انتقلت حرب إيران، منذ يومها الأول، من الميدان العسكري إلى ساحة السياسة الداخلية الأمريكية، وأصبحت الآن أحد العوامل الرئيسية في إعادة بناء قوة الديمقراطيين داخل الكونغرس. فقد واجه الرئيس الأمريكي، الذي تعهّد خلال حملته الانتخابية عام 2024 بإبعاد الولايات المتحدة عن «الحروب الحمقاء التي لا تنتهي»، انتقادات من الديمقراطيين بعد شنّ العدوان العسكري المشترك مع الكيان الصهيوني ضدّ إيران، كما دفع جزءاً من ناخبيه إلى الانضمام إلى صفوف المعارضين في الانتخابات الأخيرة.
وقال ترامب لصحيفة «وول ستريت جورنال»، عقب هزيمة حزبه في الانتخابات، إن حرب إيران كانت «جزءاً من» أسباب هزيمة الجمهوريين، وإن ارتفاع أسعار الوقود، الذي يُعد نتيجة مباشرة لحرب إيران، كان العامل الأكبر وراء هذه الهزيمة. ويأتي هذا الاعتراف بعدما وصف ترامب سابقاً، خلال تجمع انتخابي، تكاليف الحرب بأنها «تكلفة ضئيلة»، وزعم بشأن أسعار البنزين أنها «ثمن بسيط لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي».
الكونغرس الجديد؛ من الرقابة إلى ضغوط الميزانية
يعتزم الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون مواجهة ترامب باستخدام ثلاث أدوات رئيسية، هي: التحقيق والميزانية وتقييد الصلاحيات الحربية.
وقال النائب الديمقراطي عن ولاية واشنطن والرئيس المقبل للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب آدم سميث، إنه يريد تحقيق «مزيد من الشفافية بشأن عمل البنتاغون وخطط الحرب في إيران». ويعتزم إجراء تحقيقات بشأن قرار بدء الحرب، وتغيّر المبررات التي قدمتها الإدارة، والخسائر في صفوف الجنود الأمريكيين، والضحايا المدنيين.
وفي مجلس الشيوخ، سيركز السيناتور الديمقراطي عن ولاية رود آيلاند والرئيس المقبل للجنة القوات المسلحة جاك ريد، على تكاليف الحرب واستراتيجيتها. وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن الديمقراطيين يعتزمون، بعد فوزهم في الانتخابات، جعل الرقابة على حرب إيران إحدى الأولويات الرئيسية للكونغرس، ولا سيما أن البنتاغون طرح طلباً غير مسبوق لميزانية تقترب من 1500 مليار دولار.
عملياً، يعني هذا التوجه عقد جلسات استماع بحضور القادة العسكريين والمسؤولين الاستخباراتيين ومسؤولي البنتاغون، والمطالبة بوثائق تتعلق بتحديد الأهداف وقواعد الاشتباك، ودراسة تقديرات الخسائر وتكاليف العمليات، وتقييم أداء وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث.
وقال أستاذ السياسة العامة في جامعة ماريلاند جوشوا شيفرينسون، لمجلة «فورين بوليسي»: إن الديمقراطيين «يجب عليهم وبإمكانهم» استخدام الصلاحيات التحقيقية للجان من أجل عقد جلسات استماع بشأن «الرقابة على حرب إيران».
وبحسب شيفرينسون، يمكن لهذه العملية أن تزيد وعي الرأي العام بتكاليف الحرب وخسائرها وإخفاقاتها العملياتية، وأن ترفع مستوى الضغط السياسي على البيت الأبيض.
الورقة الرئيسية؛ إغلاق جيب ترامب
تتمثل أهم أوراق الضغط التي يمتلكها الديمقراطيون في الميزانية، وليس في القرارات الرمزية. فبإمكان ترامب إصدار الأوامر العسكرية؛ لكنه يحتاج إلى تمويل من الكونغرس من أجل مواصلة حرب باهظة التكاليف، وتعويض الصواريخ المستهلكة، وإعادة بناء القدرات العسكرية.
وكتبت مؤسسة «توينتي فور» في تحليل نشرته قبل الانتخابات: «إذا سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس، فلن يتمكنوا من إنهاء الحرب منذ اليوم الأول؛ لكن ترامب يحتاج إلى تمويل الكونغرس لمواصلة حملة عسكرية واسعة وتعويض الصواريخ التي جرى استهلاكها».
ووفقاً للتقديرات الرسمية للبنتاغون، بلغت تكاليف الحرب حتى منتصف أكتوبر 1/47 مليار دولار، خُصص نحو 29 مليار دولار منها لتعويض الذخائر المستهلكة. وقد ارتفع هذا الرقم بشكل ملحوظ مقارنة بالتقديرات التي أعلنها هيغسيث في يوليو، والبالغة 5/37 مليار دولار.
كما طلب البنتاغون من مجلس الشيوخ ميزانية إضافية تبلغ نحو 80 مليار دولار، يرتبط جزء كبير منها بالحرب. واعتباراً من يناير 2027، سيصبح إقرار هذه الاعتمادات المالية بيد الديمقراطيين.
وكان السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت كريس مورفي قد قال سابقاً: «يجب على الديمقراطيين استخدام سلطتهم في الإنفاق لإنهاء الحرب… نريد تمويل وزارة الحرب؛ لكن إذا كان هذا التمويل سيُستخدم لمواصلة الحرب مع إيران، فلا».
كذلك أعدّ النائب الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت جون لارسون، مشروع قانون يحظر تمويل العمليات غير المصرّح بها ضد إيران، وأعلن عزمه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الإدارة، وقال: «يجب علينا قطع التمويل».
بناءً على ذلك، يستطيع الديمقراطيون أن ينصّوا صراحة في مشاريع قوانين الاعتمادات المالية الإلزامية على عدم استخدام أي اعتمادات فيدرالية لتنفيذ عمليات هجومية جديدة، أو إرسال قوات برّية، أو محاولة احتلال أراضٍ. وقد تتمثل إحدى الوسائل في إلحاق بند يحظر التمويل بمشروع قانون إلزامي، بحيث لا يستطيع ترامب الامتناع عن توقيعه.
ملف هيغسيث في الكونغرس الجديد
يُعدّ وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث الهدف الأكثر ترجيحاً للرقابة التي يعتزم الديمقراطيون ممارستها. فقد تعهّد سميث بفرض رقابة أكثر صرامة على البنتاغون وإدارة هيغسيث، ويمكن للجنة التي سيرأسها التحقيق في قرار شنّ الحرب، وتغيّر مبررات الإدارة، والخسائر البشرية، ونقص الذخائر. كما أن ملف عزل هيغسيث مطروح بالفعل. فقد قدّم الديمقراطيون قرارات تتضمن اتهامات بشن الحرب من دون موافقة الكونغرس، وإساءة استخدام السلطة، وعرقلة الرقابة.
كذلك دعا النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي، إلى إجراء تصويت على عزل هيغسيث. وقال السيناتور الجمهوري توم تيليس، إن هيغسيث سيواجه «مساءلة» خلال الجلسة القصيرة التي تُعقد في نهاية دورة الكونغرس. ولن يكون هذان الجمهوريان عضوين في الكونغرس المقبل.
مع ذلك، فحتى في حال موافقة مجلس النواب على قرار العزل، فإن إدانة هيغسيث وإقالته في مجلس الشيوخ تتطلب أغلبية خاصة. ونظراً إلى أن الديمقراطيين لم يتمكنوا من الحصول على أكثر من 60 مقعداً في مجلس الشيوخ، فإن فرص نجاح إقالة وزير عبر إجراءات العزل تبقى ضئيلة للغاية.
مع ذلك، فإن الوظيفة الرئيسية لهذا الملف ستكون كشف المعلومات والحقائق وخلق ضغوط سياسية على البيت الأبيض.
لماذا أصبحت مواصلة الحرب أكثر صعوبة بالنسبة إلى ترامب؟
لم تعد الحرب مجرد قضية تتعلق بالأمن القومي، بل تحولت إلى قضية اقتصادية وانتخابية.
وقال كبير الاقتصاديين في مؤسسة «موديز أناليتكس» مارك زاندي: إن الحرب حمّلت كل أسرة أمريكية، حتى ذلك الوقت، تكاليف إضافية بلغ متوسطها ألفي دولار، موزعة على النحو التالي: 1100 دولار نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، و540 دولاراً بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، و360 دولاراً من التكاليف العسكرية.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته «رويترز/ إبسوس» قبل الانتخابات أن 55 بالمئة من الناخبين كانوا يعتقدون أن تكاليف الحرب غير مبررة، في حين رأى 25 بالمئة فقط أنها تستحق هذه التكاليف. كما كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» أن ما يصل إلى ثلثي الناخبين غير راضين عن إدارة ترامب للحرب.
تأتي هذه الضغوط أيضاً من داخل الحزب الجمهوري نفسه. فبحسب موقع «ألترنيت»، يرى مسؤولون مقربون من ترامب وحلفاؤه الجمهوريون أن حرب إيران هي السبب الرئيسي للهزيمة، ويعتقدون أنه لو انتهت الحرب قبل أشهر، لكانت نتائج الانتخابات «مختلفة تماماً».
كيف يستطيع ترامب الالتفاف على الكونغرس؟
لا يزال ترامب القائد العام للقوات المسلحة، ولديه عدة وسائل للالتفاف على الكونغرس:
- مواصلة العمليات باستخدام الميزانية الحالية: يستطيع الاستمرار في العمليات الجوية والبحرية ما دامت الاعتمادات المالية المخصصة سابقاً متاحة.
- استخدام الميزانية العامة لوزارة الحرب: سبق للإدارة أن دمجت تكاليف الحرب ضمن الميزانية العسكرية العامة، لجعل الرقابة الدقيقة عليها أكثر صعوبة.
- استخدام حق النقض ضد قوانين الديمقراطيين: يحتاج الديمقراطيون إلى أغلبية الثلثين في كلا المجلسين لإلغاء حق النقض الرئاسي، وهم لا يمتلكون مثل هذه الأغلبية.
- تصعيد العمليات قبل 20 يناير 2027: قد يلجأ ترامب إلى تنفيذ عمليات جديدة قبل بدء عمل الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، بهدف تغيير الظروف الميدانية والسياسية مسبقاً.
ومع ذلك، فإن هذه الوسائل تواجه قيوداً جدية.
وترى مديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد «تشاتام هاوس» صنم وكيل، أن الهزيمة الانتخابية تزيد الضغوط الرامية إلى إنهاء الحرب؛ لكنها لا تمنع ترامب من شن مزيد من الهجمات؛ لأنه «يحتاج إلى انتصار دبلوماسي، أو على الأقل إلى مخرج من الحرب؛ لكنه في مواجهة الهزيمة قد لا يكون مستعداً للظهور بمظهر الضعيف».
لقد بدأ ترامب حرباً كان قد تعهّد بإبعاد الولايات المتحدة عنها، من دون أن يمتلك خطة واضحة لإنهائها.
ويقول مستشار السياسة الداخلية السابق للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ويليام غالستون، إن ترامب فقد مصداقيته عندما بدأ حرب إيران؛ لأنه كان قد وعد خلال حملته الانتخابية عام 2024 بإبعاد الولايات المتحدة عن «الحروب التي لا تنتهي».
وقال كبير المحللين في مجموعة «أوراسيا» غريغوري برو، لمجلة «فورين بوليسي»: «إذا عدنا بالزمن إلى 28 فبراير 2026، ونظرنا إلى الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة آنذاك، فلا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة أخفقت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الرئيسية».
وكانت النتيجة أن الحرب لم تحقق هدفها المعلن، ولم تعد تكاليفها قابلة للتحمل، كما لم تعد قابلة للدفاع عنها من الناحية السياسية.
والآن، يستعد الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون لوضع التكلفة الحقيقية لهذا «الثمن البسيط» على الطاولة، وثيقةً بعد وثيقة، ودولاراً بعد دولار.