سلة إنتاج متنوعة وطاقة منخفضة التكلفة تحمي الأسواق المحلية

فشل رهان الـ14 يوماً.. لماذا لم ينهَر الاقتصاد الإيراني؟

الوفاق/ في حين كان وزير الخزانة الأمريكي قد زعم سابقاً أن الاقتصاد الإيراني سيتعرض للانهيار خلال أسبوعين، حلّ الموعد المحدد؛ لكن الاقتصاد الإيراني ظلّ صامداً، تماماً كما أكد المسؤولون الاقتصاديون. فقبل 14 يوماً، تحدّث وزير الخزانة الأمريكي والمهندس الرئيسي للهجوم الاقتصادي على إيران، سكوت بيسنت، بثقة عن انهيار الاقتصاد الإيراني، إلا أن هذا الادّعاء قوبل بردود فعل سريعة من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين.

وكان أول مَن ردّ على تصريحات بيسنت هو رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف، الذي كتب على حسابه الشخصي في منصة «إكس»، موضحاً الوضع الهشّ الذي يواجهه بيسنت: «إن الحكومة الأمريكية اقترضت في الماضي مبالغ كبيرة بأسعار فائدة تقترب من الصفر، وقد حان الآن موعد سداد هذه القروض، وأصبحت الحكومة مضطرة إلى الاقتراض مجدداً بأسعار فائدة أعلى بكثير لتسديد ديونها السابقة». كما ذكّر قاليباف، في المنشور نفسه، بيسنت بأن دور إيران في إبقاء مضيق هرمز مغلقاً والحفاظ على ارتفاع أسعار الطاقة، فضلاً عن تأثيرها في زيادة عوائد السندات، قد وضع وزارة الخزانة الأمريكية أمام أزمة متفاقمة، وزاد من حدة المشكلات التي يواجهها.

 

 

وجاء الردّ التالي من وزير الاقتصاد الإيراني، علي مدني زاده، الذي علّق على تهديد بيسنت بانهيار الاقتصاد الإيراني خلال أسبوعين: «منذ سنوات طويلة وهم يقولون إن الاقتصاد الإيراني سيتدمر أو سينهار بعد أسبوعين أو شهر، ومن المؤكد أن هذه الأمور لن تحدث، فاطمئنوا». وأضاف: «إنهم يريدون إثارة الاضطرابات والقلق بين المواطنين، لدفعهم إلى التهافت على سوق العملات الأجنبية ورفع أسعار الصرف، وإلا فإن هذه التصريحات لا جدوى منها، ونحن أيضاً لن نسمح بحدوث ذلك».

 

 

لكنّ الردّ الأكثر إثارة للاهتمام كان من محافظ البنك المركزي، عبدالناصر همتي، الذي أكد يوم الخميس الماضي (8 أكتوبر 2026)، رداً على سؤال مراسل وكالة الجمهورية الاسلامية للأنباء: «قولوا للسيّد بيسنت إنه لم يتبقَّ أمامه سوى ثلاثة أيام».

 

 

وكان بيسنت، الذي يستند إلى أربعة عقود من العمل في الأسواق المالية الكلية وأسواق العملات وأسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال، ينظر إلى نفسه ليس بوصفه وزيراً للخزانة فحسب، بل أيضاً باعتباره متداولاً ذا خبرة واسعة. وقد سبق له أن شارك في أحداث مثل «الأربعاء الأسود» للجنيه الإسترليني عام 1992، والتحولات التي شهدها الين الياباني خلال تطبيق سياسات «آبينوميكس» الاقتصادية.

 

 

ومع ذلك، لم يتمكن هذه المرة من أخذ تعقيدات الاقتصاد الإيراني في الحسبان عند إجراء حساباته، وبقي توقعه بشأن انهيار الاقتصاد الإيراني، شأنه شأن ادعاءات الرئيس الأمريكي، مجرد وعد لم يتحقق.

 

 

 لماذا لا يمكن أن ينهار الاقتصاد الإيراني؟

 

 

يرى بعض الخبراء أن أسباب صمود الاقتصاد الإيراني، رغم تعرض البلاد لحربين مفروضتين خلال عام واحد، وتصاعد ضغوط العقوبات وتشديد الحصار البحري، تعود إلى عدة عوامل، أهمها التكيف مع ظروف العقوبات على مدى نحو عقدين من الزمن. فعلى الرغم من أن العقوبات فُرضت هذه المرة على نطاق واسع، وشملت طيفاً كبيراً من الأنشطة الاقتصادية، فإن الفاعلين الاقتصاديين الإيرانيين سبق لهم أن اختبروا طرق الالتفاف على هذه العقوبات.

 

 

وهكذا، تمكّن الاقتصاد الإيراني، حتى خلال فترة الحصار البحري والحرب المفروضة، وفي ظل العقوبات التي طالت النقل الجوي أحياناً، من الحفاظ على شبكة تأمين السلع التي تحتاج إليها البلاد، ومواصلة تزويد الأسواق بها.

 

 

أمّا العامل الثاني في الصمود، فيتمثل في تنوع سلة الصادرات الإيرانية. فإيران تمتلك مجموعة واسعة من الصناعات الإنتاجية، تشمل الصناعات الكبرى مثل الصلب والبتروكيماويات، وصولاً إلى الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

 

 

وتتمتع بعض الشركات الصناعية الكبرى، ولا سيما العاملة في مجالات استخراج المعادن والفلزات، بإمكانية الحصول على الطاقة منخفضة التكلفة، الأمر الذي يعزز ربحيتها. وتشكل البيانات المالية للشركات الصناعية الكبرى المنشورة على منظومة «كُدال» للإفصاح المالي دليلاً على ذلك. إضافة إلى ذلك، فإن امتلاك إيران أراضي شاسعة وخصبة تتيح إنتاج أنواع مختلفة من المحاصيل الزراعية، جعل البلاد مكتفية ذاتياً في تأمين جزء كبير من الاحتياجات العامة للمواطنين والسلع الأساسية، وخفّض اعتمادها على استيراد المنتجات الزراعية، بحيث يتم تأمين 85 في المئة من احتياجات السلة المعيشية للمواطنين من خلال الإنتاج المحلي.

 

 

ويتمثل العامل الرابع في القدرة على إحلال الإنتاج المحلي محل الواردات، وهي ميزة برزت بوضوح خلال الحصار البحري الأخير، إذ تمكن المنتجون المحليون من طرح السلع التي تحتاج إليها البلاد في الأسواق بأسعار أقل، في حين كانت العديد من هذه السلع تُؤمَّن في السابق عن طريق الاستيراد.

 

 

أمّا العامل الخامس، فيمكن البحث عنه في الميزة التي تتمتع بها إيران في تأمين احتياجاتها من الطاقة. فعلى الرغم من تعرض قطاع الطاقة في البلاد، ولا سيما قطاع البتروكيماويات، لأضرار خلال الحرب المفروضة، فإنه تمكن خلال الأشهر القليلة الماضية من استعادة جزء من قدراته الإنتاجية المفقودة، وإدارة الاختلالات الناجمة عن ذلك باستخدام أساليب محلية.

 

 

سوق رأس المال في ذروة ازدهاره

 

 

خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في العام الجاري، لم تقتصر التطورات على زيادة عدد الشركات المدرجة في البورصة والسوق الموازية، بل شملت أيضاً تنوع أدوات سوق رأس المال، بما فيها صناديق الاستثمار بالعملات الأجنبية، وصناديق الذهب والفضة، وصناديق الدخل الثابت، وصناديق المشاريع، والصناديق المختلطة (وهي صناديق تستثمر في مجالات متنوعة، بما فيها الإنتاج والمبيعات)، وشهادات إيداع السلع، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الدولية عبر بورصة الطاقة، وغيرها.

 

 

وقد أسهمت هذه التطورات في تحويل سوق رأس المال الإيراني إلى إحدى أدوات تعزيز القوة الاقتصادية للبلاد. وارتفع عائد البورصة خلال العام الجاري، منذ بدايته وحتى الآن، إلى 5/2 ضعف مستواه السابق.

 

 

التأثيرات المزعزعة لتصريحات بيسنت في سوق العملات الأجنبية

 

 

مع ذلك، لا يمكن إنكار حقيقة أن هذه التصريحات تركت آثارها في الأسواق المرتبطة بالتطورات السياسية، وفي مقدمتها سوق العملات الأجنبية. فقد تزامنت تصريحات بيسنت بشأن وعده بانهيار الاقتصاد الإيراني مع تراجع الإيرادات من العملات الأجنبية نتيجة انخفاض الصادرات، ما أدى إلى تسجيل قفزة في أسعار العملات الأجنبية خلال الأسبوعين الماضيين، حتى إن الأسعار، بحسب اعتقاد المراقبين، تجاوزت مستوياتها الحقيقية والأساسية.

 

 

وهذه الظاهرة سبق أن شهدها الاقتصاد الإيراني أيضاً، إذ إن القفزات التي سجلتها أسعار العملات الأجنبية في الاقتصاد الإيراني منذ أواخر عقد التسعينيات من التقويم الهجري الشمسي (أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين) وحتى الآن، كانت دائماً لأسباب سياسية.

 

 

ويرى الخبراء الاقتصاديون أن الادّعاء بانهيار الاقتصاد الإيراني يشكل جزءاً من الحرب الإعلامية الأمريكية، وأن تحققه بعيد عن واقع الاقتصاد الإيراني، رغم الأضرار الناجمة عن العقوبات والحرب. ويؤكد هؤلاء أن ما شهدته سوق العملات الأجنبية خلال الأيام الأخيرة كان في الحقيقة نتيجة التفاعل المتبادل والتأثير التراكمي لكل من التوقعات التضخمية والعجز التجاري ومعدل التضخم. ولهذا السبب، ينبغي المضي قدماً، أكثر من أي وقت مضى، نحو تقليص الاعتماد على الدولار وتنويع مسارات الصادرات الإيرانية ووجهاتها.

 

 

والحقيقة هي أن تقلبات أسعار الصرف والمشكلات الاقتصادية في إيران لا تعود إلى الضغوط الخارجية فحسب، بل تمتد جذورها أيضاً إلى أوجه الضعف في الإدارة الداخلية. وبإمكان الحكومة، إلى جانب تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، الاستفادة من الإمكانات والصلاحيات القانونية للحد من آثار الضغوط الخارجية على الاقتصاد والأسواق.

 

 

المصدر: الوفاق