أقيمت مساء الإثنين 5 أكتوبر في طهران مراسم بعنوان «من أجل الحرية؛ من النهر إلى البحر» لتكريم الشاعر وأستاذ العلوم السياسية تميم البرغوثي، تزامناً مع ذكرى عملية «طوفان الأقصى».
شارك في المراسم مثقفون إيرانيون وشخصيات من محور المقاومة ومسؤولون ثقافيون، وناقشوا شعر البرغوثي وفكره ومواقفه من القضية الفلسطينية والمقاومة، إلى جانب رؤيته لقائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض).
وتضمن البرنامج ثلاث حلقات نقاشية حول الأدب الفلسطيني، وتحليل قصيدة البرغوثي عن قائد الأمّة الشهيد، والتضامن مع الأطفال الفلسطينيين. كما شهدت المراسم إطلاق كتاب «البُردة الثالثة»، الذي يضم قصيدة من 200 بيت في مدح النبي محمد(ص)، بترجمة حجة الإسلام محمدرضا زائري.
فلسطين جزء من الضمير المعاصر
في رسالة وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، سيد عباس صالحي، التي تلاها نيكنام حسينبور، حضرت فلسطين أولاً بوصفها قضية ثقافية وإنسانية تتجاوز الجغرافيا. فوزير الثقافة رأى أنها ليست مجرد أرض محتلة، بل جزء من «الضمير المعاصر»، وأن الأدب الذي يولد من تجربة شعبه يستطيع أن يحول المعاناة إلى ذاكرة تتحدى النسيان.
وفي هذا السياق، منح صالحي الشعر مكانة خاصة؛ فهو، حين يرتبط بذاكرة شعب، لا يعود زخرفة لغوية، بل يصبح وثيقة للزمن ولساناً للحاضر. ومن هنا جاءت الإشارة إلى تميم البرغوثي بوصفه شاعراً يجمع بين تراث الشعر العربي وقضايا عصره، ويجعل القصيدة مساحة يلتقي فيها التاريخ بالواقع.
وتوقفت الرسالة عند قصيدة «من النهر إلى البحر، ستتحرر فلسطين»، وعند قصيدته في رثاء «قائد الأمّة الشهيد»، باعتبارهما مثالين على قدرة الشعر على تجاوز الحدود اللغوية والجغرافية، وعلى التعبير عن روابط ثقافية قد تكون أعمق من العلاقات الرسمية.
كما اعتبر وزير الثقافة ترجمة «البُردة الثالثة» إلى الفارسية فرصة لاكتشاف الجانب الديني والفكري في تجربة البرغوثي، وتعزيز الحوار بين الثقافة الإيرانية والعالم العربي.
كلمة البرغوثي.. الأدب تحت القصف
من جهته، منح تميم البرغوثي اللقاء بُعداً إنسانياً واضحاً. ففي رسالته المصورة، أعرب عن تقديره لاجتماع المثقفين في طهران «في زمن الحرب» لمناقشة الشعر والأدب، مستحضراً «البُردة» وأعمال والديه، رضوى عاشور ومريد البرغوثي.
وكانت فكرته المركزية أن الاهتمام بالشعر تحت القصف امتداد لتقليد عريق في مقاومة المعتدين والمستبدين بالكلمة الجميلة والنقية. بهذا المعنى، لا يقف الأدب خارج الصراع الإنساني، ولا يتحول إلى خطاب سياسي مباشر، بل يحافظ على قدرة الإنسان على إنتاج المعنى والجمال في أقسى الظروف.
وحملت كلمته أيضاً تقديراً لما رآه من جمال في المدارس والمساجد والأصوات الدينية، رابطاً بين الجمال والذاكرة والقوة المعنوية. وبدا الشعر، في رؤيته، فعلاً إنسانياً قادراً على مواجهة محاولات إخماد الصوت، لا بالسلاح، بل ببقاء الكلمة حية.
«البُردة الثالثة»
كان إطلاق «البُردة الثالثة»، وهي قصيدة من مئتي بيت في مدح النبي محمد(ص)، لحظة مركزية في البرنامج، فالكتاب يضع تجربة البرغوثي في حوار مباشر مع تقليد عربي قديم بدأ ببردة البوصيري، ثم امتد إلى «نهج البردة» لأحمد شوقي.
وأبرزت المداخلات الأخرى قيمة البرغوثي بوصفه شاعراً يجمع الشعر والفكر والتاريخ، ولا يبقى أسيراً للتعارض بين الحداثة والتقليد. كما برزت دعوات إلى توسيع ترجمة الأدب العربي، ولا سيما الفلسطيني، وإلى بناء تواصل ثقافي أكثر عمقاً بين المؤسسات الأدبية الإيرانية والعربية.
كما أعادت المراسم طرح الترجمة بوصفها فعلاً ثقافياً، يفتح التعارف الأدبي مساحات جديدة للفهم والحوار بين التجارب العربية والفارسية والثقافات المتجاورة والأجيال المختلفة.
وفي النهاية، بدا التكريم أوسع من الاحتفاء بشاعر بعينه: إنه احتفاء بالقصيدة حين تتحول إلى ذاكرة، وبالترجمة حين تصبح جسراً، وبالثقافة حين تمنح الشعوب لغة للحديث معاً. وفي عبارة لافتة من النقاشات، «الشعر وحده لا يوقف الحرب، لكنه يصنع الذاكرة»؛ وربما هنا تكمن إحدى أهم دلالات حضور البرغوثي في طهران.

