لقاء واحد، وملفات متعددة؛ ماذا جرى في مباحثات وزيري خارجية إيران والصين؟

الوفاق/ وضع لقاء واحد في بكين عدداً من الملفات الإقليمية والدولية الهامة على الطاولة في آن واحد؛ بدءاً من مصير تفاهم إسلام آباد ومستقبل المفاوضات بين إيران وأمريكا، وصولاً إلى مضيق هرمز، واحتمالية تمدد الأزمة إلى اليمن والبحر الأحمر، وخطة الصين لهندسة أمنية جديدة في الشرق الأوسط؛ وهي ملفات اكتسبت أهمية مضاعفة على أعتاب اللقاء المرتقب بين رئيس جمهورية الصين شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتمّت الزيارة، التي استغرقت يوماً واحداً لوزير الخارجية السيد عباس عراقجي إلى بكين ولقاءه بوزير خارجية الصين وانغ يي، في ظل ظروف لا تزال فيها تداعيات العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني على إيران تلقي بظلالها على معادلات المنطقة، وتتزامن مع استعداد الصين للقاء المرتقب في واشنطن بين رئيس جمهورية الصين شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

ويُتوقع أن يكون مستقبل تفاهم إسلام آباد، وتطورات الخليج الفارسي ومضيق هرمز، وخطر اتساع رقعة الصراع إلى اليمن والبحر الأحمر، ومستقبل الهيكل الأمني في المنطقة؛ من المحاور الرئيسية للبحث في اللقاء المقبل بين الرئيسين الصيني والأمريكي.

 

وصل رئيس السلك الدبلوماسي الإيراني يوم الأربعاء (16 أيلول/ سبتمبر 2026) على رأس وفد دبلوماسي إلى بكين، وأجرى مباحثات مع نظيره الصيني حول القضايا الثنائية والإقليمية والدولية.

 

وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، فقد شكلت العلاقات الثنائية والملفات الهامة الإقليمية والدولية محاور هذه الزيارة.

 

وجاءت هذه الزيارة استمراراً للاتصالات واللقاءات المتواصلة بين وزيري الخارجية خلال الأشهر الأخيرة. ويُعدّ لقاء 16 أيلول/ سبتمبر في العاصمة الصينية ثاني لقاء حضوري بين عراقجي ووانغ يي في بكين منذ بدء هجمات أمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران في 28 شباط/ فبراير؛ حيث كان الطرفان قد التقيا سابقاً في شهر أيار/ مايو في بكين أيضاً.

 

كما أجرى الوزيران مشاورات مقتضبة على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون في قيرغيزستان واجتماعات بريكس في الهند.

 

ووصف وزير الخارجية عباس عراقجي، خلال هذا اللقاء، الصين بأنها «صديق وثيق وشريك استراتيجي لإيران»، مؤكداً على عزم طهران على الارتقاء الشامل بالعلاقات بين البلدين في إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة وعلى أساس الاحترام والثقة المتبادلة. وشدد على أن علاقات البلدين تُدار على مستوى استراتيجي بفضل إرادة قادة إيران والصين وبالاستناد إلى الثقة السياسية القائمة.

 

العدوان الصهيو-أمريكي على إيران؛ المحور الرئيسي لمشاورات وزيري الخارجية

 

خُصص جانب رئيسي من محادثات بكين للتطورات الناجمة عن الحرب بين إيران وأمريكا وتداعياتها على المنطقة. واعتبر وزير الخارجية، في هذا اللقاء، أن جذور الظروف الراهنة في المنطقة تعود إلى «العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني ضد إيران»، مثمناً موقف الصين في إدانة انتهاك المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة وما وصفه باستغلال أمريكا لمجلس الأمن.

 

وأشار وزير الخارجية إلى جاهزية إيران للدفاع عن سيادتها الوطنية، ووحدة أراضيها، وأمنها، ومصالحها الوطنية، مؤكداً أن طهران ترحب بالحلول الدبلوماسية التي تضمن حقوق الشعب الإيراني.

 

كما شدد عراقجي على أن ظروف المنطقة شهدت تغيرات جوهرية بعد الحرب ضد إيران، وأنه لا مكان لوجود وتدخل القوى الأجنبية في النظام الإقليمي الجديد الذي يُفترض أن يرتكز على الحوار والتعاون بين دول المنطقة.

 

كما أشار إلى نقض أمريكا لالتزاماتها، وتحديداً وقف تنفيذ تفاهم إسلام آباد، موضحاً أن طهران -مع تمسكها بنيل حقوقها- تنشد عودة الهدوء للمنطقة وإقامة علاقات ودّية وسلمية مع الجيران، وبدأت بالفعل حواراً مع دول المنطقة.

 

من جانبه، أكد وزير خارجية الصين، خلال هذا اللقاء، على أهمية العلاقات بين طهران وبكين، ورغبة الصين في تطوير وتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

 

وذكّر وانغ يي في جانب من حديثه مع عراقجي بأن الصين، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، مستعدة لأداء دور بنّاء لتسوية الخلافات الدولية، وستواصل الحوار والتعاون إلى جانب إيران لصون حقوقها ومصالحها المشروعة.

 

تفاهم إسلام آباد؛ المحور المقترح من الصين للعودة إلى طاولة المفاوضات

 

تمثلت إحدى أوضح رسائل بكين خلال هذه الزيارة في التأكيد على إحياء تفاهم إسلام آباد؛ حيث دعا وانغ يي كلاً من إيران وأمريكا للعودة إلى تفاهم إسلام آباد في أقرب فرصة، وإعادة بناء آلية المفاوضات استناداً إلى التوافقات المنجزة.

 

واعتبرت وكالة أنباء «الأناضول» هذا الموقف أحد المحاور الرئيسية لتصريحات وزير خارجية الصين في لقائه مع عراقجي.

 

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني في لقائه مع نظيره الصيني أن التفاهم بين إيران وأمريكا لا يزال قائماً وسارياً من منظور طهران، منبهاً إلى ضرورة التزام واشنطن بتعهداتها.

 

هرمز؛ مطلب بكين وتأكيد طهران على مسار الاتفاق مع عُمان

 

شكّل مضيق هرمز أحد المحاور الأساسية الأخرى لمشاورات عراقجي ووانغ يي؛ وهو موضوع مؤثر في الأمن الإقليمي وذو أهمية بالغة نظراً لتبعاته على نقل وإمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

 

وبحسب صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، دعا وانغ يي كافة الأطراف لاتخاذ خطوات فاعلة لإعادة فتح مضيق هرمز في أسرع وقت ممكن، مشدداً على ضرورة صون أمن الممرات المائية الدولية وضمان التدفق السلس للملاحة واستقرار نقل وإمدادات الطاقة.

 

ورداً على ذلك، أعلن عراقجي أن إيران وسلطنة عُمان توصلتا إلى اتفاق بشأن خطة فتح مضيق هرمز، مجدداً التأكيد على وجوب عودة أمريكا إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، مذكراً بشروط إيران لإعادة فتح مضيق هرمز.

 

بكين قلقة من تمدد الأزمة إلى اليمن والبحر الأحمر

 

إلى جانب ملف هرمز، حذّرت الصين، خلال هذا اللقاء، من اتساع رقعة النزاع نحو اليمن والبحر الأحمر؛ حيث أشار وانغ يي إلى أن بكين لا ترغب في تمدد التوترات الإقليمية أكثر من ذلك إلى اليمن والبحر الأحمر، داعياً الأطراف المعنية لتفادي الإجراءات التي تعقد الأوضاع، وحل القضايا عبر الحوار والتفاوض.

 

وبحسب وكالة «شينخوا»، أعربت بكين أيضاً عن دعمها للحوار بين إيران ودول الخليج الفارسي، معتبرة أن الاحترام المتبادل لسيادة الأراضي والأمن القومي للدول يشكل أساساً لتأمين المصالح المشتركة للمنطقة.

 

هيكل أمني جديد؛ المبادرة الرباعية لرئيس الصيني

 

تمثل أحد المحاور الهامة الأخرى لمواقف الصين في هذا اللقاء في ضرورة إعادة النظر في الهيكل الأمني للمنطقة.

 

وبحسب وكالة «شينخوا»، أكد وانغ يي أن التطورات الأخيرة أثبتت مجدداً أن الهيكل الأمني القائم في الشرق الأوسط يعاني من ثغرات ويحتاج إلى إصلاح وتعزيز، مشيراً إلى مبادرة رئيس جمهورية الصين شي جين بينغ ذات النقاط الأربع لإنشاء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط؛ وهي مبادرة ترتكز على أربعة مبادئ: الأمن المشترك، والأمن الشامل، والأمن القائم على التعاون، والأمن المستدام.

 

من جانبه، رحّب وزير خارجية إيران بالمقترحات الأربعة لرئيس جمهورية الصين لتعزيز السلام والاستقرار والأمن المشترك في المنطقة، معلناً استعداد طهران لتعزيز تعاونها مع الصين في هذا الإطار.

 

لماذا اكتسب لقاء عراقجي ووانغ يي أهمية في هذا المنعطف؟

 

يكتسب توقيت زيارة وزير الخارجية إلى بكين أهمية استثنائية؛ إذ تم هذا اللقاء قبل أيام قليلة من الزيارة المقررة لرئيس جمهورية الصين شي جين بينغ إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

وأفادت وكالة أنباء «الأناضول» بأن الدعوة الصينية لعودة إيران وأمريكا إلى تفاهم إسلام آباد تأتي في وقت يلتقي فيه شي جين بينغ مع ترامب الأسبوع الجاري.

 

وذكرت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» أن الحرب بين إيران وأمريكا وتداعياتها تندرج ضمن القضايا المتوقع أن تحظى باهتمام رئيسي في اللقاء المقبل بين شي وترامب.

 

كما أشارت صحيفة «نيويورك تايمز»، في تقرير لها حول لقاء عراقجي ووانغ يي، إلى توقيت هذه الزيارة على أعتاب اللقاء بين شي وترامب، موضحة أن إيران قد تشكل أحد أبرز محاور الحوار بين الرئيسين. ولفتت إلى دور العلاقات بين الصين وإيران في المعادلات الإقليمية.

 

وإلى جانب التطورات الدبلوماسية والإقليمية، يشكل سعي أمريكا لتطويق المسارات التجارية والمالية لإيران أحد المحاور البارزة في العلاقات بين طهران وبكين.

 

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أعلنت في 24 آب/ أغسطس 2026 عن إطلاق خطة تحت مسمى «عملية الإقصاء الاقتصادي لإيران» بهدف معلن يتمثل في قطع الشبكات المالية والاقتصادية لإيران وتوسيع دائرة مخاطر إجراءات الحظر الثانوية على الدول والشركات التي تتعاون مع طهران.

 

وفي هذا السياق، تكتسب الصين أهمية خاصة نظراً لمكانتها في التجارة الخارجية لإيران، ولا سيما في شراء النفط. وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن الصين كانت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني قبل اندلاع الحرب، حيث كانت تستورد نحو 4/1 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني عبر شبكة من ناقلات النفط والشركات الوسيطة؛ وأشارت إلى دور البنوك والمصافي الصينية في تمويل وتكرير النفط الإيراني.

 

وقد تحولت مساعي واشنطن لتقليص مستوى التبادل التجاري بين إيران والصين إلى أحد المحاور الرئيسية في الحرب الاقتصادية الأمريكية الجديدة ضد إيران؛ وهو ملف اكتسب أهمية مضاعفة على أعتاب لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس جمهورية الصين شي جين بينغ.

 

وشددت وكالة «رويترز»، في تقرير حول اللقاء الأخير بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني، على أن الروابط المالية بين الصين وإيران تعد من بين القضايا التي تتابعها واشنطن في حوارها مع بكين.

 

ولا يمكن فصل مشاورات وزيري خارجية إيران والصين عن الحراك الدبلوماسي لبكين قبيل اللقاء بين شي وترامب، لاسيما أن الصين حددت موقفها قبل هذا اللقاء بضرورة إنهاء الحرب والعودة إلى المفاوضات، وأكدت على أهمية الحوار الإقليمي وفتح مضيق هرمز.

 

ما هي المبادرة الصينية لخفض التصعيد؟

 

يمكن استخلاص عدة محاور محددة من مجمل تصريحات وانغ يي وعراقجي ضمن النهج المعلن لبكين لخفض التصعيد:

 

عودة إيران وأمريكا إلى تفاهم إسلام آباد وإحياء آلية التفاوض

 

حوار إيران مع دول المنطقة على أساس الاحترام المتبادل لسيادة الأراضي والأمن القومي

 

إعادة فتح مضيق هرمز وصون أمن المسارات الدولية لنقل الطاقة

 

الحيلولة دون اتساع رقعة الأزمة نحو اليمن والبحر الأحمر وحل القضايا عبر الحوار والتفاوض

 

التحرك باتجاه إعادة النظر في الهيكل الأمني للشرق الأوسط

 

بكين؛ محطة في مسار الدبلوماسية الإقليمية

 

أعلن رئيس السلك الدبلوماسي الإيراني، في ختام الزيارة عبر بيان له، أن إيران تولي أهمية وقيمة خاصة للشراكة الاستراتيجية التي بُنيت ورُسخت على مرّ السنين مع الصين، مؤكداً أن القرارات التي تُتخذ اليوم قادرة على التأثير في التوازن الاستراتيجي المستقبلي للمنطقة.

 

جاءت زيارة بكين في خضمّ جهود لدفع عدة مسارات دبلوماسية: السعي لتحديد مصير تفاهم إسلام آباد، ومشاورات إيران مع دول المنطقة، والنقاش حول الترتيبات المستقبلية لمضيق هرمز، والمخاوف من اتساع رقعة أزمة اليمن والبحر الأحمر، واستعداد بكين وواشنطن للحوار المباشر بين رئيس جمهورية الصين والرئيس الأمريكي.

 

وتعكس مواقف الجانبين، خلال هذه الزيارة، توافقاً في جوهر «ضرورة إنهاء النزاع والعودة إلى المسار الدبلوماسي»، مع تشديد طهران على صون حقوقها ومصالحها وتحميل أمريكا مسؤولية التزاماتها، وتأكيد بكين بالتزامن على إعادة فتح هرمز، وأمن نقل الطاقة، والحوار الإقليمي.

 

ويمكن اعتبار هذه الزيارة إحدى حلقات المشاورات المكثفة بين طهران وبكين في المرحلة الجديدة من أزمة المنطقة؛ وهي مشاورات لا تنحصر أهميتها في نطاق العلاقات الثنائية فقط، بل ترتبط -بالنظر إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى واشنطن- بكونها أحد مسارات نقل وجهات نظر طهران حول الحرب، وتفاهم إسلام آباد، وهرمز، والترتيبات الأمنية المستقبلية للمنطقة.

المصدر: الوفاق خاص