال سياسي يعيد طرح سؤال ظل محرماً تقريباً في ألمانيا: ماذا لو أصبح اليمين المتطرف شريكاً في الحكم؟

 

39 مقعدًا.. انتصار ناقص

 

رغم الانتصار الكبير، لم يحقق «البديل» ما يكفي لتشكيل حكومة بمفرده. فقد حصل على 39 مقعداً من أصل 83 في برلمان الولاية، أي إنه يحتاج إلى شريك أو إلى دعم نواب من أحزاب أخرى.

 

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية. فالأحزاب الألمانية التقليدية، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، ترفض التعاون مع «البديل» في إطار ما يعرف بـ«حائط الأمان»، وهي سياسة تقوم على عزل الحزب ومنعه من الوصول إلى السلطة عبر التحالفات السياسية.

 

لكن المشكلة أن هذا الحائط يتعرض لضغط متزايد. فكلما ارتفعت شعبية «البديل»، أصبح الحفاظ على عزله أكثر تعقيداً، خصوصاً في الولايات الشرقية التي بات فيها الحزب قوة انتخابية رئيسية.

 

 

«بي.أس.دبليو».. المفتاح في يد اليسار؟

 

المفارقة الأكثر إثارة أن مفتاح تشكيل حكومة يقودها «البديل» قد يكون في يد حزب يقع سياسياً على يسار الخريطة. فـقد تجاوز «تحالف سارا فاغنكنشت» (بي.أس.دبليو) عتبة دخول البرلمان، وأبدى استعداداً للحوار مع جميع الأحزاب، بما فيها «البديل».

 

وعلى الرغم من اختلاف خلفياتهما السياسية، يلتقي الطرفان في عدد من الملفات الحساسة، أبرزها رفض استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين، وانتقاد الدعم الألماني لأوكرانيا، والدعوة إلى إعادة النظر في العلاقات مع روسيا. ولا يعني ذلك أن تحالفاً رسمياً بينهما أصبح أمراً محسوماً. وهنا تكمن المفارقة: الحزب الذي يريد كسر عزلته قد يجد أن أفضل فرصة لذلك تأتي من قوة سياسية لا تنتمي إلى اليمين أصلاً.

 

ميرتس في عين العاصفة

 

ولم تقتصر تداعيات النتيجة على «البديل» وخصومه، بل طالت المستشار فريدريش ميرتس وحزبه أيضًا. وصف ميرتس النتيجة بأنها هزت حزبه «من أساساته»، وتحدث عن «صدمة عميقة»، في مؤشر على أن صعود «البديل» بات يشكل تحديًا مباشرًا للأحزاب التقليدية. وتأتي هذه النتيجة في توقیت بالغ الصعوبة بالنسبة للحكومة الألمانية. فقد أظهرت استطلاعات حديثة تراجع الرضا عن أدائها إلى مستويات قياسية، إذ لم تتجاوز نسبة المؤيدين لأداء الحكومة 10 % في استطلاع حديث، مقابل 88% غير راضين عنها. ولا يستند صعود الحزب إلى ملفي الهجرة وروسيا فقط، بل يستفيد أيضًا من الغضب المتزايد تجاه أداء الحكومة والاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات الاجتماعية.

 

لماذا ينجح «البديل» في الشرق الألماني؟

 

لا يمكن تفسير الصعود الانتخابي للحزب فقط من خلال الهجرة أو الحرب في أوكرانيا. فولايات ألمانيا الشرقية تحمل إرثاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً مختلفاً عن غرب البلاد، وهناك شعور متراكم لدى قطاعات من السكان بأنهم لم يستفيدوا بما يكفي من التحولات التي رافقت إعادة توحيد ألمانيا. ويستثمر «البديل» في هذا الشعور، مقدماً نفسه بوصفه صوتاً للناخب الغاضب من المؤسسة السياسية. أما الأحزاب التقليدية، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة: كلما ركزت على عزل «البديل»، اتهمها الحزب بتجاهل ملايين الناخبين؛ وكلما اقتربت منه سياسياً، خاطرت بمنحه الشرعية التي تحاول منعه منها.

 

اليمين المتطرف.. موجة تتجاوز ألمانيا

 

ولا يأتي صعود «البديل» بمعزل عن المشهد الأوروبي، إذ حققت أحزاب اليمين المتطرف والشعبوي مكاسب انتخابية في عدد من الدول، مستفيدةً من تصاعد المخاوف بشأن الهجرة والاقتصاد والأمن وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية. وفي دول مثل إيطاليا وفرنسا والنمسا وهولندا، حققت أحزاب يمينية متشددة وشعبوية مكاسب انتخابية لافتة، ووصل بعضها إلى الحكم أو بات مؤثرًا في سياسات الحكومات. لذلك، فإن ما يحدث في ألمانيا يعكس اتجاهاً أوروبياً أوسع، لكنه يكتسب أهمية خاصة بسبب الوزن السياسي والاقتصادي لألمانيا داخل القارة.

 

 من الولاية إلى المعركة الوطنية

 

تكمن خطورة الانتخابات الأخيرة في أن نتيجتها لا تبدو معزولة عن الاتجاه العام. فـ«البديل» بات ثاني أكبر حزب في البرلمان الألماني، ويتصدر منذ أشهر استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. وتقول قيادة الحزب إنها تستهدف الحصول على 40% على الأقل في الانتخابات العامة المقبلة المقررة عام 2029. إذا تمكن الحزب من تشكيل حكومة في سكسونيا أنهالت، فسيحصل على ما هو أبعد من المناصب السياسية: خبرة في الحكم، وشرعية مؤسساتية، وقدرة أكبر على إقناع الناخبين بأنه قادر على إدارة السلطة وليس فقط معارضتها. أما إذا فشل، فسيبقى السؤال قائماً: إلى متى تستطيع الأحزاب التقليدية منع قوة انتخابية بهذا الحجم من دخول الحكومات المحلية؟

 

هل بدأ سقوط «حائط الأمان»؟

 

لم يصل «البديل من أجل ألمانيا» بعد إلى السلطة في سكسونيا أنهالت، لكنه وصل إلى مرحلة بات فيها تجاهله مستحيلاً. الانتخابات الأخيرة كشفت أن «حائط الأمان» الذي أقامته الأحزاب الألمانية التقليدية حول اليمين المتطرف لا يزال قائماً، لكنه لم يعد صلباً كما كان. فبين تراجع شعبية حكومة ميرتس، وتصاعد الغضب الاجتماعي، وتوسع قاعدة «البديل»، وظهور أحزاب مستعدة للحوار معه، تتغير قواعد اللعبة تدريجياً. المعركة المقبلة لن تكون فقط على تشكيل حكومة ولاية، بل على مستقبل التوافق السياسي الألماني نفسه. فإذا تمكن «البديل» من عبور بوابة سكسونيا أنهالت، فقد لا يكون السؤال بعدها: هل يصل اليمين المتطرف إلى السلطة؟ بل: أين ستكون محطته التالية؟

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص