جسور حضارية لتعزيز التفاهم والسلام بين الشعوب

السياحة والتراث الحي.. فرصة لإحياء الروابط الحضارية بين شعوب المنطقة

أكدت اللجنة الوطنية الإيرانية لليونسكو أهمية صون التراث الثقافي غير المادي وتوظيف الموروث الحضاري المشترك لتعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب، باعتباره ركيزة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وتقوية الروابط الثقافية والتاريخية، وفتح آفاق أوسع للتعاون الإقليمي.

أكدت اللجنة الوطنية الإيرانية لليونسكو أهمية صون التراث الثقافي غير المادي وتوظيف الموروث الحضاري المشترك لتعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب، باعتباره ركيزة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وتقوية الروابط الثقافية والتاريخية، وفتح آفاق أوسع للتعاون الإقليمي. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التحديات والصراعات التي يشهدها العالم، إذ يتيح التراث الحي مساحة للتلاقي بين المجتمعات، متجاوزاً الحدود السياسية والجغرافية، وممهداً الطريق أمام ترسيخ ثقافة التعايش السلمي ودعم التنمية المستدامة.

 

وفي هذا السياق، عُقد الاجتماع السابع لمجلس أمناء مركز طهران للتراث الثقافي غير المادي في العاصمة الإيرانية، بمشاركة علي دارابي، نائب وزير التراث الثقافي، وحسن فرطوسي، الأمين العام للجنة الوطنية الإيرانية لليونسكو، وآتوسا مؤمني، رئيسة المركز، ومحسن غلامي، مدير مجموعة التعليم في مكتب اليونسكو بطهران، إلى جانب عدد من سفراء الدول الأعضاء. وشهد الاجتماع إلقاء رسالة وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، سيد رضا صالحي أميري، التي تناولت أهمية التراث الحي في صون هوية الشعوب وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.

 

 التراث الحي.. مساحة للحوار في أوقات الأزمات

 

وأكد دارابي أن إيران وشعبها وجدا نفسيهما، من دون إرادة منهما، في خضم حربين مفروضتين من جانب قوتين نوويتين، مشيراً إلى أن انعقاد الاجتماع في ظل هذه الظروف يعكس تمسك إيران بصون الثقافة وحماية موروثها الحضاري، ومواصلة الجهود الرامية إلى الحفاظ على التراث الثقافي بمختلف أشكاله.

 

وأوضح أن العاملين في مجالات الثقافة والتراث غير المادي يتحملون مسؤولية مضاعفة في المرحلة الراهنة، تتمثل في تعزيز الحوار والتفاهم والتعاطف بين الشعوب، وتطوير لغة مشتركة تساعد على تقريب وجهات النظر وتوسيع مساحات التواصل الإنساني والثقافي، ولا سيما في الظروف التي تشتد فيها الحاجة إلى تعزيز الروابط بين المجتمعات.

 

من جانبه، شدد فرطوسي على أهمية صون التراث الثقافي غير المادي في مواجهة التحديات الراهنة، لما يمثله من فرصة لتعزيز الروابط التاريخية والثقافية بين الشعوب، وتوسيع آفاق الحوار والتعايش السلمي. وأشار إلى أن مفهومي الكرامة الإنسانية ووحدة الجنس البشري يواجهان تحديات جدية في عالم اليوم، لافتاً إلى أن توظيف التكنولوجيا في الحروب وارتكاب الجرائم يطرح تساؤلات ملحّة بشأن سبل تعزيز القواسم الإنسانية المشتركة وترسيخ التضامن بين المجتمعات.

 

الموروث المشترك يتجاوز الحدود الجغرافية

وبيّن فرطوسي أن التراث الثقافي غير المادي يتميز بطبيعته الحية وارتباطه المباشر بالحياة اليومية، إذ يتجلى في الطقوس والتقاليد والممارسات الاجتماعية وأنماط العيش والمعارف المتوارثة، بخلاف التراث المادي الذي يرتبط أساساً بالآثار والمنشآت والأشياء المحسوسة. وتمنح هذه الخصوصية التراث غير المادي قدرة على تجاوز الحدود السياسية والجغرافية، واستحضار الروابط الثقافية بين الشعوب وتعزيزها.

 

واستشهد في هذا السياق بعدد من المناسبات والتقاليد المشتركة في بلدان المنطقة، من بينها مراسم الأربعين وعيد النوروز ومهرجان مهركان، مؤكداً أن توثيق هذه الموروثات والتعريف بها وصونها يتيح إعادة اكتشاف الروابط الثقافية العميقة بين المجتمعات، ويساعد على إبراز ما يجمعها من جذور تاريخية وقيم إنسانية وثقافية راسخة، رغم اختلاف تجاربها وتنوع خصوصياتها.

 

ولفت إلى أن هذه المشتركات يمكن أن تشكل أساساً متيناً للحوار والتفاهم والتعايش السلمي، وأن تسهم في تعزيز التقارب الثقافي بين الشعوب، بما يجعل التراث الحي عنصراً فاعلاً في بناء جسور التواصل وتوسيع مجالات التعاون الإقليمي.

 

كما استشهد فرطوسي بمظاهر من الإرث الحضاري المشترك، من بينها منشور كورش وألواح القوانين المنسوبة إلى حمورابي، بوصفها شواهد تاريخية تتيح قراءة جوانب من مسيرة التفاعل بين المجتمعات الإنسانية. وأشار كذلك إلى الروابط الثقافية التي تجمع شبه القارة الهندية بآسيا الوسطى ومراكز حضارية عريقة، مثل سمرقند وبخارى، مؤكداً أهمية هذا الموروث في إبراز الجذور المشتركة وتعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب.

 

 صون التراث ركيزة للتنمية المستدامة

وتطرق فرطوسي إلى الصلة الوثيقة بين صون التراث الثقافي والحفاظ على التنوع الثقافي وحماية البيئة، موضحاً أن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب التعامل بصورة متكاملة مع الأبعاد الثقافية والبيئية لحياة المجتمعات.

 

وأكد أن حماية المياه والتربة والبيئة، بالتوازي مع صون التنوع الثقافي والمعارف التقليدية، تمثل عناصر أساسية ينبغي أخذها في الاعتبار عند إعداد الخطط ووضع برامج التعاون الإقليمي. فالموروث الثقافي لا يقتصر على العادات والطقوس، بل يشمل أيضاً معارف متراكمة وممارسات متوارثة أسهمت في تنظيم علاقة المجتمعات بمحيطها الطبيعي وإدارة مواردها عبر الأجيال.

 

وشدد فرطوسي على أهمية تحديد موقع مركز طهران للتراث الثقافي غير المادي ومهامه ضمن منظومة المؤسسات الوطنية والدولية، موضحاً أن المركز لا يسعى إلى الحلول محل الجهات الحكومية المعنية أو منظمة اليونسكو، بل يهدف إلى أداء دور حلقة وصل بين الشعوب والحكومات والمؤسسات في دول المنطقة.

 

وأعرب فرطوسي، عن أمله في أن تسهم البرامج التي ينفذها المركز في بلدان المنطقة في تعزيز المعرفة المتبادلة بين الشعوب، وصون الموروث المشترك، وتوسيع آفاق الحوار والتعاون الثقافي، بما يدعم جهود ترسيخ السلام المستدام وتحقيق التنمية المستدامة.

 

من جانبها، أكدت مؤمني، ضرورة مواصلة تطوير أنشطة المركز وتعزيز أثرها المستدام في المجتمعات، معربة عن أملها في أن تسهم مداولات الاجتماع السابع لمجلس الأمناء، من خلال الحوار البنّاء وتبادل الرؤى والخبرات، في توطيد الثقة المتبادلة وتوسيع نطاق التعاون الإقليمي في مجال صون التراث الثقافي غير المادي.

 

ويعكس هذا التوجه أهمية الانتقال من مجرد توثيق الموروث الثقافي إلى تفعيله بوصفه رصيداً حياً للتواصل بين الشعوب، بما يعزز حضور الثقافة في مسارات التعاون الإقليمي، ويجعل من الذاكرة المشتركة والتنوع الحضاري أساساً لبناء علاقات أكثر تقارباً، ودعم السلام والتنمية المستدامة.

 

المصدر: الوفاق