شيراز لا تفصل الشعر عن الحياة؛ ففي حدائقها ومزار حافظ الشيرازي، تبدو القصيدة لغةً للوجدان وجسراً بين الثقافات. جاءت زيارة وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، سيد عباس صالحي، إلى شيراز، لتجمع إحياء التراث بمشروعات القراءة والفنون والصناعات الإبداعية.
الشعر بوصفه ذاكرةً حية
أُقيمت مساء الاثنين، 12 أكتوبر 2026، الدورة الوطنية الثلاثون لإحياء ذكرى الشاعر الإيراني البارز حافظ الشيرازي، في «حافظية» بمدينة شيراز، بحضور وزير الثقافة، ومحافظ فارس، حسين علي أميري، إلى جانب مسؤولين ثقافيين ومهتمين بالأدب الفارسي.
واستُهلّت المراسم بتلاوة آيات من القرآن الكريم، وعزف النشيد الوطني، وعرض مقطع مصوّر، قبل أن يتناول المتحدثون المكانة الثقافية والأدبية لحافظ.
وأكد صالحي على عظمة الأثر الذي تركه حافظ في اللغة الفارسية واستمراره، مشيراً إلى أنه لم يقتصر على الإبداع الشعري، بل أسهم في ابتكار معانٍ جديدة، وتوسيع الإمكانات التعبيرية للمفردات والتراكيب، وتعزيز الصلة بين الشعر والموسيقى.
وأشار وزير الثقافة إلى دراسات تفيد بأن 506 مفردات محورية وردت في ديوان حافظ شهدت تحولات دلالية مقارنة باستخداماتها قبل عصره.
كما سلّط صالحي الضوء على توظيف حافظ عناصر من العربية والفارسية في شعره، وتطويره أساليب التورية وتعدد الدلالات، وتجديده فن الغزل من خلال جزالة التعبير، وثراء الصورة الشعرية، وتنوع الإيقاع.
وأوضح وزير الثقافة أن تأثير حافظ تجاوز حدود إيران، مؤكداً أن صون اللغة الفارسية يسهم في تعزيز الهوية وترسيخ التواصل الثقافي. واختتم بالتأكيد على أهمية قيم العدل والسلام وصون كرامة الإنسان.
أوز؛ عاصمة الكتاب وكنوز دواوين حافظ النفيسة
امتد الاهتمام إلى البنية الثقافية الداعمة للقراءة، فقد زار صالحي، برفقة محافظ فارس والمدير العام للثقافة والإرشاد الإسلامي بالمحافظة، جناح «أوز؛ بايتخت كتاب ایران» أي «أوز؛ عاصمة الكتاب في إيران»، وشهد إزاحة الستار عن ملصق المدينة بهذه الصفة.
ويستند الاختيار إلى مشاركة أوز في فعاليات الكتاب والقراءة، وإلى تعاون المؤسسات الثقافية والمحسنين والمجموعات الشعبية. وتدل التجربة على أن ثقافة القراءة تُبنى بالعمل المجتمعي، لا بالألقاب وحدها.
وفي محطة تصل الذاكرة الأدبية بصون الكتاب، زار صالحي كنز الدواوين النفيسة والنادرة لهذا الشاعر الإيراني الشهير، في مجموعة الأستاذ داريوش نويدكويي، تحت عنوان «كنجينه ديوان هاي نفيس حافظ» أي «كنز دواوين حافظ النفيسة».
بدأ نويدكويي نشاطه الثقافي والنشري عام 1970، ونشر أكثر من 4,300 عنوان، ونال أكثر من 900 شهادة تقدير من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي. كما أسهم في التعريف بشخصيات شيراز الثقافية، بينها ميرزا علي أصغر خان حكمت وإبراهيم كلستان وفرصت الدولة الشيرازي. ويبرز هذا العمل دور النشر والاقتناء لحفظ التراث للأجيال.
زيارة «شيراز إكسبو» و«إكسبو آرت»
ومن الكتاب انتقلت الزيارة إلى الاقتصاد الثقافي، فزار صالحي معرض «شيراز إكسبو 2026»، وتوقفا عند قسم «إكسبو آرت» للفنون والصناعات اليدوية.
وقال وزير الثقافة: إن المعرض الفني يسلط الضوء على اقتصاد الفن، ويساعد في تعريف العالم بالإبداع الإيراني وهويته الثقافية، والصناعات الإبداعية والفنون أصبحت جزءاً مهماً من التداول الاقتصادي، وأن انتقال الأعمال والخدمات الفنية يتيح نقل الهوية مع المنتجات.
كما عرضت أجنحة المعرض صناعات يدوية وهدايا محلية وأطعمة تقليدية ومحاصيل زراعية، للتعريف بالمناطق الأقل شهرة وربط المنتجين بالأسواق.
مكتبة ذكية تخلّد أطفال ميناب
وشملت الزيارة افتتاح مكتبة «فرشته هاي ميناب» أي «ملائكة ميناب»، أول مكتبة ذكية في محافظة فارس، بمساحة 1,700 متر مربع موزعة على أربعة طوابق، وتضم 19 ألف مجلد.
وصُممت مركزاً للتعلم؛ ففيها أقسام للأطفال واليافعين، وورشة للابتكار، وقاعات مطالعة، وقسم لكبار السن، فضلاً عن المراجع والدوريات. وتوظف المكتبة التقنيات الحديثة لخدمة أجيال مختلفة.
ويحمل اسمها دلالة تذكارية، إذ يخلّد ذكرى تلاميذ مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب(جنوب إيران) الذين استشهدوا خلال القصف الأمريكي الوحشي، محولاً الذاكرة إلى فضاء للمعرفة.
تجلّيات الشعر في الخط
واختُتمت المحطات بلقاء الخطاط والرسام الخطي عليرضا كريمبور بحضور صالحي وأميري. واستلهم كريمبور أكثر من ألفي لوحة من غزليات حافظ وأبياته، وتعلّم الخط على يد الأستاذ قاسم أحسنت.
كما درّس الخط والتصميم الجرافيكي قرابة ثلاثة عقود، ونظّم معارض فنية. وأهدى وزير الثقافة والمحافظ لوحة مستوحاة من شعر حافظ.
تكشف هذه المحطات عن تصور للثقافة يربط القصيدة بالمكتبة، والمخطوط بالابتكار، والفن بالاقتصاد، والذاكرة بالمشاركة العامة.
وفي شيراز، لا يبدو حافظ أثراً محفوظاً في مزار، بل مصدراً متجدداً للحوار بين اللغة والصورة والمعرفة، وللتأكيد على أن الاستثمار الثقافي هو ما يفتح التراث على المستقبل.




