* خريطة طريق لمدّة عامين؛ وتنظيم مؤسسي لأبحاث الصحة الرقمية
وأوضح الدكتور رامين كُردي، مساعد الشؤون البحثية والتكنولوجية في جامعة طهران للعلوم الطبية، خلال اجتماع تقديم الحدث المرتكز على حل المشكلات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة والذي أُقيم في مستشفى سينا، أن الجامعة أطلقت منذ نحو عامين تخطيطاً مدروساً لتطوير الذكاء الاصطناعي بشكل هيكلي. ويُعد تدوين خريطة طريق مكتوبة، وتحديد آفاق الحركة، وتشكيل الأمانة المركزية، واللجنة التنفيذية، و26 لجنة تخصّصية نشطة على مستوى المستشفيات والكليات، من بين الإجراءات البنى التحتية التي أخرجت الأنشطة البحثية والعلاجية من حالة الجزر المنعزلة ووجهتها في إطار منسجم.
وإلى جانب التنظيم البحثي، اتُّخذت خطوات تعليمية واسعة لتمكين أعضاء هيئة التدريس وأساتذة الجامعة، لكي يتعرف الكادر السريري في البلاد، تزامناً مع التطورات العالمية، على المفاهيم والقدرات الحديثة للذكاء الاصطناعي. كما تعكف الجامعة، في سياق الشفافية وتسريع العمليات الأكاديمية، على تصميم برمجيات ذكية لفحص والتحكيم التلقائي للمشاريع البحثية، مما من شأنه تقليل الأخطاء البشرية والبيروقراطيات المرهقة إلى الحدّ الأدنى.
* تحدّيات التمويل وضرورة التآزر الوطني
يُعدّ العبء المالي الثقيل أحد أبرز العقبات في مسيرة تطوير التكنولوجيا الطبية المتقدمة. فمشاريع الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة، نظراً لاعتمادها على بنى تحتية معالجة ضخمة، وخوارزميات معقدة، وفرق عمل مشتركة بين الطب والهندسة، تكلفتها تفوق عدة أضعاف تكاليف الأبحاث الطبية المعتادة، وهو ما يجعل تمويلها من الاعتمادات المحدودة للجامعات أمراً شبه مستحيل عملياً.
وقد دفعت هذه الضرورة الاستراتيجية جامعة طهران للعلوم الطبية إلى الدخول في مجال دبلوماسية التكنولوجيا، من خلال عقد مذكرة تفاهم مشتركة بين وزارة الصحة ومعاونة العلوم والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة في رئاسة الجمهورية. وقد وفّر هذا التآزر بين الجهات العليا الأرضية لتصميم وتنفيذ برامج وطنية كبرى، مما تبلورت ثماره في إصدار ثلاث دعوات وطنية وتلقّي 281 مشروعاً بحثياً من الجامعات والمراكز العلمية في مختلف أنحاء البلاد؛ وهي دعوات أسفرت في نهاية المطاف عن قبول ودعم 72 مشروعاً مختاراً تتمحور حول التعاون المشترك بين الأخصائيين السريريين والشركات التكنولوجية.
* المعايير التنظيمية؛ من التحقق من صحة الأدوات إلى الرموز الأخلاقية
إن دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى غرف العمليات والسرير الطبي يتطلب، قبل أي شيء، أطرًا قانونية وأمنية وأخلاقية دقيقة. ففي غياب التنظيم المناسب، يمكن أن تتسبب الأخطاء الخوارزمية في تداعيات لا تُحمد عقباها. وفي هذا السياق، جرى إعداد «الوثيقة الوطنية لتطوير وتطبيق الذكاء الاصطناعي في الصحة» باعتبارها إحدى الإنجازات الكبرى للمشاريع الوطنية.
إضافة إلى ذلك، وبهدف تنظيم دخول معدات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي إلى سوق العلاج، تم تطوير نموذج تخصصي لـ«التحقق من صحة أدوات الذكاء الاصطناعي» عبر عمل مكثف استمر 6 أشهر. وبعد إرسال هذا الإطار إلى منظمة الغذاء والدواء ونيل موافقتها، أصبح مؤشراً رسمياً للتقييم، ويجري حالياً تقديم عدد من الأدوات إلى المراجع المختصة لتقييمها ونيل الاعتماد. وفي الوقت نفسه، يمر إعداد مجموعة من الرموز الأخلاقية الناظرة لحماية خصوصية المرضى وضوابط صيانة بيانات الصحة في اللجنة المركزية للأخلاقيات التابعة لوزارة الصحة بالمراحل النهائية لإبلاغها.
* دخول الخوارزميات إلى أقسام التصوير الطبي والأشعة المتقدمة
لقد وصل جزء كبير من المشاريع التكنولوجية إلى مرحلة التطبيق السريري أو المخبري، مما أحدث تحولاً جذرياً في مجال الأشعة ومعالجة الصور. وفي هذا السياق، نجحت مشاريع في التشخيص التلقائي لويحات مرض التصلب العصبي المتعدد (MS) في صور الرنين المغناطيسي (MRI) والكشف الفوري عن نزيف الدماغ، مما يزيد بشكل ملحوظ من سرعة ودقة الأطباء في أقسام الطوارئ والتخصصات الدقيقة.
وتُعدّ إحدى الابتكارات البارزة الأخرى مشروع تحويل صور الرنين المغناطيسي (MRI) إلى صور الأشعة المقطعية (CT scan)، مما يقلل من تعرض المرضى للأشعة المؤينة الضارة. كما تُعد محاكاة صور التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) المتقدمة بناءً على الرنين المغناطيسي، وإعادة بناء معلومات التشخيص دون الحاجة إلى حقن مادة الظليل، من الإنجازات الأخرى للهندسة الطبية التي تحد من الآثار الجانبية ومخاطر الطرق التدخلية إلى الحد الأدنى. إضافة إلى ذلك، تُطور مشاريع في مجال جراحة العظام للتشخيص التلقائي لإصابات المفاصل والركبة، وذلك لرفع دقة التحليلات الجراحية.
* من فحص الميلانوما وسرطان الكبد إلى الصحة الرقمية والسكري
تتسم تطبيقات هذه التكنولوجيا متعددة التخصصات باتساع نطاقها، وتشمل طيفاً واسعاً من الأمراض:
- الأورام وعلم الأمراض: تطوير نماذج ذكية لتحليل صور الجلد وتقييم خطر الإصابة بالميلانوما (سرطان الجلد)، إلى جانب مشروع جامعة شيراز للعلوم الطبية للكشف المبكر عن سرطان الكبد من خلال معالجة الصور.
- رعاية الأُمّ والوليد: القياس التلقائي للمؤشرات الحيوية لدى حديثي الولادة عبر تحليل صور الموجات فوق الصوتية، والمساعدة على متابعة صحة الحمل.
- أمراض القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي: التحليل المتقدم لتخطيط كهربية القلب (ECG) وتخطيط صدى القلب، وتقدير كثافة المعادن في العظام بالاستناد إلى صور التصوير المقطعي المحوسب للقلب، فضلاً عن إطلاق نظام ذكي لإدارة رعاية مرضى السكري في معهد أبحاث علوم الغدد الصماء والتمثيل الغذائي، يقدّم خدمات طبية مخصصة.
- تثقيف المرضى وإعادة تأهيلهم: تطوير نظام حديث يحلل السجل الإلكتروني للمريض، ثم يقدّم له محتوى تثقيفياً ورعوياً مخصصاً بالكامل وفقاً لتشخيصه السريري. وقد طُبّق النظام تجريبياً حتى الآن على 8 مرضى.
* حاجة ملحّة إلى مزرعة حوسبة للمعالجات الرسومية
على الرغم من الإمكانات العلمية الكبيرة والنجاحات اللافتة التي حققها الباحثون في تطوير الخوارزميات، فإن نقص البنية التحتية للأجهزة يبرز بوصفه أكبر عائق وعنق زجاجة أمام التطور الوطني للذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة. فالنماذج المتقدمة للتعلم العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي تتطلب قدرة حوسبية عالية للغاية.
وأكد مسؤولون في جامعة طهران للعلوم الطبية مراراً الحاجة الماسّة إلى إنشاء «مزرعة حوسبة مجهزة ببطاقات رسومية قوية» لتحقيق نقلة مستدامة في هذا المجال. وفي حال توفير الجهات المعنية مساحة مادية مناسبة وتعزيز التعاون بين القطاعات، يمكن لهذه البنية التحتية الحيوية أن تسرّع توطين النماذج الطبية واسعة النطاق، وأن ترسّخ مكانة البلاد في طليعة معارف الصحة الرقمية.