رهانات ترامب تحرق جيوب الأميركيين

فاتورة هرمز تشعل أسعار الوقود وتنهك الأسر؛ وتضع مصالح ترامب النفطية تحت المجهر

تكشف الأزمة هشاشة الترابط بين أسواق الطاقة العالمية والاقتصاد الأميركي، حيث تنعكس اضطرابات الإمدادات سريعاً على الاستهلاك والإنتاج والقدرة الشرائية

تكشف أزمة تعطّل الملاحة في مضيق هرمز عن تناقض صارخ في أمن الطاقة الأميركي؛ فبالرغم من أن الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، فإنها تتحمل العبء الأكبر من ارتفاع أسعار الوقود، بعدما رفعت الأزمة فاتورتها بنحو 160 مليار دولار، أي ما يقارب ثلث الكلفة الإضافية العالمية المقدّرة بـ468 مليار دولار. ووفق دراسة مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)، المنشورة في27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بلغت الكلفة الإضافية نحو 60 دولاراً للفرد عالمياً، مقابل 471 دولاراً للفرد في الولايات المتحدة، وهي الأعلى بين الدول المشمولة بالدراسة.

 

لا تعكس هذه الأرقام إنفاقاً حكومياً مباشراً، بل تقدّر الكلفة الإضافية التي يتحملها الأميركيون جراء ارتفاع أسعار البنزين والديزل. فالكلفة الحقيقية للأزمة لا تقف عند حدود أسواق الطاقة، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ تتحول اضطرابات الإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية إلى أعباء ملموسة على الأسر، من فاتورة الوقود إلى تكاليف النقل والغذاء، ليدفع المواطن ثمن أزمة لم يصنعها.

 

وتكتسب هذه المفارقة بُعداً سياسياً إضافياً مع تقرير للديمقراطيين في اللجنة الاقتصادية المشتركة بالكونغرس الأميركي، قدّر ارتفاع قيمة حيازات ترامب من أسهم النفط والغاز بما يصل إلى 35.8 مليون دولار منذ بداية عام 2026، ما يفتح باب التساؤلات بشأن تضارب المصالح في ظل أزمة الطاقة.

 

فاتورة الطاقة تضغط على الأسر والعمال

 

لا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار الوقود عند المبلغ الذي يدفعه المواطن في محطة البنزين، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية. فارتفاع كلفة الطاقة والنقل يزيد الضغوط على ميزانيات الأسر، التي تجد نفسها مضطرة إلى تخصيص جزء أكبر من دخلها لتكاليف التنقل إلى بالعمل، على حساب نفقات أخرى مثل الغذاء والإيجار والرعاية الصحية والفواتير. ومع انتقال جزء من الزيادة في تكاليف النقل إلى أسعار السلع والخدمات، تصبح الأزمة أوسع من مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار البنزين والديزل، لتتحول إلى ضغط إضافي على القدرة الشرائية، ولا سيما لدى ذوي الدخل المحدود.

 

وتظهر الأرقام التي أوردتها الدراسة مدى اتساع هذه الضغوط عالمياً؛ فقد ارتفعت أسعار الديزل في 149 دولة من أصل 169 شملتها المقارنة، بزيادة بلغت نحو الثلث في المتوسط، فيما ارتفعت أسعار البنزين بأكثر من الخُمس في 148 دولة من أصل 170. واعتمدت الدراسة على مقارنة أسعار البنزين والديزل ومستويات استهلاكهما خلال كانون الثاني وشباط/ فبراير 2026، قبل اضطراب الملاحة، بالأسعار الفعلية عند محطات الوقود منذ بداية آذار/ مارس، بهدف تقدير الكلفة الإضافية التي تحملها المستهلكون نتيجة الأزمة.

 

وتبدو التداعيات أكثر قسوة على العمال الذين تعتمد سبل عيشهم على الوقود. فسائق الشاحنة يحتاج إلى الديزل لنقل البضائع، والمزارع يعتمد على الوقود لتشغيل الآلات ونقل المحاصيل، والعامل الذي يقطع مسافات طويلة للوصول إلى وظيفته لا يستطيع دائماً الاستغناء عن سيارته أو التحول إلى وسائل نقل بديلة. وفي هذه الحالات، لا تمثل الزيادة مجرد إنفاق إضافي يمكن تجنبه، بل كلفة مفروضة تقتطع من الدخل، وقد تقلّص الأرباح أو تدفع أصحاب الأعمال الصغيرة إلى رفع أسعار خدماتهم أو تقليص نشاطهم.

 

لماذا دفعت الولايات المتحدة الكلفة الأعلى؟

 

تفسّر الدراسة ذلك بارتفاع استهلاك الفرد من الوقود، والاعتماد الواسع على السيارات الخاصة، وبطء التحول إلى وسائل نقل أقل اعتماداً على البنزين والديزل. فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في ارتفاع أسعار الوقود الأميركية مقارنةً بأسعارها في دولٍ أخرى، بل في ارتفاع استهلاك الفرد من الوقود، ما يجعل أي زيادة في الأسعار أكثر كلفة عليه.

 

كذلك، لا تعني وفرة النفط الخام داخل الولايات المتحدة أن أسعار الوقود في محطاتها منفصلة عن السوق العالمية. فالولايات المتحدة تنتج من الديزل أكثر مما تحتاج إليه محلياً وتصدّر الفائض، ما يربط أسعار المنتجات المكررة لديها بالتطورات الدولية. وعندما ترتفع الأسعار العالمية، أو تتراجع القدرة على تكرير النفط وتحويله إلى وقود جاهز للاستخدام، يمكن أن تنتقل آثار الاضطراب إلى السوق الأميركية، حتى مع استمرار الإنتاج المحلي بمستويات مرتفعة.

 

وتشير المعطيات المرتبطة بالأزمة إلى أن ارتفاع أسعار الوقود لم ينتج من عامل واحد، بل من تداخل ارتفاع أسعار النفط الخام مع تراجع قدرات التكرير. فقد أدت اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز والضربات الإيرانية التي استهدفت مصافي في المنطقة إلى الضغط على قدرات التكرير في الخليج الفارسي، فيما أثرت الهجمات الأوكرانية على روسيا أيضاً في بعض قدراتها التكريرية. ونتيجةً لذلك، لم يقتصر الضغط على توافر الخام، بل امتد إلى إنتاج الوقود المكرر نفسه، وهو عنصر أساسي في تحديد الأسعار التي يدفعها المستهلكون.

 

وفي هذا السياق، سجّل متوسط أسعار الديزل عالمياً مستوى قياسياً جديداً، فيما عادت أسعار البنزين إلى مستويات الارتفاع الحاد التي أعقبت العملية العسكرية في أوكرانيا عام 2022. وتكشف هذه التطورات أن امتلاك الموارد النفطية لا يكفي وحده لحماية الاقتصاد من اضطرابات الإمدادات، لأن الوقود سلعة تتأثر بحركة الأسواق الدولية وبالقدرة على تكريره ونقله وتوزيعه.

 

أمن الطاقة يفضح تناقضات ترامب والسياسة الأميركية

 

تكشف أزمة تعطل الملاحة في مضيق هرمز الوجه الآخر للسياسة الأميركية في عهد ترامب: إدارة تتحدث عن حماية المصالح الأميركية واستعراض القوة، بينما يدفع المواطن الأميركي ثمن التصعيد من جيبه ومعيشته. فالعدوان على إيران لم يبقَ محصوراً في ساحات المواجهة، بل امتدت آثاره إلى أسعار الوقود وتكاليف النقل وأعباء الأسر والعمال.

 

وفي هذا السياق، أشار التقرير الديمقراطي إلى أن 94% من مشتريات ترامب من أسهم النفط والغاز خلال عام 2026 جرت بعد بدء العدوان على إيران. وتثير هذه المعطيات أسئلة بشأن تضارب المصالح، في وقت يتحمل فيه الأميركيون أعباء ارتفاع أسعار الوقود، فيما ترتفع قيمة حيازات الرئيس في قطاع الطاقة. لكن تزامن هذه المشتريات مع الحرب وارتفاع قيمة الأسهم يثير تساؤلات بشأن احتمال الاستفادة المالية من التصعيد، من دون أن يشكّل دليلاً قاطعاً على أن قراراته اتُّخذت لتحقيق مكاسب شخصية، أو أن الزيادة المقدّرة في قيمة الحيازات تحوّلت إلى أرباح نقدية فعلية.

 

ويواجه ترامب، الذي يرفع شعار «أميركا أولاً»، سؤالاً جوهرياً: من المستفيد من سياسات التصعيد، ومن يتحمل فاتورتها؟ فالقرارات تُتخذ في البيت الأبيض، لكن أعباءها تصل إلى المواطنين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف المعيشة والتشغيل. وحين تُقدَّم هذه الأعباء باعتبارها ثمناً مقبولاً لأهداف استراتيجية، يصبح من حق الأميركيين مساءلة إدارة تضع حسابات القوة في الواجهة، بينما تترك المواطنين في مواجهة النتائج الاقتصادية.

 

في المحصلة، تكشف أزمة هرمز حدود الشعارات الأميركية عن القوة والاستقلال: فالدولة التي تسعى إلى توسيع نفوذها خارج حدودها لا تستطيع تجاهل الثمن الذي يدفعه مواطنوها في الداخل. وأمام ترامب سؤال لا تجيب عنه خطابات القوة: كيف يمكن تبرير سياسات تُقدَّم باسم المصالح الأميركية، فيما يتحمل المواطنون أنفسهم جانباً من كلفتها الاقتصادية؟.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص