تتجه إيران إلى تطوير رؤيتها السياحية والتنموية عبر مجموعة من البرامج والمشروعات التي تستهدف الارتقاء بالبنية التحتية للوجهات السياحية، وتنشيط حركة الزوار من الأسواق الإقليمية، وتوظيف التقنيات الرقمية في التعريف بمقوماتها التراثية والسياحية وتوسيع أسواق الصناعات اليدوية. وفي هذا السياق، تبرز محافظة هرمزغان ومدينة ميناب، جنوبي البلاد، ضمن أولويات الخطط التنموية الجديدة، بالتوازي مع توجهات لتسهيل استقطاب السياح العراقيين وتحديث الخدمات السياحية والثقافية، بما يعزز حضور إيران على خريطة السياحة الإقليمية والدولية.
ميناب.. على أعتاب تحول تنموي ومشاريع للتنمية
تستعد مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان، لمرحلة جديدة من التنمية، في إطار خطة وطنية شاملة تستهدف تطوير بنيتها التحتية وتعزيز إمكاناتها المحلية، بمشاركة المؤسسات الحكومية والمحافظات والقطاع المصرفي والقطاع الخاص.
وأكد وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، ضرورة مواصلة الدعم الوطني لأهالي ميناب، وتحويل المبادرات الداعمة للمدينة إلى برامج عملية ومستدامة تسهم في دفع مسيرة التنمية وتحسين الظروف المعيشية لسكانها.
وأشار سيد رضا صالحي أميري، خلال اجتماع مجلس المعاونين والمستشارين والمديرين العامين المركزيين والإقليميين للوزارة، إلى زيارته الأخيرة لمدينتي ميناب وبندر عباس، والبرامج المرتبطة بإحياء ذكرى شهداء مدرسة «الشجرة الطيبة»، مشدداً على أهمية استمرار الجهود الوطنية وتحويلها إلى خطوات تنفيذية ملموسة.
وأوضح أن 22 مؤسسة حكومية تشارك في المقر الوطني المعني بمدينة ميناب، لافتاً إلى أن الخطة الشاملة لتطوير المدينة، التي تتجاوز ألفي صفحة، تتضمن 50 مشروعاً تستهدف تعزيز البنية التحتية والارتقاء بمقوماتها التنموية.
ودعا صالحي أميري، محافظات البلاد إلى الإسهام في تنفيذ هذه المشروعات، بحيث تتولى كل محافظة مسؤولية أحد المشروعات الخمسين، بالتعاون مع المؤسسات المعنية والقطاع المصرفي والقطاع الخاص، مؤكداً أن تكاتف هذه الجهود من شأنه إحداث تحول ملموس في واقع المدينة.
وفي سياق تعزيز الإمكانات الثقافية والاستثمارية للمنطقة، أشار إلى عقد لقاءات مع مستثمرين في مجالات التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية، إلى جانب تنظيم ملتقى ثقافي بمشاركة 150 شخصية من المثقفين والفنانين. كما أعلن التخطيط لإطلاق «قافلة ميناب» لمواصلة الجهود الداعمة للمدينة، وتحويل المبادرات الوطنية إلى مشروعات عملية ومستدامة.
السياحة الجنوبية واستقطاب العراقيين
وفي إطار توسيع الأسواق السياحية الإقليمية، وضعت الوزارة تنمية السياحة في جنوب إيران ضمن أولوياتها، حيث دعا صالحي أميري إلى إعداد خارطة طريق واضحة لاستثمار المقومات السياحية للمنطقة خلال مرحلة ما بعد الحرب، وتعزيز حضورها على خريطة الوجهات السياحية.
وتولي هذه التوجهات اهتماماً خاصاً بالسوق العراقية، من خلال تطوير آليات استقبال الزوار وتسهيل دخولهم براً، ولا سيما العائلات التي تفضل السفر بسياراتها الخاصة. وفي هذا السياق، حُددت مدن آبادان وإيلام وكرمانشاه وأرومية بوصفها نقاطاً رئيسية لاستقبال السياح العراقيين، بما يتيح لهم مواصلة رحلاتهم جواً إلى وجهات سياحية أخرى داخل البلاد بعد دخولهم عبر المنافذ البرية.
كما دعا صالحي أميري المحافظات إلى دراسة الإمكانات الحدودية والمسارات المتاحة مع أذربيجان وأرمينيا وباكستان وتركيا ودول الخليج الفارسي، بهدف تنويع الأسواق المستهدفة، وتسهيل حركة السياح، وتعزيز التعاون السياحي مع الدول المجاورة.
التراث العالمي والتقنيات الحديثة في خدمة السياحة
وفي محور حماية التراث الثقافي والتعريف به، أكد صالحي أميري أن تسجيل المواقع والعناصر الإيرانية على قوائم التراث العالمي يمثل أولوية رئيسية للوزارة، داعياً القطاعات المعنية إلى تكثيف جهودها لدعم ملفات التسجيل واستكمال متطلباتها.
وبالتوازي مع ذلك، تتجه الوزارة إلى تحديث أساليب إدارة المواقع التاريخية وحمايتها، من خلال توظيف التقنيات الحديثة وأنظمة الرقابة الذكية، بما يساعد على مواجهة تحديات اتساع نطاق المواقع الأثرية ومحدودية الموارد البشرية.
وتشمل هذه التوجهات تطوير الخدمات الرقمية في المتاحف والمراكز الثقافية، وإتاحة الزيارات الافتراضية والجولات ثلاثية الأبعاد، بما يتيح للزوار والباحثين والمهتمين من داخل إيران وخارجها التعرف على المقتنيات والكنوز الحضارية دون التقيد بالحدود الجغرافية.
وأكد صالحي أميري أهمية مواكبة التحولات التكنولوجية العالمية في تطوير أنماط السياحة الحديثة وتوسيع نطاق الوصول إلى التراث الثقافي، مشيراً إلى ضرورة إعداد برنامج وطني للتحول الرقمي بالتعاون مع شركة الاتصالات الإيرانية.
التسويق الرقمي للصناعات اليدوية
ويمتد التوجه نحو التحول الرقمي إلى قطاع الصناعات اليدوية، الذي يمثل أحد المكونات الاقتصادية والثقافية المهمة في إيران، في ظل وجود نحو 670 ألف شخص يعملون في هذا المجال، مع مشاركة ملحوظة للنساء.
وأكد صالحي أميري أن تطوير التسويق والوصول إلى أسواق جديدة يشكلان ركيزتين أساسيتين لتعزيز هذا القطاع، موضحاً أن قنوات البيع التقليدية لم تعد كافية، وأن المنصات الرقمية وشبكات الاتصالات توفر فرصاً أوسع أمام الحرفيين لتسويق منتجاتهم والوصول إلى المستهلكين في الأسواق المحلية والدولية.
ومن شأن تطوير البنية التحتية الرقمية أن يعزز حضور المنتجات الحرفية الإيرانية في الأسواق العالمية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام المنتجين، فضلاً عن دعم فرص العمل والحفاظ على الحرف التقليدية بوصفها جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية للبلاد.
شراكة لتطوير الخدمات الرقمية
وفي خطوة لترجمة هذه التوجهات إلى برامج تنفيذية، أعلنت الوزارة استعدادها لإعداد مذكرة تفاهم مشتركة مع شركة الاتصالات الإيرانية، تتضمن مجالات التعاون في تطوير البنية التحتية الرقمية وتحسين جودة الخدمات في قطاعات التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية.
ومن المقرر تشكيل فرق مشتركة لمتابعة المفاوضات الفنية وإعداد الاتفاق، مع إشراك الاتحادات والتجمعات المهنية المتخصصة، بما يضمن مراعاة احتياجات العاملين في هذه القطاعات عند تصميم المشروعات وتنفيذها.
وتستهدف هذه الشراكة الانتقال من مرحلة التنسيق إلى تنفيذ برامج محددة وقابلة للتقييم، تشمل تكامل الخدمات السياحية، بدءاً من التخطيط للرحلة واختيار الوجهة، مروراً بإجراءات دخول البلاد، وصولاً إلى خدمات الإقامة والنقل وسائر الخدمات التي يحتاج إليها الزائر.
وتعكس هذه التوجهات مساعي إيران إلى الربط بين تطوير الوجهات السياحية، وتوسيع الأسواق الإقليمية، وحماية التراث الثقافي، وتسويق الصناعات اليدوية، ضمن رؤية تنموية تستثمر الإمكانات المحلية والتقنيات الحديثة لتعزيز تنافسية المقاصد الإيرانية وتوسيع حضورها على خريطة السياحة الإقليمية والدولية.