في فضاءٍ جمع وزراء ومسؤولين ومبدعين من عشرات الدول، تحولت مشاركة وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، في الدورة الثانية عشرة لـ«منتدى الثقافات المتحدة» في سان بطرسبورغ إلى منصة لعرض رؤية ثقافية تقوم على جعل التراث والفنون والأدب أدوات للحوار بين الشعوب، بالتوازي مع طرح مبادرات جديدة لتوسيع التعاون الثقافي بين إيران وروسيا والدول المشاركة في المنتدى.
الثقافة الإيرانية.. تراث حي وحوار مع العالم
وأكد سيد عباس صالحي، خلال كلمته أمام شخصيات ثقافية وفنية من نحو 70 دولة، أن الثقافة الإيرانية لم تكن تراثاً جامداً، بل ظلت منظومة حيّة قادرة على التفاعل مع المتغيرات والإسهام في الحوار العالمي. وأشار إلى أن اللغة والأدب الفارسي شكّلا أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية الإيرانية، فيما حملت أعمال فردوسي ومولانا وحافظ وسعدي قيماً إنسانية تجاوزت حدود اللغة والجغرافيا.
وأوضح أن التراث الثقافي يمكن أن يتصل بالقضايا المعاصرة، وأن العمارة والفنون والحرف والآثار الإيرانية تمتلك قدرة على المشاركة في حوارات عالمية حول العدالة والتسامح وكرامة الإنسان والأسرة والروحانية والسلام. كما أشار إلى ما وصفه بـ«المرونة الحضارية» الإيرانية، التي مكّنت الثقافة الإيرانية، عبر مراحل تاريخية مختلفة، من استيعاب المؤثرات الخارجية وإعادة صياغتها مع الحفاظ على هويتها الحضارية.
ثلاثة مقترحات لتوسيع التعاون الثقافي
وطرح صالحي خلال المنتدى ثلاثة مقترحات لتعزيز التعاون الثقافي الدولي. وتمثل المقترح الأول في توسيع أسابيع الثقافة المشتركة بين إيران وروسيا والدول المشاركة في المنتدى، مشيراً إلى تنظيم «أسبوع الثقافة الإيرانية» في روسيا بمشاركة أكثر من 160 فناناً إيرانياً، ضمن أكثر من 20 مجالاً ثقافياً وفنياً، إلى جانب فعاليات خاصة بالسينما والصداقة بين الأطفال والناشئة.
أما المقترح الثاني، فتمثل في دعوة الفنانين والسينمائيين والمفكرين والمسؤولين الثقافيين من مختلف الدول إلى زيارة إيران والتعرف إلى ثقافتها ومجتمعها بصورة مباشرة، فيما ركز المقترح الثالث على توسيع التعاون في مجال الدراسات الإيرانية، وتعزيز أقسام إيرانولوجيا، وإقامة قنوات مستدامة للتواصل بين الباحثين الإيرانيين ونظرائهم في الخارج، إلى جانب إنشاء مراكز بحثية مشتركة.
إيران وروسيا.. الثقافة في قلب العلاقات الثنائية
وعلى هامش المنتدى، التقى صالحي نائبة رئيس الوزراء الروسي ورئيسة اللجنة المنظمة للمنتدى، تاتيانا غوليكوفا، وبحث معها آفاق تطوير العلاقات الثقافية بين البلدين. وأكد أن تنظيم «أيام الثقافة الإيرانية» في مدن سان بطرسبورغ وموسكو وقازان وأستراخان عكس إرادة مشتركة لتعزيز التواصل بين الشعبين وترسيخ العلاقات الثنائية.
وشمل التعاون الثقافي بين إيران وروسيا خلال السنوات الأخيرة مجالات الكتاب والنشر والموسيقى والفنون التشكيلية والمسرح، فيما برزت السينما والرسوم المتحركة وألعاب الفيديو بوصفها مجالات جديدة للتوسع في المرحلة المقبلة.
شراكة سينمائية وإنتاج مشترك
وفي هذا السياق، أعلن صالحي عن إعداد وثيقة تعاون جديدة لتعزيز الشراكة السينمائية بين البلدين، تشمل الاستثمار والإنتاج المشترك في الأفلام الطويلة والوثائقية والرسوم المتحركة، إلى جانب تطوير التعاون في مجال سينما الأطفال والناشئة.
وأكد أن الاستثمار المشترك سيكون من الخطوات الأولى لتنفيذ هذا التعاون، مع إمكانية إنتاج أعمال تقدم القدرات الثقافية والفنية للبلدين إلى الجمهور العالمي، وتتناول موضوعات مشتركة، من بينها الأسرة.
واختتم صالحي مشاركته بالتأكيد على أهمية الثقافة بوصفها مساحة للتعارف والحوار، وعلى قدرة التراث والأدب والفنون على تجاوز حدود الذاكرة الوطنية والانفتاح على الفضاء الإنساني المشترك، بما يعزز التقارب بين الثقافات ويسهم في حماية التراث المشترك للبشرية.