التضخم والغلاء وأسعار الوقود تفجر احتجاجات عنيفة في 5 دول اوروبية

امتدت شرارة الاحتجاجات الشعبية لتشمل عدة عواصم ومدن أوروبية كبرى يوم السبت، حيث خرج مئات الآلاف للتعبير عن غضبهم من تفاقم أزمة السكن وتدني الأجور. وتصدرت البرتغال وإيطاليا المشهد بتحركات ميدانية واسعة، عكست حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر الأوروبية في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة الأساسية.

في العاصمة البرتغالية لشبونة، احتشدت جموع غفيرة في الشوارع الرئيسية استجابة لدعوة الاتحاد العام للعمال البرتغاليين، منددين بالسياسات الاقتصادية الحالية. وأكد المشاركون أن الرواتب لم تعد تواكب القفزات الجنونية في أسعار العقارات والإيجارات التي جعلت من الحصول على سكن أمراً شبه مستحيل للطبقات المتوسطة والفقيرة.
وتشير البيانات الاقتصادية في البرتغال إلى أن أسعار المنازل قفزت لأكثر من الضعف منذ عام 2017، بينما شهدت عقود الإيجار الجديدة زيادات مماثلة أرهقت كاهل المواطنين. هذه الأزمة السكنية الحادة وضعت البرتغال في مقدمة الدول الأوروبية التي تعاني من اختلالات هيكلية في سوق العقارات، مما دفع النقابات للتحذير من انفجار اجتماعي.
وعلى الصعيد الرسمي، جاء رد الحكومة البرتغالية حازماً على لسان وزير الشؤون البرلمانية كارلوس أبريو أموريم، الذي صرح بأن السلطة لن تخضع لضغوط الشارع. وأوضح أموريم أن الحكومة تنفذ بالفعل حزمة من التدابير لمعالجة أزمة السكن، مؤكداً أن الحلول تتطلب وقتاً ولا يمكن أن تأتي عبر الاحتجاجات الصاخبة.
وفي إيطاليا، اتخذت الاحتجاجات منحى أكثر عنفاً، حيث تحولت التظاهرات في مدينتي ميلانو وبولونيا إلى مواجهات مباشرة بين قوات مكافحة الشغب والمحتجين. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات من الملثمين الذين حاولوا اقتحام مناطق تجارية وسياحية حيوية، مما أدى إلى حالة من الذعر وإغلاق المحال التجارية.
وشهدت ساحة كاتدرائية ميلانو الشهيرة اشتباكات عنيفة رشق خلالها المتظاهرون عناصر الأمن بالحجارة والأجسام الصلبة، مما استدعى تدخلاً أمنياً مكثفاً. وأسفرت هذه المواجهات عن إغلاق محطات المترو الرئيسية وتوقف الحركة السياحية في المنطقة، وسط تقارير عن وقوع إصابات طفيفة بين الجانبين وتوقيف عدد من المشاغبين.
أما في مدينة بولونيا شمالي البلاد، فقد أفادت مصادر محلية بأن الشرطة اضطرت لاستخدام خراطيم المياه لتفريق تجمعات احتجاجية خرجت عن مسارها السلمي. وأكدت وكالات الأنباء توقيف سبعة أشخاص على الأقل بتهمة الاعتداء على رجال الأمن وإثارة الشغب، في ظل توتر أمني ملحوظ تشهده المدن الإيطالية الكبرى.
ولم تكن فرنسا بعيدة عن هذا المشهد، إذ شهدت تظاهرات ضخمة شارك فيها مئات الآلاف ضد الغلاء وتدهور الخدمات العامة في مختلف الأقاليم. وقدر المنظمون عدد المشاركين بنحو 800 ألف شخص، في حين أعلنت وزارة الداخلية عن توقيف المئات من المتورطين في أعمال نهب وتخريب طالت الممتلكات العامة والخاصة.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توعد بملاحقة كل من شارك في أعمال العنف، مؤكداً أن الدولة ستضرب بيد من حديد على المتورطين في التخريب. وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت حساس للحكومة الفرنسية التي تواجه انتقادات واسعة بسبب سياساتها المالية والتقشفية التي مست قطاعات الصحة والتعليم.
وفي بلجيكا، خرجت مسيرات أصغر حجماً لكنها حملت ذات المطالب المتعلقة بمكافحة التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وركز المحتجون البلجيكيون على ضرورة تدخل الدولة لضبط أسعار الطاقة والمواد الغذائية التي سجلت مستويات قياسية خلال الأشهر الأخيرة، متأثرة بالأزمات الجيوسياسية العالمية.
أما في ألبانيا، فقد اتخذت الاحتجاجات طابعاً سياسياً مباشراً، حيث طالب المتظاهرون باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما وحكومته. وشهدت العاصمة تيرانا صدامات بين أنصار المعارضة وقوات الأمن، وسط اتهامات للحكومة بالفساد والفشل في إدارة الملف الاقتصادي الذي أدى لارتفاع معدلات الفقر والهجرة.
ويرى مراقبون أن هذه الموجة من الاحتجاجات تعكس حالة من عدم الرضا الشعبي العام في القارة الأوروبية تجاه التعامل الحكومي مع تداعيات التضخم. ففي البرتغال، وصل معدل التضخم إلى 3.6%، مدفوعاً بارتفاع أسعار الوقود بنسبة 15% نتيجة التوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على إمدادات الطاقة.
وتتحضر عدة دول أوروبية، من بينها إيطاليا، لاستحقاقات انتخابية قادمة، مما يجعل من هذه الاحتجاجات ورقة ضغط سياسية قوية بيد المعارضة والنقابات. ويبدو أن الشتاء القادم سيحمل المزيد من التحديات للحكومات الأوروبية التي تحاول الموازنة بين الالتزامات المالية الدولية والمطالب الشعبية المتزايدة بتوفير حياة كريمة.

المصدر: فارس