ويتحدى الهيمنة الغربية

من فالداي.. بوتين يرسم ملامح عالم متعدد الأقطاب

من أوكرانيا إلى الأمن الأوروبي والردع النووي، تتجاوز المواجهة حدود الحرب لتفتح صراعاً أوسع على قواعد القوة والنفوذ في العالم

العالم الذي عرفناه لعقود يتصدّع. في موسكو، لا يُنظر إلى الحرب في أوكرانيا باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية تدور على خطوط التماس، بل باعتبارها إحدى ساحات الصراع على شكل العالم الذي سيولد من رحم النظام الدولي القديم.

 

ومن على منصة منتدى «فالداي»، رفع فلاديمير بوتين سقف الرسالة: عصر القطب الواحد، يقترب من نهايته، والعالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، في تحول  لن يكون الغرب قادراً على تجاهله.

 

لم يكن خطاب الرئيس الروسي مجرد دفاع عن سياسات بلاده، بل محاولة لوضع الحرب الأوكرانية داخل سياق جيوسياسي أوسع، تتقاطع فيه روسيا والولايات المتحدة والصين وأوروبا، وتتداخل فيه قضايا الأمن والطاقة والاقتصاد والنفوذ العسكري مع سؤال أكثر جوهرية: من يملك القدرة على صياغة قواعد النظام العالمي المقبل؟

 

في الرواية الروسية، لم تبدأ الأزمة الأوكرانية في شباط/فبراير 2022، بل سبقتها سنوات من التوتر حول توسع حلف شمال الأطلسي، وترتيبات الأمن الأوروبي، والعلاقة بين أوكرانيا والغرب. وتقول موسكو إن هذه التطورات راكمت تهديدات اعتبرتها تمس أمنها القومي مباشرة. أما كييف والعواصم الغربية، فتقدم رواية مختلفة، وتحمل روسيا مسؤولية بدء الحرب وانتهاك سيادة أوكرانيا.

 

وبين الروايتين، تجاوزت المواجهة حدود أوكرانيا نفسها. فالحرب أعادت تشكيل الحسابات الأمنية الأوروبية، وعززت دور حلف الناتو والولايات المتحدة، ودفعت دولاً أوروبية إلى رفع إنفاقها الدفاعي وإعادة النظر في اعتمادها على الطاقة الروسية. كما عززت التقارب الروسي-الصيني، وأعادت قضية الردع النووي إلى صدارة النقاش الأمني.

 

ومن هنا لم يعد السؤال فقط: كيف تنتهي الحرب؟ بل أي نظام دولي سيخرج من تداعياتها؟

 

 

موسكو.. نهاية عصر القطب الواحد

 

جوهر الرسالة التي حملها بوتين في فالداي أن موازين القوى العالمية تغيرت بصورة عميقة، وأن المؤسسات والترتيبات التي تشكلت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أعيد تشكيلها بعد الحرب الباردة، لم تعد تعكس الواقع الدولي الراهن.

 

وترى موسكو أن صعود الصين، وتنامي أدوار القوى الآسيوية والإقليمية، وتعاظم أهمية الاقتصادات خارج الغرب، كلها مؤشرات على انتقال تدريجي نحو نظام تتعدد فيه مراكز القوة. ومن هذا المنطلق، تقدم روسيا نفسها باعتبارها قوة كبرى تدفع باتجاه إعادة توزيع النفوذ الدولي، وترى أن الاعتراف بتعدد مراكز القوة يجب أن يكون أساساً لإعادة بناء ترتيبات الأمن والتعاون العالمي.

 

 أوكرانيا.. ساحة الصراع على شكل الأمن الأوروبي

 

لم تعد أوكرانيا مجرد جبهة عسكرية، بل أصبحت نقطة تقاطع بين الأمن الأوروبي وموازين الردع وحدود النفوذ بين روسيا والغرب. ووفق موسكو، ترتبط جذور الأزمة بتحولات أعقبت نهاية الحرب الباردة، وفي مقدمتها توسع حلف شمال الأطلسي واقتراب البنية الأمنية الغربية من حدودها، بما تعتبره روسيا تهديداً مباشراً لمجالها الاستراتيجي.

 

وتنظر موسكو إلى المواجهة باعتبارها اختباراً لموقعها كقوة كبرى وقدرتها على التأثير في ترتيبات الأمن الأوروبي، لا مجرد نزاع على الأراضي الأوكرانية. في المقابل، ترى كييف وحكومات غربية أن روسيا اختارت القوة لتغيير الواقع السياسي والجغرافي، وتحمّلها مسؤولية الحرب.

 

وقد دفعت الحرب أوروبا إلى إعادة بناء حساباتها الأمنية، مع زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز القدرات العسكرية، وتوسيع دور حلف الناتو. كما دفعت دولاً أوروبية إلى تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية وتنويع إمداداتها، في ظل كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة. وهكذا أصبحت أوكرانيا اختباراً أوسع لمستقبل الأمن الأوروبي ولحدود النفوذ بين موسكو والغرب.

 

الردع النووي.. حدود المواجهة

 

لم يكتفِ بوتين بالحديث عن النظام الدولي، بل وجّه أيضاً رسالة واضحة بشأن مخاطر انتقال المواجهة إلى صدام مباشر بين روسيا والغرب.

 

أعادت الحرب أيضاً مسألة الردع النووي إلى مركز النقاش الاستراتيجي. فالتوتر بين روسيا والغرب يجري في ظل امتلاك الطرفين ترسانتين نوويتين ضخمتين، ما يجعل احتمال انتقال المواجهة إلى صدام مباشر قضية ذات تداعيات تتجاوز ساحات القتال.

 

وتؤكد موسكو أنها لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع دول الناتو، لكنها في الوقت نفسه تربط أمنها القومي بقدرتها على الردع، وتبعث برسائل تحذر من مخاطر توسيع نطاق الصراع.

 

وتكمن أهمية هذا البعد في أن الحرب لم تعد تختبر القدرات التقليدية فحسب، بل أعادت إلى الواجهة سؤال الاستقرار الاستراتيجي، ومستقبل الحد من التسلح، وحدود استخدام الردع النووي لمنع الخصوم من تجاوز خطوط حمراء تعتبرها القوى الكبرى حيوية لأمنها.

 

الصين.. شريك في التحول الدولي

 

في موازاة المواجهة مع الغرب، تحتل العلاقة مع بكين موقعاً مهماً في الحسابات الروسية. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً في التعاون الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي بين البلدين، في وقت أصبحت فيه الصين أحد أبرز مراكز القوة في النظام الدولي.

 

هذا وتمثل الصين جزءاً أساسياً من التحول نحو عالم متعدد الأقطاب. ولذلك فإن التقارب بين موسكو وبكين لا يُقرأ باعتباره علاقة ثنائية فقط، بل بوصفه أحد مظاهر التحول الأوسع في توزيع القوة العالمية.

 

وفي الوقت نفسه، أبقت موسكو الباب مفتوحاً أمام التواصل مع واشنطن، بما يعكس إدراكاً بأن إعادة تشكيل النظام الدولي لا تعني بالضرورة إلغاء قنوات التفاوض بين القوى الكبرى.

 

 معركة قواعد النظام الدولي

 

الأكثر دلالة في خطاب فالداي أن موسكو لا تنظر إلى الحرب في أوكرانيا باعتبارها نزاعاً محلياً على الحدود، بل باعتبارها جزءاً من مواجهة أوسع حول قواعد الأمن الدولي وتوزيع النفوذ.

 

وترى روسيا أن المعادلة الأمنية التي ترسخت في أوروبا بعد الحرب الباردة منحت الولايات المتحدة وحلفائها موقعاً مركزياً في تحديد ترتيبات الأمن الأوروبي، وأن التطورات الأخيرة كشفت الحاجة إلى إعادة توزيع هذا الدور بين القوى الكبرى. لذلك تطرح موسكو نفسها كقوة ترفض أن تكون مجرد متلقية لقواعد تُصاغ خارجها، وتسعى إلى تثبيت موقعها في أي ترتيبات أمنية دولية مقبلة.

 

وهنا تتجاوز القضية حدود أوكرانيا: فالمعركة تتعلق بالانتقال من نظام تميل فيه القوة إلى مركز واحد إلى نظام تتوزع فيه مراكز التأثير بين قوى كبرى متعددة.

 

 

* إلى أين يتجه العالم؟

ختاماً، يرسم خطاب فالداي ملامح عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، حيث تتمسك روسيا بدورها كقوة كبرى، ويحافظ الغرب على نفوذه، بينما توسع الصين وقوى أخرى حضورها.

 

وتبقى أوكرانيا اختباراً لهذا التحول. وفي النهاية، لا تدور المعركة فقط حول حدود دولة، بل حول من سيكتب قواعد العالم المقبل ومن سيملك القدرة على فرضها.

 

ورسالة موسكو واضحة: روسيا تريد أن تكون شريكاً أساسياً في صياغة النظام الدولي الجديد، لا مجرد طرف يتكيف مع قواعد يضعها الآخرون.

 

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة