من مطعمٍ صغير إلى عظمة الحضارة الإيرانية…

أخيرًا، أتيحت لي، مساء أمس، الجمعة ١٦ اكتوبر ، فرصة استخدام بطاقتي المؤسسية «نوين‌كارت». فبحثت عبر الإنترنت، وانطلقت برفقة أفراد أسرتي إلى أقرب مطعم من منزلنا؛ مطعم صغير، أنيق، حميم، يبعث على الهدوء والسكينة، كنت أظن أنه لن يكون سوى مكان نتناول فيه العشاء ونستريح قليلًا من عناء أيام أسبوعٍ حافل.

الدكتور عباس خامه يار

 

 

لكنّ بعض اللحظات العادية من الحياة تخبّئ، في ثناياها، أحداثًا صغيرة تفتح نوافذ واسعة على الفكر والذاكرة؛ أحداثًا تصل خيوط الذهن بين الحاضر والماضي، وتنقل تجربة بسيطة إلى رحاب تأمّل عميق في تاريخ أمة وهويتها ومصيرها.

 

لقد كانت مفاجأة وجود بضعة كتب نفيسة في أركان متفرقة من المطعم، وعلى مائدة الطعام التي جلسنا إليها، كافية لأن تُلقي بصدمة الأسعار ــ هذه الظاهرة المؤلمة التي باتت سمةً عامة من سمات أيامنا ــ إلى هامش المشهد، وتستأثر الكتب فجأةً بنظري واهتمامي. يا له من مشهدٍ باعث على البهجة! كأن الثقافة استطاعت، ولو للحظات، أن تتقدّم على أعباء الحياة وضغوطها، وأن تنتشل الروح من رتابة اليوميّ والمألوف.

 

كنت أمام مشهد جميل، مبتكر، ومثير للتأمّل في آنٍ واحد؛ مشهد لم تقع عيناي على نظيرٍ له سوى مرة واحدة، قبل سنوات طويلة، في مقهى بمدينة دوشنبه، عاصمة طاجيكستان. وقد كتبت يومها عن تلك المبادرة ونشرت مقالًا بشأنها؛ لأنني أؤمن بأن الكتاب، أينما وُجد، حتى في زاوية مطعم صغير، يمكن أن يتجاوز حضوره حدود كونه مجرّد أثرٍ ثقافي، ليغدو تعبيرًا عن توقير الفكر، ودعوةً إلى الحوار، وجسرًا يصل الحياة اليومية بعالم المعرفة اللامتناهي.

 

غير أنّ ما أثار إعجابي هذه المرة، وأبهجني أكثر من المبادرة ذاتها، لم يكن مجرّد وجود الكتب، بل كان حُسن اختيار عناوينها وانتقاءها بذكاءٍ ووعي.

 

فقد كانت على مائدتنا مجموعة «تاريخ إيران القديمة» (تاريخ إيران باستان)، المؤلَّفة من ثلاثة مجلدات ضخمة وثمينة، للمؤرخ الإيراني البارز حسن بيرنيا، المعروف بلقب «مشير الدولة». ويُعدّ هذا العمل من المؤلفات الرائدة في مسار كتابة التاريخ بأسلوب علمي في إيران؛ إذ يستند إلى المصادر التاريخية، ويدرس روايات المؤرخين القدماء، ليقدّم صورة واسعة لتاريخ إيران والعالم المحيط بها.

 

ولا تقتصر هذه المجموعة، التي تتناول تاريخ إيران منذ عهد الميديين والأخمينيين، مرورًا بالتحولات التي أعقبت حملة الإسكندر وقيام الدولة الأشكانيّة، على سرد صعود السلالات الحاكمة وأفولها؛ بل تفتح نافذةً على عالم الحضارات القديمة، وعلاقات الشعوب، والحروب، والروابط الثقافية، وعلى مسيرة أرضٍ لا يمكن فصل تاريخها عن تاريخ الشرق الأوسط والعالم القديم.

 

إنّه لاختيارٌ ذو دلالة عميقة! فكتابٌ تتحدّث صفحاته الضخمة عن تعاقب القوى، والغزاة والحكّام، وعن ازدهار الدول وأفولها، وعن خلود الحضارة وبقائها، ها هو اليوم يستقرّ في ركنٍ من مطعم صغير، ماثلًا أمام ناظريّ؛ وذلك في زمنٍ عادت فيه إيران والحضارة الإيرانية لتكونا في صميم تهديدات الناهبين، وادّعاءاتهم، وحسابات القوى الغازية والاستعمارية.

 

فهل يمكن اعتبار هذا الاختيار مجرّد مصادفة؟ لعلّني لا أعرف النيّة الدقيقة لصاحب المطعم، الذي لم ألتقِ به حتى الآن ولا أعرفه، غير أنّ تزامن هذه المبادرة مع الظروف الراهنة التي تمرّ بها بلادنا كان يحمل، بالنسبة إليّ على الأقلّ، دلالةً تتجاوز حدود الزينة الثقافية. وكأنّ هذه الكتب، من دون أن تنطق بكلمة، كانت تنقل إلى القارئ رسالة واضحة: لا يمكن معرفة إيران من خلال ضجيج السياسة اليومية؛ فمَن أراد أن يعرف إيران حقّ المعرفة، عليه أن يقرأ تاريخها، ويفهم ذاكرتها، ويتأمّل حضارةً ضاربة الجذور في تاريخ العالم، منذ قرونٍ سبقت ظهور كثيرٍ من أولئك الذين يتباهون اليوم بالقوة ويدّعون امتلاك زمامها.

 

لقد أكّدت مرارًا، في هذه الأيام، خلال حواراتي ومناظراتي التلفزيونية مع محاورين أمريكيين، هذه الحقيقة بعينها: إنّ واشنطن، وعمومًا قطاعًا واسعًا من المنظومة السياسية والحسابية في الغرب، لا يزال عاجزًا عن فهم المجتمع الإيراني. وهذا العجز ليس مجرّد خطأ في التحليل، بل يتحوّل أحيانًا إلى منبعٍ لقرارات باهظة الكلفة، وحساباتٍ شديدة الخطأ؛ إذ لا يمكن فهم شعبٍ يمتلك مثل هذه الذاكرة التاريخية، وهذا الإرث الحضاري، وهذه التجربة السياسية، من خلال معايير تبسيطية، وصور نمطية تروّج لها وسائل الإعلام، وتصوراتٍ مسبقة تحجب الواقع بدلًا من أن تكشفه.

 

ولعلّ جذور هذا الجهل ينبغي أن تُلتمس، على الأقلّ، في التجارب التاريخية المعاصرة، ومنها انقلاب الثامن والعشرين من مرداد عام ١٣٣٢ هـ.ش، الموافق ١٩ آب/أغسطس ١٩٥٣، حين أدّت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية دورًا في إسقاط حكومة الراحل الدكتور محمد مصدّق الوطنية، ودفع المسار السياسي الإيراني نحو تحوّلٍ مصيري. ولم يكن ذلك التدخّل مجرّد واقعة سياسية عابرة؛ بل كان تعبيرًا عن فجوة عميقة بين إرادة المجتمع الإيراني وحسابات القوى التي توهّمت أنّ بإمكانها تقرير مصير هذا الشعب وهذه الأرض من خارج حدودهما.

 

وبعد سنوات، في مساء الحادي والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر ١٩٧٧، الموافق للعاشر من دي ماه عام ١٣٥٦ هـ.ش، وصف الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمي كارتر، إيران، خلال مأدبة العشاء التي أقامها محمد رضا شاه في طهران، بأنّها «جزيرة استقرار» في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. وقد جاءت هذه الكلمات في أثناء زيارته إلى إيران، عشية العام الميلادي الجديد، قبل أسابيع قليلة فحسب من اندلاع موجة الانتفاضة الشعبية التي هزّت أركان النظام الملكي، وانتهت في نهاية المطاف بانتصار الثورة الإسلامية.

 

يا لها من هوّة سحيقة بين تقديرات رئيس أقوى دولة في العالم، وبين الواقع الذي كان يتشكّل في أعماق المجتمع الإيراني! لقد خلطت المنظومة الحسابية في واشنطن بين الاستقرار الظاهري للنظام ورضا المجتمع عنه، وصاغت صورةً لإيران لم تكن، في جانبٍ كبير منها، انعكاسًا لحقائقها الاجتماعية بقدر ما كانت صدىً لأماني أصحاب تلك المنظومة وافتراضاتهم السياسية المسبقة.

 

والتاريخ، بطبيعة الحال، يعلّمنا أنّ هذه الأخطاء لا تنتهي؛ وإنّما تغيّر أثوابها فحسب. فتارةً تظهر في صورة الثقة المفرطة بالحلفاء، وتارةً في هيئة التحليلات السطحية، وأخرى في لغة التهديد والعقوبات، وأحيانًا في وهم القدرة على إخضاع شعبٍ وإجباره على الاستسلام بالضغط أو الترهيب أو القوة العسكرية.

 

واليوم أيضًا، إذا كان الغزاة وصنّاع قرارات الحرب يظنّون أنّهم قادرون، من خلال الصور الدعائية، والروايات المصطنعة، واستعراض القوة، على كسر إرادة شعب، فعليهم أن يعودوا إلى التاريخ مرةً أخرى؛ إلى ذلك التاريخ نفسه الذي انفتح أمام ناظريّ فوق مائدة المطعم الصغير، في ثلاثة مجلّدات ضخمة صامتة.

 

إنّ إيران أرضٌ تعرّضت مرارًا لغزوات الشعوب والقوى المختلفة؛ غير أنّ مسيرتها التاريخية لا يمكن تفسيرها بمجرد تعداد الحروب والهزائم والانتصارات. إنّ سرّ بقاء هذه الأرض يكمن في قدرتها المدهشة على إعادة بناء ذاتها، واستيعاب العناصر الوافدة من الخارج، وتحويل التجارب المريرة والعذبة التي عاشتها عبر التاريخ إلى جزءٍ من ذاكرتها وثقافتها.

 

ويشكّل المغول مثالًا جليًّا على هذه الحقيقة التاريخية. فقد اجتاحوا هذه الأرض ذات يوم بالسيف والنار، ودمّروا مدنها، واستهدفوا الكتب ومعالم المعرفة والعلم فيها؛ غير أنّهم، مع مرور الزمن، هم أنفسهم تأثّروا بالثقافة الإيرانية وتحوّلوا في رحابها، وأصبحوا امتدادًا لجزءٍ من تراث إيران السياسي والثقافي. جاء الغزاة ثم مضوا، وقامت السلالات الحاكمة ثم سقطت، لكنّ اللغة والثقافة والذاكرة التاريخية لإيران الكبرى واصلت مسيرتها، على الرغم من كلّ الجراح التي خلّفتها الأيام في جسدها.

 

ولا يعني هذا القول إنكار ما خلّفته الغزوات من دمارٍ ومعاناةٍ وآلامٍ لشعوب هذه الأرض، كما لا يعني ضمان الانتصار تلقائيًا في مواجهة كلّ تهديد؛ وإنّما هو تذكير بحقيقة تاريخية مفادها أنّ القوة العسكرية قد تُلحق الجراح بأرضٍ وشعب، لكنّها لا تستطيع بسهولة محو هوية أمةٍ واعية بتاريخها، مدركةٍ لجذورها الحضارية.

 

وفي هذه النقطة بالذات، التأمت في ذهني خيوط تلك الكتب، والمطعم الصغير، وتجربة تناول العشاء البسيطة، لتغدو جميعها مشهدًا واحدًا متكاملًا.

 

وعند المغادرة، شكرتُ مضيف المطعم الودود، الذي كان يؤدي عمله بلباقةٍ ومسؤولية، وهو أحد أبناء العشائر الأصيلة في غرب بلادنا. وتحدّثت معه عن قيمة هذه المبادرة الجميلة، ووعدته بأن أكتب عنها مقالًا تقديرًا لهذه اللفتة الثقافية. لكنّ ذهني، في تلك اللحظة، تجاوز الكتب الموضوعة على المائدة، ومضى يفكّر في مصير أولئك الذين يحلمون اليوم بإخضاع إيران، مستندين إلى استعراض القوة وضجيجها.

 

وقلت في نفسي: إنّ هؤلاء سيدركون يومًا أنّ المسافة بين أحلام القوة وحقائق التاريخ تمتدّ قرونًا طويلة. ولعلّ الذين يتجاهلون، في حساباتهم، إرادة شعبٍ وذاكرته، يرون في أحلامهم المضطربة ذلك القطن الذي يتمنّاه النائم، كما يقول المثل الفارسي القديم: «الجمل يرى في منامه حبّات القطن»؛ وهو تعبيرٌ شائع عن الأماني البعيدة عن الواقع، والأحلام التي تتبدّد حين يوقظها التاريخ من سباتها.

 

وأخيرًا، تبقى ملاحظة صغيرة، لكنها تحمل بالنسبة إليّ دلالةً كبيرة.

 

ليت صاحب هذا المطعم، الذي أظهر، من خلال مبادرته الثقافية الجميلة واختياره كتبًا تتناول تاريخ إيران، مدى تعلّقه بالحضارة العريقة لهذه الأرض، قد استلهم هذا الإرث اللغوي والثقافي نفسه عند اختيار اسم مطعمه، فاختار الكلمة الفارسية الجميلة، البسيطة والأصيلة «رود» (بمعنى النهر)، بدلًا من الكلمة الإنجليزية «ريفر» (River).

 

ما أجمل أن تُصان اللغة، إلى جانب صون التاريخ والكتاب! فاللغة أحد أعمدة بقاء هذه الحضارة، وكلماتها، مثل الأنهار الجارية في جغرافيا إيران، تحمل منذ قرونٍ الحياة والذكريات والثقافة من جيلٍ إلى جيل.

 

ولعلّ هذا أيضًا أحد الدروس التي تقدّمها لنا تلك المجلّدات الضخمة: فالحضارة لا تختزلها القصور والنقوش وميادين الحروب؛ إذ قد تتجلّى أحيانًا في اختيار بضعة كتب لمطعم صغير، أو في كلمة ننتقيها لتكون اسمًا له، أو في احترامٍ بسيط نُبديه لثقافتنا وتاريخنا.

 

وهكذا غادرتُ ذلك المطعم الصغير في تلك الليلة، وأنا أحمل ذكرى كبيرة؛ ذكرى لقاءٍ متجدّد بإيران، في مرآة بضعة مجلّدات من الكتب. إيران التي جُرحت مرارًا، لكنها ما زالت تكتب روايتها بنفسها؛ إيران التي لا يمكن وضع نهاية لتاريخها بخطابٍ واحد، أو تغريدةٍ واحدة، أو تهديدٍ واحد، أو حسابٍ سياسيّ عابر.

 

تمضي الأنهار، ويأتي الغزاة ثم يرحلون، أمّا الحضارات فتبقى حيّةً بذاكرتها وثقافتها ولغتها؛ وإيران لا تزال حكايةً مفتوحةً عن البقاء والصمود، حكايةً لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد.

المصدر: الوفاق