لأكثر من ثلاثة عقود، تصرفت الولايات المتحدة كما لو أن سقوط الاتحاد السوفياتي لم يكن نهاية الحرب الباردة فحسب، بل نهايةً للمنافسة الكبرى على قيادة العالم. خرجت واشنطن من تلك اللحظة وهي تمتلك اقتصاداً هائلاً، وقوة عسكرية تتفوق على منافسيها بفارق واسع، ودولاراً يحتل قلب النظام المالي العالمي، وشبكة تحالفات وقواعد عسكرية تمتد عبر القارات. ومن موقع المنتصر، تحولت واشنطن إلى القوة المرجعية الأبرز في النظام الدولي، تفرض العقوبات، وتحدد قواعد التجارة، وتعيد تشكيل التحالفات، وتقرر متى يصبح التدخل العسكري ضرورة».
لكن المشكلة التي تواجه واشنطن اليوم أن العالم الذي خرج من الحرب الباردة لم يعد موجوداً بالشكل نفسه. العرش لم يسقط، لكنه بدأ يهتز، والفارق الذي كان يفصل الولايات المتحدة عن منافسيها لم يعد بالاتساع نفسه.
الدولار.. أول أعمدة الهيمنة التي بدأت تتصدع
كان الدولار أحد أعظم اختصارات القوة الأميركية. فمن خلاله لم تكن واشنطن تموّل اقتصادها فحسب، بل امتلكت أداة ضغط عالمية تتيح لها التأثير في حركة الأموال والتجارة الدولية، وتحويل العقوبات المالية إلى سلاح جيوسياسي بالغ الفاعلية. لكن امتيازاً بهذا الحجم لا يبقى محصناً إلى الأبد. فقد أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن حصة الدولار من الاحتياطيات الرسمية المعلنة لدى البنوك المركزية بلغت 56.32% في الربع الثاني من عام 2025، قبل أن ترتفع إلى 56.92% في الربع الثالث؛ كما أوضح الصندوق أن جانباً كبيراً من الانخفاض المسجل في الربع الثاني كان نتيجة تحركات أسعار الصرف، لا تحولاً واسعاً في محافظ البنوك المركزية.
ما زال الدولار العملة الاحتياطية الأولى بفارق كبير، فيما تسعى دول عديدة إلى تنويع احتياطاتها، وزيادة حيازتها من الذهب، وتوسيع استخدام العملات المحلية، وتقليل نقاط الضعف أمام العقوبات الأميركية.
الصين.. المنافس الذي يضرب في عمق القوة الأميركية
لم تدخل الصين إلى حلبة المنافسة العالمية بحاملات الطائرات وحدها، بل دخلتها بالمصانع والموانئ وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا. فالصين أصبحت قوة صناعية مركزية في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والتقنيات النظيفة، وتقول وكالة الطاقة الدولية إن الصين تمثل نحو 85% من طاقة تصنيع سلاسل الطاقة الشمسية و80% من طاقة تصنيع سلاسل بطاريات الليثيوم، مع حصص أعلى من ذلك في بعض المراحل مثل رقائق الخلايا الشمسية والمواد الفعالة للأقطاب.
لكن جوهر المسألة ليس أن بكين أصبحت «أميركا جديدة»، بل أنها تساعد على إنهاء زمن كانت فيه الولايات المتحدة قادرة على احتكار تعريف القوة. فالدولة التي تمتلك قاعدة صناعية قادرة على إنتاج جزء أساسي من التقنيات التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي، وتملك سوقاً ضخمة وقدرات تكنولوجية متنامية، تمتلك أوراقاً استراتيجية لا يمكن تجاهلها، حتى لو بقيت بعيدة عن الحلول محل الولايات المتحدة في مختلف وظائف القيادة الدولية.
القوة العسكرية.. عندما تتحول العضلات إلى فاتورة
لا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر في العالم بفارق هائل. فقد بلغ إنفاقها العسكري نحو 954 مليار دولار في عام 2025، مقابل 336 مليار دولار للصين، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام؛ واستحوذت الولايات المتحدة وحدها على نحو 33% من الإنفاق العسكري العالمي.
لكن حجم القوة لا يلغي سؤال الكلفة. فشبكة القواعد والتحالفات والانتشار العسكري تمنح واشنطن قدرة هائلة على التدخل، لكنها تفرض عليها التزامات واسعة ومتواصلة، ما يزيد الضغط على الاقتصاد والمؤسسات.
واشنطن لا تواجه خصومها فقط.. بل تواجه آثار قوتها
لكن اختزال أزمة الهيمنة الأميركية في صعود الصين وروسيا أو في توسع بريكس سيكون تبسيطاً مفرطاً. فجزء من المشكلة موجود داخل الولايات المتحدة نفسها: الدين العام، وكلفة خدمته، والاستقطاب السياسي، والتفاوت الاقتصادي، وأزمة الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تؤثر في قدرة واشنطن على إنتاج استراتيجية مستقرة وطويلة الأمد. والدولة التي تريد إدارة العالم تحتاج أولاً إلى أن تكون قادرة على إدارة نفسها؛ وحين يتحول الانقسام الداخلي إلى عائق أمام القرارات الكبرى، تصبح القوة المادية أقل قدرة على إنتاج النفوذ السياسي.
تحول أدوات الهيمنة إلى حافز لبناء البدائل
ولعل المفارقة الأعمق في المشهد أن بعض أدوات القوة الأميركية بدأت تنتج، بفعل الإفراط في استخدامها، حوافز لبناء بدائل عنها. فالعقوبات المالية الواسعة، والقيود التكنولوجية، واستخدام الدولار في الضغط على الخصوم، ومحاولات إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وفق اعتبارات جيوسياسية، لم تدفع الدول الأخرى إلى التراجع؛ بل دفعت بعضها إلى التفكير في تقليل نقاط الضعف التي يمكن لواشنطن استغلالها
وتكشف سلاسل التكنولوجيا والطاقة عن طبيعة الصراع المقبل: لم يعد التنافس على من يملك القوة اليوم فقط، بل على من يستطيع تحويلها إلى اعتماد طويل الأمد. وتقدم الصين مثالاً واضحاً على انتقال مركز الثقل من مجرد امتلاك المال والسلاح إلى امتلاك القدرة على إنتاج التقنيات التي يحتاج إليها الآخرون. وهكذا قد تتحول أدوات الهيمنة نفسها إلى مدرسة يتعلم منها الآخرون كيف يقللون اعتمادهم على المركز.
عالم يتعلم كيف يقول «لا»
ربما تكون هذه هي الصورة الأكثر إزعاجاً لواشنطن: العالم لا ينتظر إمبراطورية جديدة لكي يبدأ رفض الهيمنة القديمة. تتوسع الصين اقتصادياً وصناعياً، والهند ديموغرافياً واقتصادياً، وروسيا عسكرياً وطاقياً، فيما تبحث قوى إقليمية عديدة عن هامش أوسع للاستقلال
ولا يعني ذلك أن بريكس أو منظمة شنغهاي أو غيرهما أصبحتا بديلاً متكاملاً للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة؛ فهذا استنتاج لا تدعمه الوقائع الحالية. لكن وجود هذه الأطر واتساع محاولات تنويع الشراكات يعكسان اتجاهاً أوسع: العالم يتحرك نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، حتى لو لم يمتلك بعد مركزاً بديلاً قادراً على الحلول محل واشنطن
وهنا تقع المفارقة الكبرى: قد لا يستطيع خصوم أميركا بناء نظام عالمي بديل غداً، لكنهم يستطيعون منع واشنطن من الاستمرار في التصرف وكأنها النظام العالمي نفسه
عندما يصبح العالم أقل أميركية
قد تبقى أميركا غنية وقوية ومسلحة ومؤثرة، وفي الوقت نفسه تفقد شيئاً من قدرتها على تحديد قواعد اللعبة وحدها. وهذا هو التغيير الأكثر عمقاً: أن تتحول الولايات المتحدة من القوة التي تستطيع فرض إيقاع النظام الدولي إلى قوة كبيرة مضطرة إلى التفاوض مع قوى أخرى حول شكل هذا النظام.
بنت واشنطن نفوذها على الدولار والقوة العسكرية والتكنولوجيا والتحالفات، وهذه المنظومة تواجه اليوم ضغوطًا متزامنة. لا يعني ذلك نهاية الهيمنة الأميركية، لكنه يعني أن كلفة استمرارها تتغير. فالتاريخ يعلّمنا أن الهيمنة لا تسقط حين يُنزع العلم، بل حين يتوقف الآخرون عن الحاجة إلى المركز ويبنون طرقًا لا تمر عبره. أميركا لن تختفي من العالم، لكن العالم بدأ يخرج من أميركا. وهذه هي بداية الأفول الحقيقي.