حين يصنع القائد قادةً..

الخامنئيّ ونصرالله والهاشميّ؛ من علوّ الرؤية إلى صناعة الرجال وبقاء المدرسة

خاص الوفاق/ عظمة القادة لا تُختبر في حضورهم فقط، بل فيما يبقى واقفاً بعد غيابهم. وهنا تتجاوز العلاقة بين السيد الخامنئي والسيد نصر الله والسيد صفي الدين حدود الرجال الثلاثة، لتصبح سؤالاً عن قدرة المدرسة التي أسهموا في بنائها على الاستمرار وإنتاج القيادة

د. أكرم شمص

 

 

في التاريخ رجالٌ تقاس عظمتهم بما أنجزوه، ورجالٌ تقاس بما تركوه، وقلّة من الرجال يمكن قراءة أثرهم من خلال الرجال الذين أسهموا في تكوين تجربتهم السياسية والفكرية. عند هذه النقطة يصبح القائد أكبر من حدود منصبه، لأن القيادة لم تعد سلطة يمارسها، بل قدرة على إنتاج معنى، وصناعة رجال، وبناء مدرسة تستطيع أن تستمر بعد غياب أصحابها.

 

 

من هذه الزاوية يمكن قراءة العلاقة التي جمعت سيّد شهداء الأمّة آيةالله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) بالشهيد الأسمى السيّد حسن نصرالله والشهيد الهاشمي السيّد هاشم صفي الدين.

 

 

ليست المسألة مجرد علاقة بين إيران وحزب الله، ولا مجرد صلة بين مرجعية دينية وقيادات لبنانية. فهذه زاوية صحيحة؛ لكنها لا تكفي وحدها لفهم التجربة. ثمة مستوى آخر يتعلق بالفكر والثقة وتراكم التجارب وتقاسم الأدوار وبناء المؤسسات.

 

 

لقد كان الرجال الثلاثة مختلفين في الموقع والشخصية والوظيفة؛ لكن مساراتهم تقاطعت داخل مشروع سياسي وعقائدي واحد. وفي الخطاب الذي تبنّوه، كان القائد الشهيد آيةالله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) يمثل المرجعية والرؤية الأوسع، والسيد نصرالله يمثّل القيادة التي حولت جانباً من هذه الرؤية إلى استراتيجية سياسية وعسكرية وإعلامية في لبنان، فيما مثّل السيد هاشم صفي الدين جانباً مؤسسياً وتنفيذياً عمل على تحويل الفكرة إلى مجتمع ومؤسسات وكوادر.

 

 

ومن هنا تبدأ الحكاية.

 

 

أوّلاً: نصرالله والهاشمي؛ حين كان أحدهما عضد الآخر

 

 

لفهم العلاقة بين الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله والشهيد الهاشمي السيد هاشم صفي الدين، تكفي تقريباً كلمة واحدة وردت في بيان نعيه: عضده؛ فقد وصفه حزب الله بأنه «أخاه وعضده وحامل رايته ومحل ثقته ومعتمده في الشدائد». والعضد ليس ظلاً ولا بديلاً، بل القوة التي تستند إليها قوة أخرى حين يثقل الحمل.

 

 

هكذا تكامل الرجلان مع اختلاف أدوارهما. كان السيد نصر الله أكثر حضوراً في المجال السياسي والجماهيري، وارتبط اسمه بالخطاب والقيادة ومعادلات الردع، فيما عمل السيد صفي الدين سنوات طويلة في عمق البنية التنفيذية والمؤسساتية للحزب، مديراً ومدبّراً وقائداً. وكان الأول معنياً بسؤال: إلى أين نذهب؟ فيما انشغل الثاني، ضمن مسؤولياته، بسؤال موازٍ: كيف نجعل المؤسسة والمجتمع قادرين على الوصول إلى هناك؟

 

 

وهنا تظهر فلسفة القيادة: القائد الكبير لا يحتاج إلى نسخ منه، بل إلى رجال يكملون ما لا يستطيع أن يفعله وحده. لذلك لم يكن مطلوباً من السيد صفي الدين أن يصبح «نصر الله الثاني»، بل أن يكون السيد هاشم صفي الدين بدوره وخصوصيته؛ فالقوة الحقيقية للمؤسسة لا تقوم على تشابه رجالها، بل على تكامل اختلافاتهم داخل اتجاه واحد.

 

 

ومن خلال المجلس التنفيذي وشبكة المؤسسات الاجتماعية والصحية والتعليمية والثقافية، ارتبط دور السيد صفي الدين أيضاً ببناء البيئة الاجتماعية الحاضنة للحزب. فالمقاومة، في رؤية الحزب، لا تقوم بالسلاح وحده؛ فالمقاتل له عائلة، والجريح يحتاج إلى علاج، والطفل إلى مدرسة، والمجتمع إلى مؤسسات تستطيع الصمود في زمن الحرب والأزمات.

 

 

وهنا التقى الرجلان في معادلة واحدة: السيد نصر الله عمل على بناء القدرة على الردع ومواجهة كسر الإرادة، فيما عمل السيد صفي الدين على تعزيز قدرة المؤسسة والمجتمع على تحمّل كلفة المواجهة. وبذلك لم تكن المؤسسة منفصلة عن الجبهة في هذه الرؤية، بل جزءاً من شروط استمرارها.

 

 

لقد كانا رجلين بوظيفتين مختلفتين داخل مشروع واحد: أحدهما حمل الراية في الواجهة، والآخر كان عضداً يسندها في العمق.

 

 

 

ثانياً: نصرالله والخامنئي؛ من المرجعية إلى الثقة

 

 

جمعت العلاقة بين السيد علي الخامنئي والسيد حسن نصر الله أبعاداً دينية وسياسية واستراتيجية وشخصية متداخلة. فلا يمكن اختزالها في توصيف واحد؛ فالدعم الإيراني لحزب الله والمرجعية الدينية والسياسية للسيد القائد الخامنئي كانا عنصرين أساسيين في تجربة الحزب، فيما عمل السيد نصر الله داخل واقع لبناني شديد التعقيد، وراكم خبرة سياسية واجتماعية وميدانية خاصة.

 

 

وقد كشفت حرب تموز 2006 جانباً مهماً من هذه العلاقة. فبحسب رواية الشهيد الفريق قاسم سليماني، انتقل خلال الحرب من لبنان إلى إيران لإطلاع القائد الشهيد على تطورات الميدان، ثم عاد حاملاً رسالة إلى السيد حسن نصر الله. وهنا تتجاوز الصورة مجرد التنسيق العسكري: بيروت تحت النار، والسيد نصر الله في قلب المواجهة، والسيد الخامنئي يتابع من طهران، فيما يصل الحاج قاسم سليماني بين الموقعين ولم تعد المسافة تُقاس بالكيلومترات، بل بوحدة الرؤية والسؤال الاستراتيجي.

 

 

وفي المدرسة الفكرية التي عبّر عنها الرجلان، لم تكن القوة سلاحاً فقط؛ بل منظومة تجمع الإنسان والإرادة والفكرة والمؤسسة والجمهور والخطاب. ومن هنا جاءت مكانة السيد نصر الله لدى القائد الخامنئي؛ إذ رآه قائداً يجمع بين السياسة والخطاب وإدارة المواجهة والتوازنات الداخلية والتفاعل مع الإقليم.

 

 

وتظهر القدس بوصفها نقطة التقاء رمزية بينهما. فعندما تحدّث السيد نصر الله عن الصلاة يوماً في المسجد الأقصى، تعامل السيد القائد الخامنئي مع ذلك بوصفه أملاً قابلاً للتحقق. والمغزى هنا أعمق من العبارة نفسها: فالقدس كانت الأفق الذي يمنح المشروع معناه؛ والسلاح والتنظيم والسياسة، وفق رؤيتهما، ليست غايات بذاتها، بل أدوات في صراع أوسع يتمحور حول فلسطين ومواجهة العدو الصهيوني.

 

 

وهكذا تطورت العلاقة من مرجعية دينية وسياسية إلى ثقة استراتيجية: السيد الخامنئي ينظر إلى المشهد من أفق إقليمي واسع، والسيد نصر الله يترجم جانباً من تلك الرؤية داخل الواقع اللبناني. وبين الإثنين تشكّلت علاقة قوامها الفكرة والثقة والتجربة، بحيث أصبح السيد نصر الله، في نظر القائد الخامنئي ومؤيديه، أكثر من أمين عام لحزب أصبح قائداً استطاع أن يحوّل الفكرة الكبرى إلى تجربة سياسية وميدانية داخل جغرافيا لبنان.

 

 

ثالثاً: الهاشمي والخامنئي؛ من الرؤية إلى المؤسسة

 

 

تكشف علاقة السيد علي الخامنئي بالسيد هاشم صفي الدين جانباً مختلفاً عن علاقة السيد نصر الله به. فإذا برزت الأخيرة في ميادين السياسة والاستراتيجية والحرب، فإن تجربة السيد صفي الدين تقود إلى عالم المؤسسة وبناء الإنسان.

 

 

درس السيد صفي الدين في قم وعرف بيئتها الدينية والفكرية، ثم عاد إلى لبنان وتدرج في المسؤوليات حتى ترأس المجلس التنفيذي لحزب الله؛ لكن الأهم لم يكن أين درس، بل كيف ترجم ما حمله من أفكار إلى مؤسسات؛ فثمة فارق بين مَن يعرف الفكرة ومَن يستطيع مأسستها وتحويلها إلى عمل مستدام.

 

 

وفي الرسالة التي وجهها القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) بعد رحيله، وصف السيد صفي الدين بأنه كان من الشخصيات البارزة في الحزب و«رفيقاً وناصراً دائماً»  للسيد نصر الله، وهو توصيف يلتقي مع وصف حزب الله له بأنه «عضد» نصر الله. فالرفيق والناصر ليسا على هامش القيادة، بل شريكان في تحمّل أعبائها، خصوصاً عندما تصبح الطريق أكثر صعوبة.

 

 

وتبرز هنا خصوصية السيد صفي الدين بوصفه «المدير المدبّر»؛ إذ تعامل مع الإدارة كجزء من القيادة، عبر بناء المؤسسات والكادر والخدمات والتخطيط لمواجهة الأزمات. وفي حديثه عن خدمة الناس، شدد على التدريب والتأهيل والتخطيط والابتكار والاستفادة من الطاقات، بما يعكس رؤية لا تريد موظفاً ينفذ فحسب، بل كادراً يفكر ويستطيع تحمّل المسؤولية.

 

 

وهنا تتجلّى الصلة الفكرية الأعمق بين الرؤية والمؤسسة: الفكرة التي لا تتحول إلى رجال ومؤسسات تبقى خطاباً، أما الفكرة التي تبني الإنسان القادر على حملها فتكتسب فرصة الاستمرار بعد غياب أصحابها.

 

 

ومن هذه الزاوية يمكن فهم موقع السيد صفي الدين في العلاقة مع القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض): إذا كانت الرؤية ترسم الطريق، فإن «المدير المدبّر» كان يعمل على بناء المؤسسة والإنسان القادرين على السير فيه.

 

 

رابعاً: الخامنئي ونصر الله والهاشمي؛ حين تصبح القيادة مدرسة

 

 

تكتمل الصورة عند جمع الأدوار الثلاثة: القائد الخامنئي يمثّل الرؤية والمرجعية، والسيد نصر الله القيادة والاستراتيجية، والسيد صفي الدين المؤسسة والإدارة والاستمرارية؛ لكنها لم تكن، في هذه القراءة، سلسلة أوامر جامدة، بل دائرة تتفاعل فيها الفكرة مع الميدان، ويتحول اختبار الميدان إلى خبرة، ثم تتولى المؤسسة تحويل الخبرة إلى ممارسة واستمرارية.

 

 

وهنا يظهر المعنى الأعمق للقيادة: عظمة القائد لا تكمن في إبقاء الآخرين أصغر منه، بل في قدرته على صناعة رجال قادرين على القيادة من بعده.

 

 

ومن هذه الزاوية، قرأ محبّو السيد القائد الخامنئي علاقته بالسيد نصر الله والسيد صفي الدين باعتباره مرجعية لمدرسة سياسية وفكرية، فيما طوّر الرجلان تجربتهما الخاصة داخل الواقع اللبناني. فالأستاذ الحقيقي لا يصنع نسخة من نفسه، بل إنساناً يفهم المنهج إلى درجة يستطيع معها مواجهة أسئلة جديدة.

 

 

ومن تفاعل الأدوار الثلاثة تشكلت مدرسة متعددة الأبعاد: سياسية في قراءة التوازنات، وعسكرية في بناء القوة، وإعلامية في تحويل الخطاب إلى عنصر من عناصر المواجهة، ومؤسساتية واجتماعية في بناء بيئة قادرة على الاستمرار، وروحية تمنح التضحية والزمن معنى يتجاوز الحساب السياسي المباشر.

 

 

وهنا يظهر الاختبار الأصعب لكل مشروع يرتبط بقادة كبار: ماذا يبقى عندما يغيب القائد؟ إذا كانت المؤسسة هي الرجل، تموت معه؛ أما إذا تحول الرجل إلى منهج، والمنهج إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى ثقافة، فإن غياب الفرد لا يعني بالضرورة غياب الوظيفة التي كان يؤديها. ولهذا تصبح إحدى أعلى وظائف القيادة أن تبني مؤسسة قادرة على الاستمرار بعد صاحبها.

 

 

ومن الشهيد السيد عباس الموسوي إلى الشهيد السيد حسن نصر الله، ثم إلى تحديات ما بعد غياب القيادات، ظل هذا السؤال حاضراً في تجربة حزب الله: هل تستطيع المدرسة إنتاج قادة جدد وحماية استمراريتها؟ وهنا تظهر أهمية الدور المؤسساتي الذي مثّله السيد صفي الدين إلى جانب الدور القيادي الذي مثّله السيد نصر الله والمرجعية التي مثّلها القائد الخامنئي.

 

 

وفي النهاية، يمكن اختصار العلاقة بين الثلاثة بمعادلة واحدة: قائد يقدّم الرؤية، ونصر الله يجسّد القيادة والميدان، وصفي الدين يمثّل المؤسسة والاستمرارية. ومن اجتماعها يتشكل مفهوم أوسع للقوة: فكرة تعرف ماذا تريد، وقيادة تعرف كيف تتحرك، ومؤسسة تعرف كيف تبقى.

 

 

فالرهان الأكبر لأي مدرسة سياسية ليس أن يبقى رجالها إلى الأبد، بل أن تتحول أفكارهم وخبراتهم إلى وعي ومؤسسات قادرة على الاستمرار بعدهم. وهنا ينتقل القائد من شخص في التاريخ إلى منهج يحاول أن يصنع التاريخ.

 

 

خاتمة: حين يرحل القادة وتبقى المدرسة

 

 

في النهاية، لا تُختبر عظمة القادة في حضورهم فقط، بل فيما يبقى واقفاً بعد غيابهم. وهنا تتجاوز العلاقة بين السيد علي الخامنئي والسيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين حدود الرجال الثلاثة، لتصبح سؤالاً عن قدرة المدرسة التي أسهموا في بنائها على الاستمرار وإنتاج القيادة.

 

 

وهذا الامتحان يجري اليوم بالفعل: في إيران مع السيد القائد مجتبى الخامنئي، وفي لبنان مع الشيخ نعيم قاسم. فالرجلان لا يقفان أمام مهمة استنساخ من سبقهما، بل أمام مسؤولية حمل المنهج إلى زمن جديد وتحديات جديدة. وهنا يظهر الفارق بين وراثة الموقع ووراثة المدرسة؛ فالأولى تملأ الفراغ، أما الثانية فتحافظ على المسار وتطوره.

 

 

وهذا ربما يكون المعنى الأعمق لعنوان المقال: «حين يصنع القائد قادةً». فالقائد الكبير لا يترك وراءه مقعداً شاغراً، بل يترك رجالاً ومؤسسات ومنهجاً قادراً على الاستمرار.

 

 

فالصور تحفظ الذاكرة، أما المؤسسات فتحفظ المسار؛ والقائد يبلغ ذروة أثره حين يغيب جسده، ولا يبدأ مشروعه من الصفر.

 

 

المصدر: الوفاق / خاص

الاخبار ذات الصلة