«مذكرة تفاهم إسلام آباد»؛ مفتاح الدبلوماسية الصينية لإنهاء العدوان الأمريكي على إيران

الوفاق/ كان أحد بنود جدول الأعمال الرئيسية لمحادثات رئيس جمهورية الصين، خلال زيارة الدولة التي قام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ملف العدوان العسكري الصهيو - أمريكي على إيران. وقد حظي هذا الموضوع، إلى جانب قضايا دولية أخرى مثل الذكاء الاصطناعي والحرب التجارية، باهتمام قادة أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، وأكد كلا الرئيسين أنهما أجريا محادثات في واشنطن حول هذا الموضوع.

وكانت إحدى النقاط البارزة في زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى واشنطن، تأكيده على الحل الدبلوماسي للعدوان ودعوته لأمريكا إلى العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد. وعلى الرغم من أن الموقف الثابت للصين طوال الأشهر السبعة التي مضت على العدوان العسكري لأمريكا والكيان الصهيوني على إيران كان التأكيد على ضرورة التسوية السلمية للنزاع، إلا أن تأكيد الحكومة الصينية على هذا الموقف خلال زيارته إلى واشنطن حظي بأهمية خاصة.

 

 

وأكدت الحكومة الصينية، في 24 سبتمبر/ أيلول 2026م، في بيان لها: «أعرب رئيس جمهورية الصين، شي جين بينغ، عن أمله في أن تعود الولايات المتحدة وإيران بأسرع وقت ممكن إلى مسار تسوية القضايا عبر الحوار والتفاوض». وقال الرئيس الصيني في محادثاته مع الرئيس الأميركي، في البيت الأبيض: إن «الصين كانت دائماً على قناعة بضرورة احترام سيادة وأمن جميع الدول، ولطالما لعبت دوراً بنّاءً في خفض التوترات وتهدئة الأوضاع». وأضاف: أن «الصين شجعت الأطراف المعنية على الالتزام بالحلول السلمية والحفاظ على زخم المحادثات». كما صرح شي بأن الصين تدعم عودة الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد. وأعرب عن أمله في أن يتوصل البلدان في نهاية المطاف إلى اتفاق شامل يغطي القضية النووية وسائر الموضوعات، وأن يحققا السلام في أقرب وقت ممكن.

 

 

وقد حظي هذا الموقف للرئيس الصيني في لقائه مع نظيره الأمريكي بترحيب الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكتب الرئيس مسعود بزشكيان رداً على هذه الرسالة يوم الجمعة 25 سبتمبر/ أيلول، على منصة «إكس»: «أثمّن الدعم المدروس والمسؤول للرئيس شي جين بينغ للعودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد وتسوية الخلافات من خلال الحوار والدبلوماسية. وتشاطر إيران هذا النهج الرأي، وتؤكد على أهمية العودة إلى هذا التفاهم، والالتزام بالتعهدات المتفق عليها مسبقاً، وتوفير الظروف اللازمة للمضي قدماً في مفاوضات جادة وعميقة ومبنية على النتائج. إن تقارب وجهات النظر بين طهران وبكين بشأن احترام السيادة الوطنية، وخفض التوتر، والحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين، يوفر أرضية صلبة لاستمرار التعاون البنّاء».

 

 

بيد أن بيان الحكومة الصينية بشأن تأكيد الصين على الحل السلمي لم يكن المخرَج الوحيد للقاءات شي في واشنطن؛ فقد أفادت وكالة أنباء «شينخوا»، في تقرير لها، بتوصل شي جين بينغ ودونالد ترامب، في واشنطن، إلى 8 اتفاقات، كان أحد بنودها مرتبطاً بالكامل بإيران. وتظهر لهجة هذا البند أن الطرفين اضطرا لتقديم تنازلات كبيرة للوصول إلى اتفاق ونقطة مشتركة بشأن إيران. وقد تطرق هذا البيان فقط إلى مسألة الأسلحة النووية ومستقبل مضيق هرمز. ويؤكد البند 3 من الاتفاق المكون من 8 بنود بين أمريكا والصين خلال هذه الزيارة: اتفق الرئيسان على أنه يجب على إيران الالتزام بتعهدها القاضي بـ«عدم تطوير أسلحة نووية»، وأنه لا ينبغي السماح لأي دولة أو جهة بفرض رسوم على الممرات المائية الدولية.

 

 

ويُظهر هذا الاتفاق أن الصين، في الوقت الذي تدعم فيه الحل الدبلوماسي للنزاع القائم، تسعى في الوقت ذاته إلى التركيز على القواسم المشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإيجاد توازن بنحوٍ ما بين علاقاتها الودية مع طهران وجهودها لتجنب النزاع مع واشنطن.

 

 

وقبل أيام معدودة فقط من زيارة شي إلى واشنطن، بعثت الدبلوماسية الصينية برسالة واضحة إلى البيت الأبيض من خلال الاستضافة الكبيرة لوزير الخارجية الإيراني «عباس عراقجي» في بكين، مفادها: «تمتلك الصين قنوات اتصال وأدوات تأثير خاصة تجاه طهران، وترى أن استمرار الحرب ليس في مصلحة الأطراف المتصارعة ولا في مصلحة المجتمع الدولي». وبالتزامن مع ذلك، رسمت المؤتمرات الصحفية للمتحدث باسم الجهاز الدبلوماسي الصيني في النصف الثاني من سبتمبر التوازن بين استراتيجيتين رئيسيتين لبكين: فمن جهة، دعوة صريحة لواشنطن وطهران لوقف آلة الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات. ومن جهة أخرى، الرفض الحاسم للنهج الأمريكي في فرض «الاختصاص القضائي العابر للحدود»، والعقوبات الأحادية على قطاع الطيران، ومحاولات قطع الروابط المالية بين الصين وإيران.

 

 

 لماذا تريد الصين إنهاءً دبلوماسياً للحرب؟

 

 

لا يمكن للصين، بوارداتها الهائلة من النفط من الخليج الفارسي، أن تتحمل إغلاقاً طويل الأمد لمضيق هرمز أو اتساع رقعة الأزمة لتشمل باب المندب والبحر الأحمر. فالتقلبات في الأسعار، والقفزة الكبيرة في تكاليف تأمين السفن، والاضطراب في سلاسل التوريد العالمية يوجه ضربة مباشرة للقطاع الإنتاجي والنمو الاقتصادي في الصين.

 

 

ويحتاج اقتصاد بكين إلى وصول سلس إلى نفط وغاز إيران والسعودية والإمارات وقطر، كما أن إطالة أمد الحرب تعني تفاقم انعدام الأمن في البنية التحتية للطاقة في المنطقة، ووضع بكين في مأزق الاختيار بين شركائها النفطيين العرب وشريكها الاستراتيجي إيران.

 

 

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون، في 15 سبتمبر/ أيلول خلال مؤتمره الصحفي: إن «الصين ترصد الأوضاع في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج الفارسي، ونأمل أن تسوي الأطراف المعنية الخلافات من خلال الحلول السياسية والدبلوماسية».

 

 

كما أعرب وزير الخارجية الصيني وانغ يي، يوم 16 سبتمبر/ أيلول، على هامش قمة قادة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك بقيرغيزستان، خلال لقائه مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عن «قلق بكين العميق» إزاء التصعيد الأخير للتوترات في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج الفارسي، وطالب بالتنفيذ الفوري لمذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة.

 

 

وكتب تشاو لونغ، كبير الباحثين في معهد شنغهاي للدراسات الدولية، في تحليل لمعهد بروكينغز: إن «الهاجس الملح لبكين هو ألّا تؤدي تداعيات الحرب إلى تعريض مصالحها الاقتصادية أو بيئتها الاستراتيجية أو مساحة مناورتها للخطر. إن مصلحة الصين في إنهاء الحرب ترتكز أساساً على الاستقرار، لأن مضيق هرمز يمثل بنية تحتية حيوية لمنظومة التجارة العالمية».

 

 

وكانت العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد إحدى الكلمات المفتاحية الرئيسية للمسؤولين الصينيين خلال الأسابيع الماضية. وتُعدّ مذكرة تفاهم إسلام آباد، التي أُبرمت يوم 18 يونيو/ حزيران 2026م بوساطة باكستان بين رئيسي الولايات المتحدة وإيران، الإطار الوحيد المدون والمتفق عليه بين واشنطن وطهران بعد اندلاع الاشتباكات. وترى بكين أن بدء مفاوضات جديدة من نقطة الصفر في خضم تبادل إطلاق النار ليس أمراً عملياً، وأن العودة إلى هذا الاتفاق هي أسرع وسيلة لاحتواء الأزمة. كما أن تبلور الاتفاق بوساطة باكستان، بصفتها شريكاً استراتيجياً للصين، يضع بكين في موقع أفضل لتعزيز المبادرات الآسيوية في مواجهة النظام الأمني الأحادي الغربي.

 

 

وأكد وزير خارجية الصين في قمة منظمة شنغهاي للتعاون: إن «الصين تحث إيران والولايات المتحدة على التحلي بالعقلانية وضبط النفس، والعودة بأسرع وقت ممكن إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، وإحياء آلية المفاوضات على أساس الإجماع المتحقق، والبدء بمشاورات جوهرية حول القضايا ذات الاهتمام المشترك».

 

 

وفي الوقت ذاته، تؤكد بكين أن متطلبات الدبلوماسية المستدامة تقتضي تجنب واشنطن فرض عقوبات أحادية على قطاع الطيران وتطبيق الاختصاص القضائي العابر للحدود. وقال غو جياكون في 17 سبتمبر/ أيلول خلال مؤتمره الصحفي: إن «الصين تعارض أي إجراء يفتقر إلى تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وتمضي الصين قدماً في تعاونها الاقتصادي والتجاري الطبيعي مع الدول الأخرى على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة؛ وهذه التعاونات لا تستهدف أي طرف ثالث، ولا ينبغي أن تخضع لعرقلة أو إكراه من أي طرف ثالث».

 

 

وكتب الباحث في معهد الدراسات الدولية الصيني، لي زيكسين، في صحيفة «تشاينا ديلي»: إن «التأكيد مجدداً على سريان مذكرة تفاهم إسلام آباد يُبقي نافذة التفاعل السياسي بين الطرفين مفتوحة. ويتعين الآن على جميع الأطراف استغلال هذه الفرصة لاستئناف المحادثات السياسية، بدلاً من تأجيج المواجهة العسكرية وفرض الضغوط الاقتصادية».

 

 

دور الصين.. من تقليص المخاطر إلى التيسير الاقتصادي

 

 

على عكس الولايات المتحدة، لم تُبدِ بكين حتى الآن أي رغبة في تقديم ضمانات عسكرية للأمن في منطقة الخليج الفارسي، إلا أنها، باعتبارها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني والمصدر الأساسي لوارداتها الصناعية، تمتلك نفوذاً كبيراً لتمرير رسائل مطمئنة أو الحث على وقف إطلاق النار. وأظهر اجتماع واشنطن أن ترامب وشي متفقان على مبدأين أساسيين: منع التسلح النووي، والحفاظ على حرّية الملاحة البحرية دون فرض رسوم في الممرات المائية الدولية. ويمكن للصين، من خلال الاستفادة من هذه المصالح المشتركة، تهيئة الظروف لخروج الطرفين من المأزق؛ وهي مبادئ لم تلقَ معارضة من طهران أيضاً، نظراً لأن إيران أعلنت رسمياً أنه ليس لديها أي رغبة أو خطة للحصول على سلاح نووي، وفي الوقت نفسه ستحمي أمن الملاحة البحرية في الخليج الفارسي وبحر عُمان في حال انتهاء الحرب.

 

 

وكتب الباحث في الدراسات الاستراتيجية، أتول كومار، في 21 سبتمبر/ أيلول في «مؤسسة أوبزرفر للأبحاث»: إن «المساعي المحتملة للصين لتسوية القضايا في حرب أمريكا وإيران، في حال نجاحها، يمكن أن تؤذن بنهاية حقبة الأحادية الأمريكية. فالصين، بامتلاكها علاقات اقتصادية عميقة مع طهران، وعلاقات نشطة مع الدول العربية، ومصالح حيوية في مضيق هرمز ومبادرة الحزام والطريق، توجد في موقع يتيح لها ممارسة دور أكثر مباشرة لتيسير تسوية هذه الأزمة».

 

 

إن التعافي الاقتصادي لإيران بعد الحرب يتطلب استثمارات في البنية التحتية، ومبيعات مستمرة للنفط، والاستفادة من أنظمة مالية غير دولارية، وستكون الصين المزود الأهم لها. كل هذا يوضح أن مكاسب الإنهاء الفوري للحرب بالنسبة للصين تتجاوز بكثير مجرد انخفاض أسعار النفط الخام ومرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.

 

 

تدعم الصين مذكرة تفاهم إسلام آباد لأن هذا الإطار يمثل المسار الأقل كلفة للخروج من المأزق الراهن: فهو يُبقي النافذة الدبلوماسية مفتوحة، ويحول دون تفاقم الأزمة بشكل أكبر في مضيق هرمز الحيوي، ويتيح لبكين تثبيت دورها كـ«قوة مسؤولة» في النظام الإقليمي المستقبلي دون الدخول في التزامات عسكرية.

 

 

وفي الوقت نفسه، تحافظ بكين، عبر رفضها للعقوبات الأحادية والاختصاص القضائي العابر للحدود لأمريكا، على حدود تعاونها الاقتصادي مع إيران، وتتفاوض بالتزامن مع ذلك مع واشنطن حول المبادئ المشتركة (عدم الانتشار النووي وحرّية الملاحة).

 

 

بالنسبة لبكين، فإن إنهاء الحرب عبر المسار الدبلوماسي ليس خياراً أيديولوجياً، بل هو حساب عقلاني للحفاظ على استقرار الطاقة، وسلاسل التوريد، والموقع الاستراتيجي لبكين في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب.

 

المصدر: الوفاق