وخلال مراسم افتتاح “مركز وثائق ومتحف الشهيد السيد كمال خرازي” اليوم الأحد أشار “عراقجي” إلى أن هذه التصريحات تعيد التأكيد على الرؤية التي طرحها الشهيد الدكتور خرازي قبل نحو عام ونصف خلال مؤتمر “الحوار الإيراني العربي” حول السياسات الإقليمية، مؤكداً ثبات النهج الإيراني رغم اندلاع حربين كبيرتين في المنطقة؛ حيث شدد على تمسك بلاده بضرورة تحقيق السلام والاستقرار الإقليمي عبر الجهود الذاتية للدول المعنية بعيداً عن التدخلات الخارجية.
وفي سياق تحليله للحروب الإقليمية، اعتبر وزير الخارجية أن الحروب التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية مثلت منعطفاً تاريخياً أدى إلى زعزعة الهياكل الأمنية القائمة وتغيير المعادلات الإقليمية، مؤكداً أن الأوضاع الراهنة لن تعود إلى ما كانت عليه سابقاً.
وانتقد عراقجي المنظومات الأمنية القائمة على الوجود الأجنبي موضحاً أن القواعد الأمريكية لم تنجح في توفير الأمن للدول المضيفة، بل أصبحت مصدراً لعدم الاستقرار وشاركت في الهجمات ضد الجمهورية الإسلامية قي إيران قبل أن تتعرض للرد. كما حمّل الكيان الصهيوني المسؤولية الرئيسية عن زعزعة استقرار المنطقة وإشعال الصراعات وعرقلة مساعي تحقيق الأمن.
وأشار وزير الخارجية إلى أن هذه التطورات تفرض على دول المنطقة ضرورة إعادة تقييم مقارباتها الأمنية، معرباً عن ترحيبه بكافة المبادرات التي تهدف إلى بناء أمن إقليمي ذاتي المنشأ، يعتمد على قدرات وإمكانات دول المنطقة لضمان استقرارها.
وأكد عراقجي أن سياسة حسن الجوار التي تنتهجها الجمهورية الإسلامية تقوم على مبادئ التعايش السلمي مع دول الجوار، مشدداً على أن ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميين يتطلب صياغة رؤية مشتركة تتبناها كافة دول المنطقة، بعيداً عن أي تدخلات خارجية.
وفي سياق استعراض الجهود الإقليمية لتعزيز الأمن أشار وزير الخارجية إلى أن التوجه نحو تنسيق المساعي وإبرام التفاهمات المشتركة يمثل مساراً صحيحاً، رغم ما يكتنف بعض الملفات من غموض وتحديات تستوجب المعالجة.
كما شدد عراقجي على أن إرساء دعائم السلام يستلزم إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة معتبراً أن هذه القوات تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية مصالحها الخاصة وعلى رأسها أمن الكيان الصهيوني وهو ما يؤدي استمراره إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار.
واستشهد عراقجي بالواقع الميداني، موضحاً أن القوات الأمريكية لم تنجح في توفير الحماية للكيان الصهيوني أو للدول التي تحتضن قواعدها، بل عجزت حتى عن تأمين وجودها؛ مستنداً في ذلك إلى بيانات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التي أكدت تعرض معظم القواعد الأمريكية في المنطقة لأضرار وتدمير مئات المنشآت داخلها موضحاً أن الولايات المتحدة فقدت خلال العمليات العسكرية أكثر من 80 طائرة ومقاتلة جرى استهداف معظمها وهي على الأرض عبر هجمات صاروخية إيرانية.
وفي هذا الصدد، جدد وزير الخارجية التأكيد على أن النهج الذي وضعه الشهيد الدكتور “خرازي” يظل ركيزة أساسية في السياسة الإيرانية والمتمثل في ضرورة تحمل دول المنطقة مسؤولية أمنها ذاتياً دون الاعتماد على القوات الأجنبية معرباً عن استعداد طهران للمساهمة الفاعلة في هذا التوجه والانخراط في حوارات بناءة بشأنه.
أكد عراقجي أن الروابط الجغرافية التي تجمع دول المنطقة تفرض ضرورة ملحة لإرساء ترتيبات أمنية مشتركة نظراً لطبيعة الجوار الدائم بينها، داعياً إلى صياغة حلول تضمن إشراك كافة دول المنطقة في إدارة ملفاتها الأمنية بعيداً عن أي تدخلات خارجية.
وفي سياق المساعي الدبلوماسية شدد وزير الخارجية على طبيعة الترابط الوثيق بين الأزمات والصراعات الإقليمية مشيراً إلى أن استمرار النزاعات في أي من ساحات المنطقة يتنافى مع مساعي تحقيق الاستقرار والسلام في الساحات الأخرى.
كما لفت إلى أن إيران شددت خلال مفاوضاتها مع الجانب الأمريكي بوساطة من باكستان وقطر وأطراف دولية أخرى، على وجوب أن ينص أي اتفاق لإنهاء الحرب على وقف كافة المواجهات في جميع الجبهات، محذراً من أن حصر التسوية في ساحات محدودة لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة.
واستعرض عراقجي في جانب من كلمته مسيرة الشهيد الدكتور سيد كمال خرازي، واصفاً إياه بـ “العقلانية الثورية”؛ نظراً لما تميز به من جمعٍ بين العمق الفكري ومنهجية الحوار والتشاور، مع التمسك الراسخ بمبادئ الثورة الإسلامية. وأكد أن الشهيد خرازي كان من أبرز الشخصيات التي جسدت الدبلوماسية القائمة على الحوار، مع إيمانه الثابت بمرتكزات السياسة الخارجية الإيرانية، وفي مقدمتها دعم المقاومة والقضية الفلسطينية، وهي المبادئ التي دافع عنها قولاً وعملاً منذ ما قبل الثورة الإسلامية وحتى وفاته.
وأشار إلى أنه عقب انتهاء مهامه وزيراً للخارجية، استمر الشهيد في أداء دوره الفكري والاستشاري بصفته مستشاراً للقائد الثوري ورئيساً للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، حيث ساهم بفعالية في بلورة الرؤى والتوصيات المتعلقة بالسياسة الخارجية عبر نقاشات معمقة ومشاورات تخصصية.
واختتم بالتأكيد على رؤية الشهيد خرازي التي كانت تنص على ضرورة استمداد أمن المنطقة واستقرارها من مقوماتها الداخلية بعيداً عن التدخلات الأجنبية، مشدداً على أن دول الجوار تمثل شركاء أساسيين في بناء مستقبل يسوده السلام وليست أطرافاً منافسة، مع دعوته المستمرة لتعزيز الحوار الثنائي والمتعدد الأطراف، وبناء الثقة المتبادلة، وتسوية الخلافات عبر الوسائل السلمية.