إطلالة على أوّل زيارة رسمية لقائد الثورة الشهيد(رض) خلال فترة رئاسته للجمهورية

زيارة رئيس الجمهورية إلى بلد آخر تعني زيارة ممثل تلك الأمّة؛ وهو حدث يحظى بمكانة خاصة في العلاقات الدولية. وقبل انتصار الثورة الإسلامية، وبسبب الطبيعة الديكتاتورية لنظام الحكم وعدم انتخاب الحُكّام من قِبل الشعب، لم يكن هذا الأمر ممكناً، كما لم تكن ظروفه مهيأة في خضم أزمات السنوات الخمس الأولى التي أعقبت الثورة. وأخيراً، (في الفترة من 6 إلى 11 أيلول/ سبتمبر 1984م)، جرت أول زيارة رسمية لرئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية: «كانت أول زيارة خارجية لي إبان فترة رئاسة الجمهورية هي الزيارة إلى سوريا». وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها وما تمخض عنها من منجزات. وفي الذكرى السنوية لهذه الزيارة التاريخية، تناول قسم «دروس وعبر من التاريخ» في موقع KHAMENEI.IR، قراءة أبعاد هذا الحدث وآثاره.

في شهر أيلول/ سبتمبر 1984م، توجّه رئيس الجمهورية آنذاك آيةالله السيد علي الخامنئي(رض) إلى دمشق تلبية لدعوة من الرئيس السوري حافظ الأسد. وكانت هذه أول زيارة خارجية يقوم بها رئيس إيراني. جرت الزيارة في ظروف دخلت فيها حرب الدفاع المقدس الأولى مرحلة حساسة؛ حيث تصاعدت الغارات الجوية لصدام على جزيرة خارك بالمقاتلات التي حصل عليها من القوى العالمية؛ وأعلنت إيران أنها لن تسمح بأن تكون هذه المعادلة أحادية الجانب، واستهدفت أول ناقلة نفط تابعة لحلفاء صدام بالقرب من بوشهر. وهي الخطوة التي أدت إلى دخول مقاتلات «إف-15» الأمريكية والسفن الحربية الغربية إلى مياه الخليج الفارسي، لتتخذ معادلات الحرب أبعاداً مغايرة.

 

 

وفي ذلك الوقت، واصل الكيان الصهيوني ارتكاب جرائمه في الأراضي المحتلة، لاسيّما في جنوب لبنان، وخيّمت تطورات لبنان وفلسطين على المشهد السياسي في المنطقة. وكانت سوريا في تلك السنوات من الدول العربية القليلة التي تقيم علاقات وثيقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتتبنى موقفاً مناهضاً للكيان الصهيوني؛ ولهذا السبب اختيرت سوريا كأول محطة لزيارة رئيس الجمهورية الإيراني.

 

 

 مقارعة الكيان الصهيوني في صدارة الأهداف

 

 

قبل التوجه إلى دمشق، صرح آيةالله الخامنئي(رض) في مطار مهرآباد خلال حديثه للصحفيين قائلاً: «منذ فترة طويلة، وجّه لي السيد حافظ الأسد دعوات مكررة لزيارة سوريا؛ وبطبيعة الحال فإن إحدى أهم قضايانا المشتركة التي تتطابق فيها رؤانا هي قضية الأراضي الفلسطينية المحتلة ومجمل القضايا المتعلقة بالأراضي المغتصبة»، معتبراً هذه المسألة «قضية أساسية ومبدئية تخص العالم الإسلامي بأسره». وأشار سماحته إلى مكانة سوريا في تطورات المنطقة، واصفاً إياها بأنها الدولة الوحيدة في الخط الأمامي لجبهة مقارعة الصهاينة التي لا تزال تقاوم وتناضل. وأظهرت هذه المواقف أن قضية فلسطين ومواجهة الكيان الصهيوني كانتا في صدارة الموضوعات الرئيسية لهذه الزيارة.

 

 

وقد طُرحت هذه المواقف أيضاً قبل أيام من الزيارة في خطبة صلاة عيد الأضحى التي ألقاها آيةالله الخامنئي(رض)؛ حيث أشار إلى الأوضاع في جنوب لبنان والضغوط التي يمارسها الكيان الصهيوني على أهالي تلك المنطقة، مؤكداً أن قضية الكيان الصهيوني شأن يخص العالم الإسلامي بأسره، ومشدداً على أن المساومة ومرور الزمن لن يُسقطا حقوق الفلسطينيين. كما وصف آيةالله الخامنئي(رض) الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها «حاملة لواء مقارعة الكيان الصهيوني»، مؤكداً على استمرار هذا النضال بالتعاون مع الشعوب المسلمة.

 

 

وصل آيةالله الخامنئي(رض) على رأس وفد رفيع المستوى إلى دمشق يوم الخميس 6 أيلول/ سبتمبر 1984م. وقبيل الوصول إلى سوريا، وأثناء عبور الطائرة التي تقل الوفد الإيراني فوق الأجواء التركية، أُرسلت برقية إلى رئيس جمهورية تركيا آنذاك «كنعان إيفرين»، جرى التأكيد فيها على قضية فلسطين والأراضي المحتلة.

 

 

وقوبل وصول الرئيس الإيراني إلى دمشق باستقبال رسمي من قِبل المسؤولين السوريين. وفي الجولة الأولى من المحادثات، نوقشت القضايا المتعلقة بالعلاقات الثنائية وتطورات المنطقة، وتصدرت قضية فلسطين وممارسات الكيان الصهيوني جدول المباحثات. وكان من أهم الموضوعات التي طُرحت في هذه المحادثات مبادرة السعي لطرد الكيان الصهيوني من منظمة الأمم المتحدة؛ وهي المبادرة التي تابعتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إطار تحركاتها السياسية المناهضة للكيان الصهيوني.

 

 

اللقاء مع علماء لبنان

 

 

وخلال هذه الزيارة، تواصلت لقاءات آيةالله الخامنئي(رض) بالشخصيات الدينية اللبنانية؛ حيث أكد سماحته خلال لقائه بعلماء بعلبك والبقاع اللبنانيين على ضرورة وحدة علماء الشيعة والسنة في مواجهة الكيان الصهيوني، قائلاً: «إن اجتماع علماء لبنان حول محور الإسلام والفكر الإسلامي يمثل اليوم ضرورة ملحة»، مشدداً على وجوب تنظيم مقارعة كيان القدس المحتل والعدو الأكبر للمسلمين عبر مزيد من الوحدة بين المسلمين وعموم علماء أهل السنّة والشيعة. وفي هذا الإطار نفسه، حظيت قضية جنوب لبنان باهتمام خاص؛ إذ أشار آيةالله الخامنئي(رض) إلى الضغوط التي يمارسها الكيان الصهيوني على أهالي جنوب لبنان، منتقداً استمرار الاحتلال والمساعي الرامية لترسيخ وجود الكيان الصهيوني في المنطقة، ومؤكداً أن «حق الفلسطينيين لن يطويه التقادم أبداً». واعتبر سماحته قضية فلسطين إحدى القضايا الجوهرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مشدداً على مواصلة الدفاع عنها ومتابعتها.

 

 

وجرى هذا اللقاء في ظل ظروف كانت فيها أجزاء واسعة من جنوب لبنان تخضع لسيطرة المحتلين؛ ومن بينها مدينة النبطية الاستراتيجية التي سيطر عليها الصهاينة بالكامل منذ 7 حزيران/ يونيو 1982م. وكان الكيان الصهيوني، الذي نشر قواته في جنوب لبنان، يعمل بالتزامن مع فترة زيارة آيةالله الخامنئي(رض) إلى سوريا على إحلال ميليشيا جيش لبنان الجنوبي تدريجياً محله؛ حيث أفادت وكالة التراسل اليهودية في 5 أيلول/ سبتمبر 1984م بتسليم الملف الأمني في النبطية لقوات العميل أنطوان لحد.

 

 

وكان السند الرئيسي لوجود المحتلين في لبنان هو الوجود الأمريكي. وكان آيةالله الخامنئي(رض) قد أعلن مسبقاً: «إننا لا نقبل ولا نطيق أن تتواجد أمريكا في بلد لبنان الإسلامي وأن تواصل وجودها فيه. إن تحرك حكومة الاستكبار الأمريكي في الشرق الأوسط هو تحرك غاصب وظالم ووحشي». وكان من الأهداف المعلنة لهذه الزيارة العمل على شحذ همم قوى المقاومة وتعزيز انسجامها وتماسكها.

 

 

وتواصلت المباحثات في اليوم التالي؛ حيث نوقشت مختلف الملفات الإقليمية بما فيها الأوضاع في فلسطين، ولبنان، والحرب المفروضة من النظام البعثي على إيران، ووجود القوى الأجنبية في المنطقة. وأكدت إيران وسوريا في هذا السياق على ضرورة مواجهة سياسات أمريكا والكيان الصهيوني. وكان من بين الهواجس المشتركة لكلا البلدين المساعي الأمريكية لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة؛ حيث أُثير في هذا الإطار موضوع الأنشطة الأمريكية في البحر الأحمر واستغلال بعض التطورات الإقليمية كذريعة لزيادة هذا الحضور العسكري.

 

 

 زيارة مرقد السيدة زينب(س)

 

 

إلى جانب المحادثات الرسمية، حظي حضور آيةالله الخامنئي(رض) في دمشق بأهمية بالغة لدى الرأي العام الإسلامي. وخلال فترة إقامته، قام بزيارة مرقد السيدة زينب الكبرى(س) في منطقة السيدة زينب بدمشق، بحضور حشد غفير من المسلمين والإيرانيين المقيمين في سوريا. واحتشد الزوار في باحات المرقد الشريف، وبرزت صور الإمام الخميني(ره) والسيد موسى الصدر بين الحشود.

 

 

لم تكن زيارة مرقد السيدة زينب(س) في أول رحلة خارجية لرئيس الجمهورية مجرد برنامج بروتوكولي، بل ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالمناخ السياسي والديني الذي ساد المنطقة آنذاك. وخلال هذه الزيارة، التقى عدد من الشخصيات الدينية السورية واللبنانية بآيةالله الخامنئي(رض)، وجرى التأكيد على قضية مقارعة الكيان الصهيوني وضرورة وحدة المسلمين.

 

 

وفي خضم المباحثات السياسية المستمرة بين البلدين، عبّر نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السوري «عبدالحليم خدام» عن أهمية هذه الزيارة بتعبير لافت؛ حيث قال أثناء المفاوضات: «لقد احتفلنا هذا العام بعيدين؛ أحدهما عيد الأضحى، والآخر لقاء وزيارة السيد الخامنئي»، واصفاً هذه الزيارة بأنها بالغة الأهمية بالنظر إلى ظروف المنطقة.

 

 

 من دمشق إلى طرابلس

 

 

عقب اختتام مباحثات دمشق، واصل الوفد الإيراني جولته نحو ليبيا ثم الجزائر. وكانت المحطة الثانية ليبيا بقيادة العقيد معمر القذافي. وجاء هذا الشق من الزيارة في سياق المساعي المستمرة للتنسيق بين الدول المعارضة للكيان الصهيوني والسياسات الأمريكية. وتواجد آيةالله الخامنئي(رض) يومي 8 و9 أيلول/ سبتمبر في ليبيا، وأجرى محادثات حول القضايا الإقليمية، وفلسطين، ولبنان، والعلاقات البينية للدول الإسلامية.

 

 

خلال المحادثات الإيرانية – الليبية، جرى التأكيد على المواقف المشتركة لكلا البلدين ضدّ الصهيونية والإمبريالية. وتضمّن البيان المشترك للبلدين التشديد على مقارعة الاحتلال كسبيل وحيد لتحرير فلسطين وسائر الأراضي المحتلة، مع التأكيد على التعاون لمتابعة مبادرة طرد الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة. كما احتلت القضية اللبنانية موقعاً بارزاً في هذه المباحثات؛ حيث أعلنت إيران وليبيا دعمهما لمقاومة الشعب اللبناني في مواجهة الاحتلال الصهيوني، واتخذتا موقفاً حازماً ضدّ السياسات الأمريكية والصهيونية في المنطقة. وشملت المباحثات أيضاً التأكيد على دعم سوريا في مواجهة الضغوط الخارجية ودعم حركات التحرر.

 

ولمتابعة سبل مواجهة الكيان الصهيوني وتحقيق مزيد من التنسيق، اتُّفق على تشكيل لجنة مشتركة تتولى بحث آليات التصدي للكيان الصهيوني وتوسيع نطاق التعاون الإيراني  – الليبي في هذا المجال.

 

 

بعد ليبيا، توجّه الوفد الإيراني إلى الجزائر. ولم تكن مواقف الجزائر من الحرب المفروضة على إيران متطابقة مع مواقف سوريا وليبيا، إذ كانت تقيم علاقات جيدة مع طرفي الحرب. ومع ذلك، جاءت الزيارة إلى الجزائر في إطار مساعي الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتوسيع علاقاتها الخارجية وفتح قنوات الحوار مع مختلف الدول.

 

 

المواجهة المتعددة الأطراف للكيان الصهيوني

 

 

تواصلت نتائج هذه الزيارة عقب عودة الوفد الإيراني؛ إذ أكد آيةالله الخامنئي(رض) بعد عودته، في مقابلة بمطار مهرآباد، أن «المحور الأساسي في هذه المفاوضات في الدول الثلاث كان قضايا فلسطين ودراسة أساليب العمل الهادفة لتعاون متعدد الأطراف في مقارعة الكيان الصهيوني». ثم رفع تقريراً بنتائج زيارته إلى الإمام الخميني(ره). كما تباحث بشأن مكتسباتها مع رئيس مجلس الشورى الإسلامي آنذاك الشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني. واستناداً إلى مذكرات الشيخ رفسنجاني، طُرحت في هذا اللقاء موضوعات شملت السعي لطرد الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة، وتأسيس هيئة أركان إسلامية مشتركة لخوض الحرب ضدّ الكيان الصهيوني، وتشكيل لجنة لدراسة سبل مقارعة الكيان الصهيوني، وعقد قمة تجمع قادة إيران وسوريا وليبيا والجزائر.

 

 

كما قدّم آيةالله الخامنئي(رض) تقرير الزيارة للشعب أيضاً؛ ففي خطبتي صلاة الجمعة بتاريخ 14 أيلول/ سبتمبر؛ وبينما استعرض أهداف الزيارة، ذكّر بأن وسائل الإعلام حاولت في البداية التعتيم على أهدافها؛ ولكن «في الأيام الأولى لزيارتنا، وعندما أُعلن أننا سنسعى لتطبيق خطة طرد الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة وسنتفاوض ونتبادل الآراء مع الدول الصديقة؛ أعلن الرئيس الأمريكي أنه إذا طُرد الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة، فإن أمريكا ستنسحب هي الأخرى من المنظمة». غير أن الثمار الكبرى للزيارة سرعان ما تجلت في الميدان.

 

 

 

الثمار الأولى للزيارة

 

 

لم تمضِ أسبوعان على طرح فكرة تأسيس هيئة أركان إسلامية مشتركة للحرب ضدّ الكيان الصهيوني، حتى تواترت الأنباء عن تنفيذ حركة الجهاد الإسلامي في لبنان عملية ناجحة أخرى ضد أمريكا. وفي العام السابق، كان تفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية «المارينز» قد شكّل نقطة تحول محورية في الرأي العام وصنع السياسات في واشنطن، لدرجة أصدر معها الرئيس الأمريكي «رونالد ريغان» أوامره بانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من لبنان. وفي 25 شباط/ فبراير 1984م، غادر جنود المارينز الذين كانوا جزءاً من القوة المتعددة الجنسيات بيروت. ومع ذلك، بقيت مجموعات صغيرة من القوات الأمريكية في بيروت بذريعة حماية السفارة.

 

 

وفي 20 أيلول/ سبتمبر 1984م، انفجرت شاحنة صغيرة محملة بالمتفجرات أمام المبنى الملحق للسفارة الأمريكية في بيروت الشرقية، مما أسفر عن مقتل 23 شخصاً منهم، وتبنّت حركة الجهاد الإسلامي مسؤولية العملية. وبعد سنوات، أكد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله استقلالية تلك المجموعة عن حزب الله قائلاً: «كانت هناك ثلاث أو أربع تنظيمات حقيقية على الأقل ومستقلة عن بعضها، ولم تكن على صلة بحزب الله… وكان هؤلاء الأفراد مجاهدين قاموا بأعمال عظيمة». ولم تكن هذه العملية من تخطيط إيران؛ لكن الحقيقة هي أن المنظومة الفكرية القائمة على إعطاء الأولوية لمقارعة أمريكا كانت قد انطلقت من إيران. وكان آيةالله الخامنئي(رض) قد صرح في خطبة الجمعة التي سبقت ذلك الأسبوع: «إن الكيان الصهيوني هو القاعدة الحقيقية والسياسية – العسكرية لأمريكا في المنطقة؛ والكيان الصهيوني يتنفس بدعم من أمريكا. وإذا رفعت أمريكا مظلة دعمها عن الكيان الصهيوني، فستتمكن الدول الإسلامية في فترة وجيزة للغاية من […] حل قضية الكيان الصهيوني».

 

 

وكانت السفارة الأمريكية قد نُقلت حديثاً إلى منطقة عوكر ذات الغالبية المسيحية، وأثبت التفجير في هذا المبنى أنه لا توجد أيّة منطقة آمنة للأمريكيين في لبنان، وسدّ الطريق أمام عودة المستشارين العسكريين للكيان الصهيوني. وعندما كان الرئيس ريغان يستعد للسفر إلى آيوا وميشيغان، أبلغه مستشار الأمن القومي الأمريكي «روبرت ماكفرلين» بالحادث، وتلقى أسئلة الصحفيين أثناء صعوده المروحية، حيث بدا منزعجاً مراراً من الأسئلة، لاسيّما السؤال الأخير الذي سأله فيه صحفي: «ألا يمثل هذا التفجير الأخير تذكيراً بفشل سياستكم في لبنان؟»، فردّ بجواب عام مضيفاً أن «وزارة الخارجية ستطلعكم على التفاصيل بمجرد تلقي مزيد من المعلومات».

 

 

وخلال تلك الأيام، حاولت أمريكا تصوير أحداث بيروت على أنها وليدة عمليات تديرها طهران. غير أن آيةالله الخامنئي(رض)، مع دعمه الشجاع لتلك العمليات، ذكّر بأن الشعب اللبناني هو مَن انتفض بوجههم: «نحن بالطبع ندعم الشعب اللبناني المناضل دعماً كاملاً ونؤيده بالكامل في مواقفه المناهضة للصهيونية ولأمريكا، ولا شك في ذلك إطلاقاً؛ لكن أولئك الذين يتوهمون أن جهازاً ما هو مَن يُحرّك الشعوب، لم يعرفوا الشعوب ولم يدركوا قيمة الإنسان، وعجزوا عن التقييم الدقيق لقوة الإرادة والعزم والمقاومة التي تختزنها الجماهير الشعبية العريضة». ووردت عبارة هامة أخرى لسماحته في هذا الخطاب: «حين نرى أمريكا تُطلق لسان التهديد ضدّ الجمهورية الإسلامية والثورة الإسلامية في نقطة ما، ندرك حينها أن تلك النقطة بالتحديد هي مكمن الضعف والهشاشة الأمريكية».

 

 

 الثمرة الكبرى

 

 

أمّا الإنجاز الأبرز للزيارة، فقد أُزيح الستار عنه تزامناً مع ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ ففي يوم السبت 16 شباط/ فبراير 1985م، وحين احتشدت الجماهير اللبنانية المقاومة في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الشيخ راغب حرب، وبحضور علماء من بينهم السيد عباس الموسوي والشيخ نعيم قاسم، تلا القيادي في حزب الله السيد إبراهيم الأمين الرسالة المفتوحة لحزب الله إلى المستضعفين تحت عنوان «مَن نحن وما هي هُويتنا؟».

 

 

شكّل هذا البيان في جوهره إعلان ولادة فصيل جديد في جبهة المقاومة ذي هُوية لبنانية أصيلة؛ لكنه كان يمثل ثمرة سنوات من التشاور والتواصل مع ممثل الإمام الخميني، الشهيد آيةالله السيد علي الخامنئي(رض). وجاء في هذا البيان صراحة: «إننا أبناء أمّة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في الولي الفقيه الجامع للشرائط، والتي يمثلها حالياً الإمام آيةالله العظمى روح الله الموسوي الخميني(دام ظله)».

 

 

وشكّل تأسيس حزب الله التجسيد العملي لـ”هيئة أركان الحرب ضدّ الكيان الصهيوني” التي جرى التخطيط لها في زيارة آيةالله الخامنئي إلى سوريا. وكانت هذه النواة المقاومة قد بدأت نشاطها قبل سنوات؛ لكنها اتخذت الآن طابعاً عملياتياً أكثر تنظيماً، وأخذت تجبر الكيان الصهيوني تدريجياً وخطوة فخطوة على التراجع منذ صدور ذلك البيان.

 

 

على أعتاب هذا الإعلان، صرح آيةالله الخامنئي(رض) في خطبة صلاة الجمعة، قائلاً: «في ذلك اليوم الذي هاجم فيه الصهاينة الغاصبون المتغطرسون لبنان، كنّا أول بلد يبادر بالردّ. جاءني السفير الفلسطيني ليلاً ونقل لي ما جرى، فقلت له: إننا نرى أنفسنا ملزمين وشركاء وسنتحرك. وعلى الفور تحركنا وتوجه مقاتلونا إلى هناك، غير أننا لم نتلقَّ العون. [… ولكن] انظروا ماذا فعل فتح الأحضان ومد يد الأخوة للشعب اللبناني؟ […] لقد ذهب أحد قادة الكيان الصهيوني الغاصب للمشاركة في محافل صهيونية في نيويورك، ولعلهم حاسبوه متسائلين: لماذا تريدون الانسحاب من لبنان، ولماذا تريدون التراجع رغم كل هذا الدعم وتلك الأموال والمساعدات العسكرية؟ فكان يبرر انسحابهم من جنوب لبنان قائلاً: إننا نواجه هناك مسلمين ضرباتهم الموجهة إلينا أشدّ من ضربات المقاتلين الفلسطينيين على مدار عشرين عاماً. […] كيف تحولت تلك الفئة من شيعة جنوب لبنان حتى بات أحد قادة الكيان الصهيوني يقول إن الحرب اليوم هي حرب بين الكيان الصهيوني والشيعة؟ من أين استمدوا هذه الشجاعة؟ كان ذلك لأنهم شعروا أن الثورة الإسلامية تقف معهم وإلى جانبهم […] لقد رأيتم كيف هاجم الصهاينة الخبثاء قبل أيام قرى وشنّوا اعتداءات على أطفال في دور الأيتام، وقتلوا وجرحوا جمعاً منهم؛ ولكن فجأة جاءت الضربة المباغتة المقابلة بكل قوة وسحقت القوات الصهيونية ومزقتها وقتلت وأبادت عدداً كبيراً منهم. لقد تلقت أمريكا صفعة في لبنان. […] هذه هي الروح الثورية التي حين تسري في أمّة تعطي مثل هذه الثمار».

 

 

وكان هذا الحدث توفيقاً كبيراً للتنظيم الوليد؛ إذ كانت المرة الأولى التي ينسحب فيها الكيان الصهيوني من أراضٍ عربية دون إبرام أي اتفاق سياسي. وبيّن آيةالله الخامنئي(رض) ذلك في الذكرى السنوية لإعلان وجود حزب الله، قائلاً: «أجبرت المقاومة العدوّ على التراجع، ويُعدّ هذا أول تراجع في تاريخ الحرب مع الكيان الصهيوني؛ فالكيان الصهيوني لم يتراجع قط؛ تراجع مرة واحدة فقط أمام أبناء لبنان وشبابه المؤمن، ولم يتراجع في أي مكان آخر. وحتى من صحراء سيناء، لم ينسحب العدو الصهيوني بالمجان؛ بل أخذ ما هو أغلى بكثير مما أعطاه؛ أعطى صحراء سيناء وأخذ شرف وكرامة الشعب المصري. وأصبح اتفاق كامب ديفيد عاراً على أمّة صنعت الأمجاد عبر التاريخ وخلال القرن الأخير، ويجب عليها بفضل الله أن تمحو هذا العار من جبينها عبر استعراض قوتها وإيمانها».

 

 

وشكّل هذا الانسحاب تدشيناً لفصل جديد من هزائم الكيان الصهيوني أمام جبهة المقاومة؛ وهي هزائم تقاربت فتراتها الزمنية تدريجياً. وتوجت هذه الهزائم في 25 أيار/ مايو 2000م، حين اضطر الكيان الصهيوني، بعد 18 عاماً، للانسحاب الكامل وغير المشروط من جنوب لبنان. وعقب ذلك، ظهرت المقاومة في كل محطة باقتدار أكبر: حرب الـ33 يوماً، وحرب الـ22 يوماً على غزة، وعملية طوفان الأقصى، وعمليات الوعد الصادق 1 إلى 4، والتي عكست جميعها فرض زوال الكيان الصهيوني على يد جبهة المقاومة؛ وهو المسار الذي ستكون نهايته الوعد الصادق للإمام الشهيد: «إن مَن سيُقتلع من الجذور هو الكيان الصهيوني. إننا نقف إلى جانب المناضلين الفلسطينيين، ونقف إلى جانب مجاهدي حزب الله المجاهدين في سبيل الله، وندعم هؤلاء بكل ما أوتينا من قوة؛ ونأمل إن شاء الله أن يشهد هؤلاء ذلك اليوم الذي يُداس فيه عدوهم الخبيث تحت أقدامهم»

 

 

المصدر: الوفاق/موقع قائدالثورة

الاخبار ذات الصلة