خطط مسبقة لإدارة الطوارئ وإعادة الإعمار واستمرار الإنتاج؛

رواية صمود صناعة البتروكيماويات في أيام الحرب المفروضة

الوفاق / وضعت الحرب المفروضة الثالثة صناعة البتروكيماويات الإيرانية أمام أحد أكثر الاختبارات حساسية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ كان من الممكن أن تؤدي الهجمات على جزء من المجمعات والبنى التحتية لهذه الصناعة، إلى جانب الأضرار التي لحقت ببعض منشآت إمداد المواد الأولية والكهرباء والبخار، إلى سلسلة من الاضطرابات تمتد من إنتاج البتروكيماويات إلى الصناعات التحويلية والأسواق الاستهلاكية.

إلا أن التخطيط المسبق للأزمة، بالاستفادة من تجربة الحرب المفروضة التي استمرت 12 يوماً، وتشكيل آليات للإدارة الطارئة، والحفاظ على إنتاج الوحدات غير المتضررة، وإدارة العرض والطلب، وإعطاء الأولوية للاحتياجات المحلية، والسيطرة على الصادرات، وتسهيل الواردات، والبدء السريع في عملية إعادة الإعمار، حالت دون تحول الأضرار التي لحقت بجزء من الطاقة الإنتاجية إلى أزمة شاملة في سلسلة التوريد في البلاد.

 

وتنبع أهمية هذا الأمر من أن البتروكيماويات ليست مجرد صناعة منتجة ومصدّرة؛ إذ تعتمد آلاف الوحدات الإنتاجية في مجالات مثل التعبئة والتغليف، والصناعات الغذائية، والمنظفات، والمعدات الطبية، والسيارات، والأجهزة المنزلية، وغيرها من القطاعات الصناعية، على المواد الأولية البتروكيماوية لمواصلة نشاطها.

 

ولذلك، كان من الممكن أن تظهر أي فترة توقف طويلة الأمد في المجمعات الكبرى آثارها سريعاً على الصناعات التحويلية والأسواق الاستهلاكية.

 

الاستعداد قبل الأزمة

 

لم تبدأ استجابة صناعة البتروكيماويات للحرب منذ يوم الهجوم، إذ جرى تصميم جزء من الإجراءات قبل الأزمة واستناداً إلى متطلبات الدفاع المدني، بهدف ضمان عدم توقف توفير المواد الأساسية والمواد الأولية للصناعات التحويلية في حال التوقف المؤقت لبعض المجمعات.

 

وفي هذا الإطار، درست الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية سيناريوهات توفير المواد الأولية في حالات الطوارئ، وشكّلت فريق عمل لإدارة الظروف الطارئة الخاصة بالصناعات التحويلية. وحدد فريق العمل الاحتياجات الأساسية للبلاد، ووضع خططاً لتوفير وتخزين المواد الأولية للصناعات ذات الأولوية.

 

من إدارة الهجوم إلى الحفاظ على استقرار الإنتاج

 

مع اندلاع الحرب المفروضة الثالثة، استُهدفت بشكل مباشر عدة مجمعات للبتروكيماويات، كما لحقت أضرار بجزء من المنشآت الجانبية.

 

وفي مثل هذه الظروف، أصبحت إدارة المخاطر الناجمة عن تسرب المواد الكيميائية والانفجارات والحرائق، إلى جانب الحفاظ على استقرار العمليات، أولوية.

 

وفي الوقت نفسه، عُقدت اجتماعات طارئة بين الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية والمجمعات الإنتاجية والجهات المعنية، بهدف تنفيذ القرارات اللازمة لإدارة الظروف بسرعة.

 

وبالتوازي مع إدارة المنشآت المتضررة، بُذلت جهود لمواصلة نشاط الأجزاء السليمة من الصناعة، والحفاظ أيضاً على استقرار مسارات التصدير عبر الأرصفة والموانئ التصديرية في بارس وماهشهر.

 

إلا أن أحد أهم أبعاد هذه الأزمة تمثل في تأمين المواد الأولية للصناعات التحويلية؛ وهو موضوع يرتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين واستمرار الإنتاج في مختلف قطاعات الاقتصاد.

 

الاستيراد المستهدف

 

إلى جانب الحد من تصدير السلع التي يحتاج إليها السوق المحلية، استُخدم استيراد المنتجات التي تعاني من نقص بوصفه إجراءً مكملاً.

 

وكان بإمكان شركات البتروكيماويات والصناعات التحويلية والتجار، بحسب الحالة، المشاركة في عملية الاستيراد، كما تابعت الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية الإجراءات اللازمة لتسهيل عمليات الاستيراد من جانب شركات البتروكيماويات.

 

وبناءً على ذلك، استندت استراتيجية تأمين السوق إلى صيغة مركبة تتمثل في الحفاظ على الإنتاج المحلي وزيادته، والاستيراد المستهدف لتعويض النقص، ومنع تصدير المنتجات التي يحتاج إليها السوق المحلية.

 

إعادة الإعمار؛ برنامج متزامن مع إدارة السوق

 

مع بدء وقف إطلاق النار، شكّلت الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية فريق عمل لإعادة الإعمار، ضمّ عدة فرق عمل متخصصة، وكان من بين محاور عمله تأمين المواد الأولية للصناعات التحويلية.

 

وفي هذا الهيكل، جرى تحديد برنامج إعادة التأهيل وإعادة الإعمار وإعادة تشغيل المجمعات، كما جرت متابعة هذا الموضوع بشكل مستمر خلال الاجتماعات المشتركة مع وزارة الصناعة والتعدين والتجارة، والبنك المركزي، وجمعية أصحاب العمل في صناعة البتروكيماويات.

 

ووفقاً لتقرير الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية، جرى إعداد برنامج إعادة الإعمار على أساس ربع سنوي، ورصده وتحديثه أسبوعياً، بحيث يتم بالتزامن مع عودة الوحدات إلى العمل، تعديل برنامج الإنتاج والعرض بما يتناسب مع الظروف الجديدة.

 

ولم يقتصر هذا البرنامج على إصلاح الوحدات المتضررة، إذ شكّل تأمين الكهرباء والبخار أيضاً جزءاً مهماً من عملية التعافي، واستُخدمت طاقات صناعة النفط، ومحطات توليد الكهرباء المرتبطة بالشبكة، ومصادر البخار المتاحة، وبورصة الطاقة، لإعادة الوحدات إلى دورة الإنتاج في أسرع وقت ممكن.

 

كما أسهم تشغيل وحدات البخار المستقلة والحصول على الكهرباء من الشبكة في إعادة نصف الطاقة الإنتاجية في عسلوية وماهشهر (جنوب البلاد) إلى العمل.

 

من أيام الطوارئ إلى العودة إلى مسار الإنتاج

 

كانت الحرب المفروضة الثالثة بالنسبة إلى صناعة البتروكيماويات اختباراً متزامناً على المستويات الفنية والإدارية والتنظيمية. فقد لحقت أضرار بجزء من المجمعات والبنى التحتية، إلا أن سلسلة تأمين المواد الأولية للصناعات التحويلية لم تتوقف، كما جرت إدارة السوق من خلال مجموعة من السياسات المنسقة.

 

والآن، شكّلت العودة التدريجية للوحدات إلى دورة الإنتاج، وزيادة عرض المنتجات، وتنفيذ برامج إعادة التأهيل وإعادة الإعمار، فصلاً جديداً من إدارة مرحلة ما بعد الأزمة.

 

وفي هذه المرحلة، تواصل وزارة النفط والشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية السعي إلى تحقيق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه: الحفاظ على الإنتاج، وتأمين الاحتياجات المحلية بشكل مستدام، واستعادة الطاقات الإنتاجية المفقودة.

 

وأظهرت تجربة الحرب المفروضة الثالثة أن مرونة صناعة البتروكيماويات لا تُعرّف فقط داخل جدران المجمعات؛ بل تكتسب هذه المرونة معناها عندما تتم إدارة الإنتاج والمواد الأولية والطاقة والنقل والسوق والواردات والصادرات والصناعات التحويلية ضمن سلسلة متكاملة ومنسقة؛ وهي سلسلة اجتازت اختبارها في واحدة من أصعب المراحل خلال حكومة الرئيس بزشكيان، وتقع الآن على مسار إعادة الإعمار واستعادة الطاقات الإنتاجية.

المصدر: الوفاق / إرنا